تحليل ليبرمان يغلق الباب على رفع الحصار

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 07:45 م
24 اغسطس 2016

ما بين الحديث عن معادلة ليبرمان الجديدة تجاه ما يسمى بخرق التهدئة وربطه رفع الحصار بنزع السلاح، وبين استراتيجية ايزنكوت المسماة باستغلال الفرص وتراجع الحديث عن رفع الحصار وتعمق أزمات القطاع؛ من الواضح أن الحصار أغلق تمامًا على غزة وتبدد أي تفاؤل برفعه، والانزلاق للتسخين بات زلقًا، وأصبحت « إسرائيل » تتعاطى مع احتمالات التسخين كأمر محسوم.

رفع الحصار أو تخفيفه بشكل كبير، بشكل يجعل الحياة في القطاع ممكنة، كان الحلم والهدف الذي رنا إليه الغزيون وناضلوا وقاتلوا من أجله، كان في العام الماضي بين مد جزر، ودومًا حضر التفاؤل رغم تشاؤمية الواقع، مما كان يجعل مفتاح الحصار والفرج في يد الصبر، وغزة عادة لا تفشل في اختبار الصبر.

وتدريجيًا فقدنا أوراق التفاؤل، فأغلق الباب على استكمال مفاوضات التهدئة، ولم يعن أصحاب مبادرة وقف إطلاق النار في 2014 إلا بوقف إطلاق النار فقط، وذهبت كل التعهدات بفتح مفاوضات على القضايا الأخرى أدراج الرياح، وعادت غزة تقلع أشواكها بيديها، مستعينة بكل من حاول أن يساعدها، ومتمسكة ببقايا أمل حتى لو حمله إليها من لا تنطلي عليها نواياهم برغم مظاهرهم الخادعة، وتمسكت كما الغريق بقشة الوعود التركية إلى أن اعتذر السلطان وغيّر بوصلة سفنه إلى موانئ إسرائيل واستبدل البضاعة ببعض ما تيسر لنزلاء السجن الأكبر، فعادت تبث التفاؤل الاصطناعي في نفسها بالاعتماد على أقوال الجيش أو بعض وزراء اليمين، من التخفيف لتنفيس الاحتقان إلى بناء جزيرة مائية لإخلاء المسؤولية، وقد كان واضحًا انه لا يمكن التعويل على أقوال عابرة تكتيكية بلا ضريبة لها ألف هدف إلا الهدف الحقيقي الذي نسعى إليه.

وجاء بالأمس تصريح ليبرمان عندما كان في جولة تفقدية في الشمال، الذي أعلن فيه بصراحة وبلا أي لبس عن وظيفة الحصار الأساسية، فربط بين رفعه ونزع سلاح المقاومة، وشنّ هجومًا تحريضيًا على حركة حماس، متهمًا إياها باستغلال كل ما يدخل للقطاع، واستغلال أموال الضرائب التي تجبيها من السكان لأغراض تعزيز بناء قوتها العسكرية وتشييد المزيد من الأنفاق، كما ان الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلين - الذي زار المستوطنات المحاذية للقطاع - أطلق من هناك أقوالًا تهديدية، متهمًا القطاع بمحاولات خرق الهدوء، ومتنكرًا لقضية الحصار الذي ليس صدفة لم تجد طريقها بأي شكل لأقواله المسهبة عن الحالة الأمنية والاستعدادات الإسرائيلية ودور الجيش في توفير الهدوء.

ربط ليبرمان رفع الحصار بنزع سلاح المقاومة أغلق الباب تمامًا على ممكنات الضغط الديبلوماسية والناعمة لرفع الحصار، صحيح ان هذا الربط الذي جاء على لسان ليبرمان ليس أمرًا جديدًا، فقد تبنى المفاوض الإسرائيلي أثناء مفاوضات وقف إطلاق النار هذا المطلب، لكنه لم يصر عليه ولم يعتبره شرطًا أساسيًا، واستبدله الإسرائيليون بمطالب ولغة مخففة عبر ربط آليات إعادة الإعمار بضمانات وآليات رقابة.

ربما ومن غير المستبعد أن العقل الإسرائيلي كان يحتفظ بمطلب نزع السلاح مقابل الرفع الكلي للحصار باعتباره خطًا استراتيجيًا، لكنهم لدواعي التكتيك وبث التفاؤل وتنفيس الاحتقان لعدم التسريع بوتيرة الانفجار كانوا يفضلون دومًا لغة أكثر ديبلوماسية، وتركز على التخفيف والتسهيلات الإنسانية والجزر مقابل الهدوء. والسؤال الذي يعكف على الإجابة عليه المراقبون: هل تصريحات ليبرمان، بالإضافة لطبيعة الرد العدواني القصفي القوي على صاروخ « سديروت »، تعتبر ترجمة لأجندة ليبرمان؟ وهل هي بالاتفاق مع نتنياهو؟ وهل ذلك يعبر عن جاهزية إسرائيلية لجولة جديدة؟

الإعلام في إسرائيل مختلف حول الإجابة عن هذه التساؤلات، باختلاف موقفه من ليبرمان وباختلاف تياراته وميوله السياسية، فتصريحات ليبرمان ورد الجيش والحديث عن معادلة ليبرمان الجديدة تجاه صواريخ غزة تلعب دورًا إيجابيًا لصالح إعلاء أسهم ليبرمان داخل الجمهور الإسرائيلي، والذي عادة يؤيد لغة وخطاب التوتير وتدفيع الثمن؛ لذلك تجد العديد من صحافة اليمين تؤكد في تحليلاتها على أن التغيير الكبير هو ترجمة لأجندة ليبرمان التي فرضها بالتعاون والاتفاق مع نتنياهو.

من جهة كتب الكثير من الكتاب الإسرائيليين عن استراتيجية ايزنكوت التي تدعو إلى استغلال الفرصة وضرب عصفورين معًا، حيث استغلال فرصة عدم رغبة حماس بالتصعيد في ضرب البنية التحتية لقدراتها العسكرية وفي رفع مستوى الردع أثناء الرد على إطلاق أي صاروخ، والانتقال من سياسة « الامتصاص والاحتواء » إلى سياسة « الصبر صفر » على أي إطلاق أو خرق للتهدئة والرد على مستوييْن؛ الرد الأولي السريع على مصادر الإطلاق، والرد لاحقًا بقصف هجومي لأهداف ومواقع عسكرية، مع الحذر من إيقاع خسائر بشرية والتمسك باستمرار الهدوء.

بغض النظر عن كل ما يمكن أن يقال في التحليل والقراءة الإسرائيلية، فنحن نعرف تمامًا ان الإعلام الإسرائيلي سيبقى دومًا معبرًا ومدافعًا عن السياسات الإسرائيلية، حتى عندما كانت نوايا إسرائيل مبيتة للعدوان؛ أصر إعلامهم على تمسك إسرائيل باستمرار الهدوء، والسؤال: كيف تتمسك إسرائيل باستمرار الهدوء في ظل تمسكها بالحصار وتبديدها لآمال تخفيفه؟، فالهدوء الذي تسعى إليه إسرائيل هو هدوء المردوع المهدد، الهدوء الذي تفرضه بقوة بطشها وعصاها الغليظة، ومع إدراك استخباراتها على كل مستوياتها وأذرعها ان زيادة الاحتقان لا يمكن أن تضمن الهدوء مهما كانت شدة التهديد والردع؛ فإن المستوى السياسي المطلع على تحذيرات الاستخبارات - ومع تمسكه بتشديد الحصار وتغيير معادلات الرد على الصواريخ - إنما بات لا يبالي بالانزلاق إلى جولة انفجار جديدة، وربما ثمة من يرحب بها ويستقدمها من زاوية استغلال فرصة توجيه ضربة قوية وتغيير المعادلة بشكل كبير.