شريط الأخبار

التحول السعودي/ بقلم: جاكي خوجي

05:02 - 14 تشرين ثاني / ديسمبر 2008


معاريف

تصريح قصير ولكن كثير المعنى انطلق على لسان الملك السعودي قبل بضعة ايام، في ذروة احتفالات الحج في مدينة مكة المكرمة. ففي لقاء مع رجال دين ورؤساء الوفود من الدول الاجنبية قال عبدالله بن عبدالعزيز انه حان الوقت للامة الاسلامية أن "تتحدث مع نفسها".

 

وما قصده الملك ليس الثرثرة على كأس من الشاي او حديث الصالون، بل الفحص المعمق، والاليم احيانا، للمشاكل العربية في هذا الجيل. وبالذات من السعودية، بلاد التزمت الديني عتيق السنين، يصدر رنين جرس تحذير، يطلب من الاخوان النظر الى المرآة والقرار في أي عالم يريدون العيش: عالم الامس، الغارق في الفقر، نقص التعليم وانعدام النقد الذاتي ام في عالم الغد الذي فيه وعد بمستقبل افضل. كفوا، يقول لهم، عن اتهام الاخرين باخفاقاتكم.

 

وبتعبير آخر فان الملك السعودي يناشد سامعيه ان يسألوا اين اخطأنا. واذا ما اطاعوا النداء فسيشاركون في مسيرة الاشفاء الذاتي. واذا لم يطيعوا، فسيبقون عالقين عميقا في القرن العشرين.

 

يوجد قدر ما من التفاؤل في أن بالذات القصر السعودي هو الذي يتصدى لريادة مسيرة الصحوة التي يرغب العالم العربي لنفسه فيها. فعلى مدى عشرات السنين منحت السعودية مأوى لجماعات ومنظمات اسلامية ودعمت كليات دينية من غزة وحتى الباكستان. وبفعلها هذا منحت تيارات متطرفة هدوءا ماليا، امنيا وثقافيا للتطور والعمل. لم تكن هذه ايديولوجيا، بل تكتيك. الملوك السعوديون توقعوا جيدا طاقة الخطر الكامن في هذه المحافل واعتقدوا بان من يأكل من صحنهم لن يعض اليد التي تملأه بكل ما لذ وطاب.

 

هذا المفهوم انكسر في 11 ايلول 2001 وتحطم بعد ذلك تماما، حين تبين أن في نظر الاصوليين الهدف الاول في ارتفاعه بعد امريكا هو اسقاط النظام في الرياض واقامة دولة شريعة بدلا منه. بعد عشرات السنين من تشجيع التيارات المتطرفة وبرجين توأمين اسقطا فهمت المملكة السعودية بان من مهمتها ان تقود بشرى الاصلاح التاريخي للمجتمع العربي والاسلامي.

 

كان مطلوبا ايضا قنبلة نووية شيعية توجد قيد التطوير كي يفهم امراء القصر السعودي الى أي منزلق تقودهم اليه الاصولية الاسلامية. عشرات الالاف كان ينبغي ان يدفعوا الثمن بحياتهم في العراق كي يعلموا الجيران في الرياض بان التهديد الاكبر على حياة المسلمين يأتي من العالم العربي نفسه وليس من امريكا او من اسرائيل.

 

التصريح الصادق للملك السعودي هو مرحلة اخرى في استراتيجية ترمي الى تشجيع التفكير المنفتح، التعليم والاعتدال. مئات الوعاظ والأئمة في المساجد هددوا بالاقالة اذا ما روجوا للعنف وشجعوا الجهاد الذي نتيجته قتل الابرياء. الاف آخرون اجتازوا دورات تعليمية تحث على التسامح. لقد عمق السعوديون دورهم في الساحة الفلسطينية المنقسمة وطرحوا "مبادرة السلام العربية" للسلام العربي الشامل مع اسرائيل. ومن تمويل المساجد والكليات الاسلامية انتقل القصر الى دعم الصحف الليبرالية نسبيا. اقيمت صحف ومحطات تلفزيونية رائدة، بدأت تتبنى الحوار الاكثر انفتاحا تجاه اسرائيل، الغرب وقيم الديمقراطية.

 

تصريح الملك عبدالله هو مرحلة اخرى في مسيرة مركبة، ترمي الى تغيير الخطاب السياسي الداخلي في الامة العربية على مستقبلها وطبيعتها. الاختبار الاول ليس محفوظا بالذات للمتطرفين، بل للملك نفسه وزملائه في قيادة الانظمة العربية. طلب بلطف، نفذ بلطف. وكخطوة اولى، عليهم ان يشاركوا الجماهير بالمليارات التي تدخل الى الصندوق العام ليمنحوه تعليما مناسبا، صحة، تقاعدا والحرص على احتياجاته مثلما لم يفعلوا حتى اليوم. وضع الانسان في المركز. والطريق لا تزال طويلة.

  

انشر عبر