إذا كانت السيدة تيريزا ماي، تتفق مع السيد ترامب، على « أن الإرهاب إسلامي، أو الإسلام إرهاب »، فإن تصريحها في واشنطن يوم الجمعة ٢٧/١/٢٠١٧ بأنه: « لا يمكننا أن نقضي على الإرهاب بدون القضاء على الإيديولوجيا ذاتها ». وهي كلمة حق، لا يراد بها باطل فقط، بل تنطوي عليه كلياً، في مجال توجيه الاتهام، أو محاولة الربط، بين الإسلام والإرهاب. ومفهوم هذين المسؤلين خطر بسبب الخطأ المتعَمَّد، أو أنه الخطر من دون ضرورة لوجود سبب. وهذا التوافق وما قد ينشأ عنه من أفعال عدوانية ضد المسلمين، ومن تشويه لقيم الإسلام ومفاهيمه وتعاليمه.. يعيد إلى الأذهان توافق « بوش - بلير » على القيام بالعدوان الإجرامي على العراق عام ٢٠٠٣
ومفهوم هؤلاء، الذي يتكرر بصيغ مختلفة، يذكرها ساسة، ومفكرون، وكتاب، وإعلاميون.. إلخ، ويقدِّم الإسلام أيديولوجيا، مثل أية نظرية « فكرية - سياسية - اقتصادية »، وليس رسالة إلهية حملها نبي مُرسَل، هو الذي ينطوي على موقف قديم متجدد ضد الإسلام، منذ بداية الرسالة وحتى اليوم، مروراً بالحروب الصليبية التي حملت ما حملت من حقد ومغالطات وجرائم، ووصولاً إلى ترامب، وما قد يتبع!؟ ومن ثم فإن التعبير بهذه الطريقة، الذي تواكبه ممارسات عدوانية - عنصرية كثيرة، يشير إلى أن أولئك يشنون حروباً متواصلة، للقضاء على الإسلام، تحت أية ذرائع، وأية مسميات، وادعاءات.. ومنها الإرهاب؟!
لا أريد مطلقاً أن يكون هذا صحيحاً، وأرغب بصدق، في أن أرى جدية وموضوعية وعقلانية، تنقض ذلك، وتبيِّن أن ما يُفهم من توافقه بينهما على هذا النوع من المفاهيم، هو خطأ، وأنهما لا يقصدان « القضاء على الإسلام، بذريعة القضاء على الإرهاب »؟!.. لكن الكثير من المؤشرات التي تصدر عن تصرفات ترامب وقراراته تشير إلى ربط بين مفهوم غريب وممارسة عنصرية وعدوانية مرتبطة به، وناشئة عنه. وقد يكون دور « ماي » مع ترامب مثل دور بلير مع W بوش، الذي وصفه البريطانيون بـ « ذنب الكلب ». وهذا الموقف « الفكري - السياسي - العقائدي »، هو تكرار للمتداول والمعمول به من سياسات، تتوالى منذ زمن طويل، في الاتجاه ذاته، مع الأسف الشديد.
الإسلام ليس أيديولوجيا أولاً، ولا تنطوي مفاهيمه السليمة وتعاليمه السمحة على تطرف يفضي إلى الإرهاب، ولا على إرهاب يتقنع بالتطرف، ولا ينطوي على مفاهيم من هذا النوع.. الإسلام رسالة إلهية، روحية، إيمانية، إنسانية، ونبيه جاء رحمة للناس كافة.. وهو يحرّم قتل الإنسان إلا بالحق، « والحق هنا شرع عادل، وحكمة عالية، ومحاكمة نزيهة »، لمن يرتكب جرماً بيِّناً. والإسلام أخلاق، وقيم، ومساواة بين الناس، ولا ينطوي على عنصرية من أي نوع، ولا بأية درجة. وقد قدّم علماً وثقافة وحضارة أضاءت للعالم سبلاً يوم كان يغط في ظلام الجهل والظلم، لا سيما أوروبا العصور الوسطى، والتخلف، والفظائع، والفقر، إلى أن بدأت نهضتها بعلوم العرب والمسلمين، وأشرقت شمسها، أو سطعت، حسب تعبير « زيغريد هونكة » مؤلفة كتاب « شمس العرب تسطع على الغرب ». لا ينبغي أن تُحسب ممارسات مسلمين على الإسلام ونبي الإسلام، ولا ممارسات مسيحيين على المسيحية والسيد المسيح.. حتى ما ارتكب من ذلك باسم المسيحية واسم السيد المسيح، وبدعوة لاهوتية - سياسية، في حروب دينية ومذهبية فظيعة، وتصفيات وحشية، ليس أشنعها ما قامت به محاكم التفتيش ضد المسلمين في اسبانيا.
وإذا ما أخذنا بغير هذا المنهج، ونسبنا الفعل الخارج على الدين وقيمه وأصوله، إلى الدين.. فإننا نخطئ أولاً، ونضع كل الرسالات الإلهية « السماوية » موضع الإدانة ثانياً.. وهذا لا يقبله عقل، ولا يقره منهج. فبين أتباع الديانات كلها، ومن الأجناس كلها، ومن الألوان والعرقيات والقوميات والبلدان كلها.. يوجد من يخرجون على التعاليم الإلهية - الأخلاقية - الإنسانية.. ويرتكبون ما لا يمكن وصفه من أفعال وجرائم بحق البشر.. فهل ننسب الفعل الفردي، أو فعل مجموعة، يقودها فرد من هذا النوع الخارج على الدين والقيم.. هل ننسبها لدينه، أو لونه، أو عرقه، أو بلده، أو.. أو..؟! ذاك ظلم، وضلال، وفقدان للعقلانية، وضياع للمنهجية.
أما شأن الأيدولوجيات فمختلف عن شأن الأديان، وتلك تتضمن التحريض، وتتحمل النتائج، لأنها تحشّد بشراً ضد بشر، لأسباب تتعلق بالسياسة، وأنظمة الحكم، والملكية، والفقر، والغنى، وبما هو في معظمه دنيويات.. وتقوم بذلك أخذاً بنظريات، أو باسم أيدولوجيات مثل الماركسية والشيوعية، الرأسمالية والليبرالية.. إلخ«
وإذا دققنا في الممارسات العصرية، فإننا سنقف على حقائق مرعبة، تتعلق بعدوان، وإرهاب، وعمليات إبادة، وأشكال من الاستعمار والاستعباد، والسلب والنهب.. تقوم بها دول وأجهزة ومؤسسات، يدين أفرادها بالمسيحية واليهودية، وما فعلته تاريخياً، وما تفعله حاضراً هو أسوأ أنواع الإرهاب.. فهل نحمل ذلك للدين، ونقول إن اجتثاثه شرط لاجتثاث الفعل الإرهابي الذي يقوم به أتباعه؟! آلا فلنحكم العقل والوجدان والمنطق. ولا نحكم العنصريين، والمتطرفين، والمتخلفين، والمرضى بمفاهيم الأديان، وشؤون الخلق. إن الإرهاب الذي ينبغي القضاء عليه، لا دين له، ولا جنس له، ولا عرق له، ولا لون له.. كما اتفق على عقلاء العالم.. أما مجانينه، وفوضويوه، وعنصريوه، فلا ينبغي أن تكون لهم اليد الطولى بالتحكم بالفهم والمفاهيم، وبحياة البشر ومعتقداتهم. وهذا الوضع العدواني الاتهامي، أو التعميمي الديماغوجي لا يتوقف على قارة وبلد ونظام حكم.. فهناك دول عربية وإسلامية، وتنظيمات، وشخصيات ثقافية وسياسية وإعلامية، ساهمت وتساهم في نشر مفاهيم من هذا النوع، تصل إلى المس بالعقيدة.. وهي في جوهرها مواقف واتهامات وممارسات تتصل بالسلطات والمعارضات، بالحكم والمتطلع إليه بالدرجة الأولى.. وتمتد هذه الاتهامات من ممارسة الإرهاب إلى الخيانة، ولا يسلم منها أحد من المتناحرين أو المتقاتلين. وفي بلداننا، وحين يكون أولئك من تنظيمات سياسية، ومن أتباع مذاهب وطوائف، نجد أن الاتهامات تتعدى الأشخاص والتنظيمات والسلطات والمعارضات، والمذاهب والأعراق، والصفات والمواصفات.. لتصل إلى الدين/الإسلام، معززة بذلك مواقف أعدائه، والسياسات العدوانية العنصرية، ومستعدية لها على الدين والشعب والوطن.؟!
وتطبيقاً لسياسة عدوانية، عنصرية، عمياء.. تربط الإرهاب باالإسلام، وفي إطار ما سماه الرئيس ترامب، حماية مجتمعه من الإرهاب »، والإرهاب كما قال « إسلامي »، وقع يوم الجمعة ٢٧/١/٢٠١٧ الأمر التنفيذي لمنع دخول مواطني كل من العراق وإيران ليبيا والسودان والصومال وسورية واليمن، إلى الولايات المتحدة الأميركية، حتى لو كانوا يحملون الإقامة، أو تأشيرة الدخول أصولاً. وفيما يشبه عاصفة هوجاء عُمم هذا الأمر على شركات الطيران، وعلى المطارات.. واحتُجز في مطارات أميركية نحو مئتي شخص أو أقل قليلاً.. وأعيد بعض الأشخاص إلى البدان التي أتوا منها.. هؤلاء « إرهابيون » وفق تفكير ترامب، وتوجهاته، ونصائح مستشاريه، ومنهم في هذا الصدد اليهودي - الصهيوني ستيف منوحين.. فلو أننا عممنا تفكير ترامب، ومفاهيمه، وثقافته، وتصرفاته العنصرية الحمقاء على الأميركيين، أو على الدين المسيحي، والمذهب.. وقلنا إنه كما يتهم الإسلام بالإرهاب، فإنه يمارس إرهاباً باسم المسيحية والمذهب الذي يتبعه؟! ولوقعنا في المحظور الذي ننبه إلى عدم الوقوع فيه لكونه خطأً شنيعاً، ومخالفة لتعاليم الدين، أي دين… ولكن هذا بعرفنا، ووفق مفاهيمنا، وشرعنا مرفوض من جهة، وهو حسب ما قامت به جماهير أميركية من مظاهرات في المطارات، وما تم من احتجاجات من مؤسسات ومنظمات، ورفض للقرار من وزراء وقضاة وبرلمانيين أميركيين، ومن الرئيس السابق أوباما نفسه، الذي اعتزل السياسة والتصريح، إلا في حال بثوابت وقيم أميركية، حددها كخطوط حمر، في مؤتمره الصحافي الأخير في 18 من كانون الثاني/ يناير ٢٠١٧ بأنها تتعلق بوقوع « تمييز ممنهج، أو ظهور عوائق أمام التصويت، أو محاولات إسكات أصوات المعارضة، أو إسكات الصحافة، أو طرد أطفال عاشوا هنا وهم بالتالي أطفال أميركيون ». وهذا.. هو كله إعلان واضح وقوي، بإن قرار ترامب وتوجهه، مرفوضان: « مسيحياً، وثقافياً، وقانونياً وإنسانياً.. ليس في الولايات المتحدة الأميركية ذاتها فحسب، بل وفي بلدان مسيحية، ومن قِبَل هيئات ومؤسسات دولية، منها الأمم المتحدة. فعلى الصعيد الداخلي:
اعتبرت القاضية آنا. م. دونيللي، القاضية الفيدرالية في المقاطعة الشرقية لمدينة نيويورك آنا م. دونيلي. »أن الخطر المحدق بهم في حال ترحيلهم أكبر من خطر دخولهم الأراضي الأميركية. لذا سمحت بدخولهم إلى البلاد. واعلن ١٦ وزير عدل على مستوى الولايات رفض القرار، ورفع الأمر للقضاء الفيدرالي.
- رفضت « لاوير سالي يتس »، وزيرة العدل بالوكالة، تنفيذ أمر منع دخول مهاجرين من الدول السبع العربية والإسلامية، فأقالها ترامب، وأقال أيضاً مسؤول الهجرة والجمارك للسبب ذاته.
- أدان جون ماكين وليندزي غراهام، المرشحان السابقان للرئاسة الأميركية، الأمر التنفيذي ضد المهاجرين، ووصفاه بـ “المتسرع« ، وحذرا من أن هذه الإجراءات، قد تأتي بنتيجة عكسية في الحرب ضد الإرهاب. وقال ترامب: » إنهما على خطأ، وإنهما ضعيفان في موضوع الهجرة« .؟!
- احتج عدد كبير من السفراء والعاملين في وزارة الخارجية على قرار ترامب بشأن المهاجرين، ووقعوا عريضة ضد هذا الأمر. فقال مارك تونر المتحدث باسم الخارجية، عن العريضة: »إنها عريضة تتعلق بـ« حماية الأمة من دخول الإرهابيين الأجانب إلى الولايات المتحدة ».؟!
وعلى الصعيد الدولي:
- قال رئيس وزراء كندا، في موقف متميز، يُحسَبُ له، ويُشكر عليه: « إلى الذين يهربون من الاضطهاد والرعب والحرب، عليكم أن تعرفوا أن كندا ستستقبلكم بمعزل عن معتقداتكم”، إن “التنوع يصنع قوتنا”.. اهلاً بكم في كندا”. وأعلن في وقت كان فيه الممنوعون من الدخول في حيرة بالغة، في المطارات الأميركية: »كندا تمنح إقامة مؤقتة للعالقين في مطارات أميركية.« .
- قالت المستشارة الألمانية ميركل: »إنها مقتنعة أنه حتى الحرب الصارمة الضرورية ضد الإرهاب، لا تبرر الاشتباه بشكل عام في أشخاص ينحدرون من مواطن معينة، أو لديهم اعتقاد معين”. وأعلن رؤساء منهم الرئيس الفرنسي، غن عدم قبول قرار ترامب بشأن اللاجئين.
دمشق في الأربعاء، 1 شباط، 17
علي عقلة عرسان