شريط الأخبار

القرار 1850... هل تتطلب التسوية حرباً؟ ..رضوان السيد

11:39 - 21 تشرين أول / ديسمبر 2008

ـ الاتحاد الإماراتية 21/12/2008

جاء القرار رقم 1850 عجيباً في منطلقه ومعناه ونتائجه، فللمرة الأولى فيما تعيه الذاكرة، يتقدم الأميركيون والروس معاً بمشروع قرار، وهذا معناه أن الطرفين الرئيسيين في العالم ما عادا يريان أي مسوّغ للتأخير. وقد حدّدا الموعد المقبل للتنفيذ، وهو اجتماعُ الرباعية بموسكو (بعد أربعة أشهر)! والمفهوم أنه خلال هذه المدة ستبادر الرباعية الى جمع الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، لوضع النقاط على الحروف في المسائل المتبقية. وفيما تعيه الذاكرة أيضاً، ما كان هناك قرار من قبل بشأن النزاع العربي -الإسرائيلي أو الفلسطيني -الإسرائيلي إلا وأُلقي فيه اللوم على الطرفين، وطولبا بضبط النفس فيما تكون إسرائيل هي الغازية والمعتدية.

أما القرار 1850، فصحيح أن المساوئ الإسرائيلية ما ذكرت كلها، لكن المطالب كلها كانت باتجاه إسرائيل، ويضاف لذلك الدعوة الموجهة لسائر دول العالم لدعم السلطة الفلسطينية، وإعدادها لكي تتولى عمليات إقامة الدولة وتسييرها. ويدعم القرار المبادرة العربية للسلام، ويعتبر مسارا "أنابوليس" و"خارطة الطريق" (التي تولت أمرها اللجنة الرباعية+ العرب هذه المرة) طريقين أو آليتين للسير في الحل النهائي وإقامة الدولة الفلسطينية.

لقد سبق اتخاذ هذا القرار تطورات ووقائع على مدى العام 2008، يتعلق بعضها بإسرائيل، والبعض الآخر بالعرب، والبعض الثالث -إذا صحَّ التعبير- بالأوضاع العالمية، والبعض الرابع والأخير بإيران و"حزب الله" و"حماس" (وسوريا إلى حد ما).

الخليجيون لا يريدون أن تكون الصفقة مع طهران على حسابهم، فهم مهتمون بمسألة "النووي"، قدر اهتمامهم بالتدخلات الإيرانية في القضايا العربية الكبرى!

في إسرائيل جرت نقاشات بشأن كيفية الاحتفاظ بيهودية الدولة الإسرائيلية، وقيل من جانب أكثرية السياسيين والكتَّاب إنه لا طريقة للاحتفاظ بالدولة والهوية إلا بالانفصال عن الضفة الغربية وغزة، وفيهما اليوم 3.5 مليون فلسطيني، وخلال عشرين عاماً سيصل عدد هؤلاء إلى 5 ملايين، وهو عدد اليهود في إسرائيل، فإذا أضيف لذلك 1.5 مليون فلسطيني في الجزء المحتل قديماً من فلسطين، فإن الفلسطينيين سيمثلون 60٪ من مجموع سكان فلسطين. وهكذا وبعد طول نقاش، ما عاد هناك مَنْ يجادل في ضرورة إقامة دولة للفلسطينيين، وإنما متى، وبأية شروط أو تنازلات: ماذا يُعمل بالقرار رقم 194 الخاص باللاجئين؟ وكم يأخذ العرب من القدس؟ وكم يبقى من المستوطنات على الأراضي الفلسطينية؟ وهل الأفضل تكتيكياً الاستمرار في تأجيل الحل من أجل إرغام السلطة الفلسطينية على تنازلات في مسألتي القدس والمستوطنات؟ أم الأفضل التسريع حتى لا تنهار السلطة، ولا يعود هناك "شريك" للتفاوض غير "حماس"؟ ثم ما هو الأفضل: البدء بمصالحة سوريا، أم البدء بمصالحة أبومازن؟ (وهذا السؤال لنتنياهو الذي يرجو الفوز بالانتخابات ويرى أن الحل مع سوريا أولاً أقل كُلفة). وقد أجاب الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في الأمم المتحدة على كل هذه التساؤلات بالأمرين الأساسيين بالنسبة لإسرائيل: ضرورة بقاء يهودية الدولة بالانفصال السريع عن الفلسطينيين أو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضهم، وضرورة الإفادة من المبادرة العربية للسلام، لأنها تُعطي الكيان في مقابل الأرض، سلاماً مع الأكثرية العربية.

أما التطورات الخاصة بالعرب في العامين الأخيرين، فتتعلق بتردِّي الأوضاع لدى الفلسطينيين وانقسامهم وتهدد السلطة الفلسطينية الشرعية بالسقوط أو بالضعف الشديد. وإذا استولت "حماس"، فستسود حالةٌ من الفوضى، ويحتاج الأمر إلى سنوات لاستعادة الطابع الشرعي والتمثيل الشرعي للفلسطينيين في نظر العالم. فضلاً عن الكوارث التي ستنزل بالفلسطينيين نتيجة سطوة "حماس" بهم، وتصعيد العنف الإسرائيلي ضدهم. ويُضاف لذلك تمدُّد إيران على الخطوط الأميركية داخل الوطن العربي بعد غزو العراق 2003، وسيطرتها على التنظيمات الثورية الإسلامية في جوار فلسطين وبداخلها، أي "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي". وبذا فقد تسلَّمت إيران مباشرة وبالواسطة ملف الحرب، رافعة راية فلسطين، وداعية الى تحريرها، بينما تسلَّمت تركيا راية السلام البيضاء، وراحت تتوسط أو تعرض وساطة بين سوريا وإسرائيل، وبين إيران وإسرائيل، وبين إيران والولايات المتحدة. وفي ذلك تغييب للدور العربي وللمصالح العربية، وخاصة أن المحاربين والمسالمين يريدون من وراء "إنجازاتهم" الجلوس على الطاولة مع الولايات المتحدة لإثبات الوجود، وتحصيل المصالح، والاعتراف بمناطق النفوذ. إن هذا الوضع المُزري للفلسطينيين، وهذا الخطر الآتي من دول الجوار متشجعةً بالضعف والانقسام البادي، كلا الأمرين، دفع السعوديين والمصريين، ومن ورائهما أكثر الخليجيين، وعرباً آخرين، إلى الضغط الشديد باتجاه ثلاثة أمور: جمع "فتح" و"حماس" من أجل الاتفاق على برنامج وطني يُخرجُ عن الانقسام، وإعانة اللبنانيين والعراقيين على الصمود في وجه الامتدادات، وإعادة طرح المبادرة العربية للسلام بقوة، وما تحقق اختراق واضح في أيٍ من هذه الأمور. لكن الوضع في لبنان والعراق أفضل قليلاً، والمبادرة العربية تُصرِّح بدعمها الآن جهات دولية كبرى، وجهات إسرائيلية فاعلة، ويبقى الأعسرُ دفع "فتح" و"حماس" للاتفاق، لكي يتفاوض الفلسطينيون على قضايا الوضع النهائي من موقع قوة.

وهنا يأتي العامل الإيرانيُّ والمتمثل في سيطرة إيران على الحركات الثورية الإسلامية، فضلاً عن علائقها الوثيقة بمعارضين عرب كثيرين والعلاقة المتشابكة مع تنظيمات عربية أخرى، وربما بجهات في "القاعدة". وقد جمعت إيران هذه الأوراق طوال السنوات الماضية، من دعم الدخول الأميركي إلى أفغانستان، إلى دعم الولايات المتحدة في غزو العراق الذي يحكمه حلفاؤها اليوم، إلى تطوير تسليح "حزب الوحدة" الشيعي في أفغانستان، و"حزب الله" في لبنان، و"حماس" و"الجهاد" في فلسطين، وتنظيمات شيعية وسنية أخرى. وفي مقابل ذلك تريد إيران الوصول لصفقة شاملة مع الغرب تتضمن الاعتراف بنفوذها في العراق ولبنان وسوريا والخليج، وتصحيح الملفَّات القديمة بما فيها الأمور المالية مع الأميركيين. ثم لماذا سلَّمت الولايات المتحدة بالنووي لباكستان لأنها ساعدت في غزو أفغانستان، وترفض التسليم بذلك لإيران التي أسهمت أكثر في دعم السياسات الأميركية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001؟

هكذا وجدت دول الخليج ومصر والعراق نفسها تُواجهُ "فيتو" إيرانياً يتعلّقُ بالأمن والاستقرار فيها ويتعلق بمستقبلها، كما وجدت "فيتو" إيرانياً أحياناً، وأميركياً -سورياً أحياناً أخرى، يتعلق بالتسوية في فلسطين.

ونصلُ إلى الأوضاع العالمية، مثل الأزمة المالية العالمية وبعدها، فملفُّ الطاقة خطير بالنسبة للغرب والعالم، هو خطير عندما كان ثمن البرميل 160 دولاراً، وهو أخطر عندما بلغ سعر البرميل 45 دولاراً. وإذا كان بعض القراصنة في الصومال قد جعلوا مداخل المحيط الهندي جحيماً، فكيف إذا دخلت في ذلك الصواريخ والطوربيدات الإيرانية؟ وجاءت الأزمة المالية العالمية لتزيد من حاجة الولايات المتحدة والعالم لمنطقة الخليج واحتياطاتها النفطية المالية، ولتزيد أيضاً من إمكانيات التهديد من جانب إيران التي سيزداد وضعها الاقتصادي سوءاً، وهي متحفِّزة بانتظار فرض مطالبها على طاولة المفاوضات!

لذا فالذي جرى أو انعقد في نيويورك ليس اجتماع دول الرُّباعية والعرب من أجل التسوية وحسب، بل واجتمعت السُّداسية (دول مجلس الأمن الخمس الدائمة العضوية + ألمانيا) مع دول الخليج (باستثناء قطر وعُمان) لبحث الملف النووي الإيراني. وقد انصبّت مطالب عرب الخليج على ألا تكون الصفقة مع طهران، إذا جرت، على حسابهم، فهم مهتمون بمسألة النووي بقدر اهتمامهم بالتدخلات الإيرانية في الملفَّات العربية الكبرى، ومنها قضية فلسطين!

وما كان الإيرانيون والسوريون مسرورين أو هادئين تجاه هذه التطورات، وقد قامت حملة من سوريا نفسها ومن أتباعها في لبنان على السعودية وعلى مصر، ومما ذكره المناضلون الأشاوس أن الدولتين تريدان التخلي عن قضية فلسطين، وما بقي غير المقاومة وإيران وسوريا و"حماس". وما قصّرت "حماس" حين اخترعت ملف الحج، ومسألة الأسرى لمهاجمة السعودية ومصر. بيد أن الاستثناء هذه المرة كان تدخل إيران نفسها بقوة وبشكل مباشر، دونما انتظار لحملات "حزب الله" وسوريا، فقد جرت تظاهرات في طهران ندَّدت بالسعوديين الذين ما مكنوا الإيرانيين الحجاج من إحداث بلبلة في الحرم بدفعٍ من طهران. ثم اعتدى المتظاهرون على مكتب المصالح المصرية، ومكتب شركة طيران مصر، وقالوا: لأن مصر تُقفل معبر رفح!

إيران مُصرَّة إذن، و"حزب الله" كذلك، و"حماس" في هذا وذلك! فقد يكون المطلوب إنشاء حرب الآن "لإزالة العقبات". وقبل يومين قال وكيل وزارة الخارجية البريطانية إن في إعادة تسليح "حزب الله" بالصواريخ مغامرة بإعادة تدمير لبنان! وهكذا فكل الناس يتحدثون عن التسوية أو التهدئة الدائمة باستثناء طهران. وكل الناس يتوقعون حرباً (للإعداد للسلام)، إنما التردد فيمن يُبادر. (والله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون).

 

 

انشر عبر