بقلم: اسرائيل هرئيل
(المضمون: فضلا عن الصحوة من وهم السلام الفوري، على اليسار الصهيوني أن يثبت بانه في المعارضة للحكومة، وليس للدولة. والامر سيكون بوسعه اذا ما خرج تماما عن الطرق التي ضل فيها في العقود الاخيرة. لبيد يمكنه. فهل هرتسوغ يمكنه ايضا؟- المصدر).
اليسار المتطرف يشكو من أن الجمهور ينحو الى اليمين. وليس هو. الجمهور يبقى محبا للسلام بل ومستعد لان يدفع مقابله ثمنا مبالغا فيه: التنازل عن قلب الوطن. ما تبين له بعد عذابات التردد الطويل هو أنه ردا على تطلعه الى السلام يصعد الفلسطينيون الارهاب ورفضهم العنيد. هم، الذين يمسكون بمفتاح السلام، نهضوا وهربوا. خافوا من أنهم سيضطرون في يوم من الايام الى عقد صفقة. فيرد الجمهور، وان كان ببطء، على من ترى عيونه. ليس سهلا، كما يتبين، أن يصحو المرء من اضغاث الاحلام التي صوروها له ولا يزالون على مدى السنين.
لو كان الامر منوطا بوسائل الاعلام لكان الجمهور واصل الايمان بان السلام يوجد في متناول اليد، والرفض الاسرائيلي وحده هو ما يمنع تحققه. جاء الخطاب المفتوح في الشبكات الاجتماعية وساعد الجمهور على الخروج، في ظل عذابات الصحوة الاليمة، عن طريق الاماني العابثة. فلعلمه تصل احداث ومعطيات، شوهتها وسائل اعلام السلام أو قصقصتها تماما مثلما كانت تفعل وسائل الاعلام السوفييتية المجندة.
مسيرة فك الارتباط عن دين السلام تشبه الصعوبة النفسية، الاجتماعية والعائلية التي في الردة عن الدين: ترك الاطر السابقة والارتباط بعالم جديد غير معروف، شكاك بل ومغترب. وبالاساس، المقاطعة من جانب العالم السابق، حيث توجد كل الجذور. وبالاساس، واحيانا حتى بقوة أكبر، هذا ما يمر به الان قسم هام من المرتدين السياسيين، معروف ما أحدثته محاكم التفتيش للرأي الصحيح بالكتاب الهامين (موشيه شمير مثلا) ممن خرجوا عن الطريق. من ابطال الثقافة أصبحوا منبوذين. كتاباتهم، التي نالت الثناء – وجوائز اسرائيل – اصبحت بين ليلة وضحاها منبوذة. ومذكورة بسمعتها السيئة مقاطعة قصائد نوعامي شيمر في صوت الجيش وشبكات صوت اسرائيل. ردود فعل اليسار المتطرف والاصوليين المتطرفين واحدة هي. كان هناك من دعوا حتى الى مقاطعة نتان الترمان، مؤسس الحركة من أجل بلاد اسرائيل الكاملة. وفي المناسبات لذكراه لا يتناولون كتاباته السياسية. وحتى قصائده التأسيسية، مثل « قصيدة المرج » و « نشيد السرايا » لا تذاع.
وكما اسلفنا، فان جمهور المتطلعين للسلام من اليسار الصهيوني بدأ يصحو (« ينحو يمينا »). قادة « المعسكر الصهيوني » و « يوجد مستقبل » يسيرون وراءه. ولكن حتى بعد صحوتهم المتأخرة، يحاول ناتوري كارتا في السياسة وفي وسائل الاعلام ذبحهم، على طريقة التقاليد البلشفية. يئير لبيد واسحق هرتسوغ متهمان بالانتهازية الشخصية والسياسية وبخيانة معسكر السلام.
لحظهما، ولحظ دولة اسرائيل، يتبين أن اساليب التشهير الستالينية فقدت الكثير من تأثيرها. فعندما ذهب لبيد الى معاليه ادوميم كي يطالب، من هناك بالذات، بوقف تجميد البناء في الكتل الاستيطانية، كان يعرف ما ينتظره من المؤسسة الاعلامية. ولكنه عرف أيضا بان ناخبيه، ممن لم يعودوا يتأثرون كما في السابق بالتشهير، راضون عن المطالبة بالبناء في الكتل الاستيطانية. وبصفته رجل اعلام قديم يشم لبيد بان الهجمات عليه تفيده. اما هرتسوغ، الاقل شجاعة من لبيد، فهو ليس هناك بعد. وهذا هو احد الاسباب في أن لبيد يأخذ المؤيدين منه، وليس من أحزاب اليمين. واذا لم يفهم هرتسوغ هذا قريبا، فان مصيره ومصير حزب قد يحسم.
فضلا عن الصحوة من وهم السلام الفوري، على اليسار الصهيوني أن يثبت بانه في المعارضة للحكومة، وليس للدولة. والامر سيكون بوسعه اذا ما خرج تماما عن الطرق التي ضل فيها في العقود الاخيرة. لبيد يمكنه. فهل هرتسوغ يمكنه ايضا؟