خبر ديمومة الهبّـة و« دولة » الاحتلال ..أنطوان شلحت

الساعة 12:33 م|01 فبراير 2016

يصعب القول إن ديمومة الهبّة الفلسطينية الشعبية التي اندلعت منذ أكثر من ثلاثة أشهر تسببت بتطوير رؤى نظرية مُستبصرة لجوهر القضية الفلسطينية داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي، أو أنها أدت إلى استبطان حقائق راسخة مرتبطة بهذه القضية وترجع صدقيتها الأساس إلى كونها قائمة في الواقع فعلًا، مثلما كانت عليه الحال بعد ديمومة الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي تفجرّت في كانون الأول/ ديسمبر 1987.

ربما يجدر أن نستعيد هنا أنّ الانتفاضة الأولى أخذت الاحتلال الإسرائيلي على حين غرّة، وزلزلته أكثر من أي « حدث عسكري » سابق لكونها وضعته، وجهًا لوجه، أمام واقع فلسطيني كان « قباطنة » ذلك الكيان يتهربون من مواجهته، بل يعملون على إزالته وتبديده.

كما أظهرت أن هناك صراعًا على قطعة الأرض ذاتها، وعلى الشرعية الدولية. غير أن هذه الحقيقة لا تقلّل من أثر الهبّة الراهنة، بقدر ما تعكس ماهية التغيّرات التي طرأت على الاحتلال الإسرائيلي ولا سيّمـا في السنوات الأخيرة.

لعلّ أهم حصيلة لهذه التغيّرات هي ازدياد التلاحم بين ما يسمى « المجتمع الاستيطاني » في المناطق المحتلة منذ 1967 ومجتمعه داخل « الخط الأخضر ».

وهو تلاحم يتم على المستويين التحتي والفوقي. فعلى المستوى التحتي أضحى المجتمع الأول جزءاً من المجتمع الثاني أكثر من أي وقت مضى، وعلى المستوى الفوقي غدت قيادة الأول ذات تأثير سياسي أكثر من السابق.

وخلال آخر ثلاثة انتخابات عامة تحدّد الهدف العملاني لـ« المجتمع الاستيطاني » المذكور في تحقيق تمثيل أكبر للمستوطنين ومندوبيهم ولمن يحكمونهم في الكنيست. وصورة عمله هي تمسّك المستوطنين بالحزب الحاكم، وإنشاء حزب مستوطنين ذي نفوذ قويّ. والنتيجة الناجزة هي برلمان وحكومة منحازان يخدمان مصلحة تمدّد الاحتلال.

للمعلومية فقط، ثمة إسرائيليون قلائل يعتبرون هذا التلاحم احتلالًا جديدًا يُضاف إلى احتلال 1967، وأن الحديث هذه المرة لا يدور حول إجراء عسكري استيطاني كما كان قبل نحو نصف قرن بل يدور حول إجراء سياسي.

وليس القصد هذه المرة سلب الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير بل سلب « الإسرائيليين » القدرة على إنهاء احتلال 1967. بعض هؤلاء يعتقد أنه بعد أن نجح المستوطنون في إفشال قيام دولة فلسطينية باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، يريدون الآن الاستيلاء على الجهاز السياسي لدولة الاحتلال منذ 1948.

في الانتفاضة الأولى تعالت أصوات تؤكّد أنّ الحجر لم يكن مظهرها الوحيد. فوراء الحجر واليد التي تقذفه عقل حادّ وتنظيم ذو فرادة متميّزة أسس سلطة شعبية في مواجهة الاحتلال. واعتبرت أصوات أخرى ديمومة الانتفاضة مظهرًا من مظاهر تنظيمها القوي.

وقال أحدها: « أنا لا أعرف جيّدًا المجتمع الفلسطيني الراهن. وأزعم أن أحدًا لا يعرفه وفي مقدمهم أجهزة الاستخبارات. فهؤلاء يعرفون معلومات عامة، لكنهم يجهلون المستجدات الأعمق ».

وكتب آخر: « تجري في قطاع غزة ثورة شعبية يقودها شبان وتحظى بتأييد السكان أجمعين. إن سياسة القبضة الحديدية من شأنها تخفيف الثورة لكنها لن تستأصلها ». وفي الهبّة الحالية اعترف رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال صراحة بأنه من مجموع مئة عملية طعن لم يكن هناك إنذار يتعلق بواحدة منها.

وقبل الهبّة اعترف رئيس هيئة الأركان الذي سبقه الذي قاد الحرب على قطاع غزة سنة 2014، أن « الموضوع الفلسطيني » هو الأهم خلافًا لرأي رئيس الحكومة الذي يرى في إيران أهم موضوع، وأيضًا في ما يسمى « الإرهاب الجهادي ».

يجوز أن فلسطين لم تعد منذ زمن غير قصير القضية المركزية للعالم العربي، والاهتمام بها تراجع كثيرًا في الساحة الدولية، لكن مع الهبّة ستظل القضية المركزية لكيان الاحتلال، ليس إيران، ولا « الإرهاب الجهادي ».