ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

لم يكن حديث رئيس أركان جيش العدو، غادي ايزنكوت، عن أن « القرى الشيعية تشكل مركز ثقل حزب الله »، مجرد تعبير لغوي عابر، أو يهدف فقط الى القول بأن هذه القرى والبلدات هي العمق الديمغرافي لحزب الله. بل هو مفهوم يعكس توصيفا علميا دقيقا لواقع تم رصده وتشخيصه بشكل دقيق كجزء من التمهيد لاعداد خطط عملانية للمواجهة المقبلة. وبالمناسبة ليست هي المرة الاولى التي يستخدم فيها ايزنكوت هذا المفهوم، اذ سبق أن اعتبر خلال توليه قيادة المنطقة الشمالية (2006-2011)، السكان الشيعة في لبنان بأنهم « مركز الثقل الحقيقي » لحزب الله.

بداية ينبغي التأكيد على أن السند الشعبي الداخلي لحزب الله، يرتكز الى القرى والبلدات والمدن الشيعية في لبنان، وايضا الى امتداد جمهور المقاومة الذي يشمل جميع المذاهب والطوائف، وأثبتت الكثير من المحطات بأن عمقها الشعبي يتجاوز كل المناطق والانتماءات الدينية والطائفية وحتى السياسية. مع ذلك، سوف نكون مضطرين الى مقاربة مفهوم مركز ثقل حزب الله الحقيقي، متجاوزين التعبير الذي استخدمه ايزنكوت.

يشكل مفهوم « مركز الثقل » تعبيرا عن تشخيص دقيق لنقاط قوة وضعف المنظومة المعادية، وبالتالي استهدافها عبر ضربات مباشرة. وعليه ففي النظرية الكلاسيكية يتمثل مركز الثقل بكتلة جيش العدو أو نقاط ضعف مادية أو أدائية في منظومته العملانية، يفترض أن يؤدي مهاجمتها الى افقاد العدو حريته في العمل الاستراتيجي وقدرته على مواصلة القتال أو على الأقل « هز نماذجه القتالية ».

وفي محاولة تطبيقية على حزب الله، اكتشف العدو ان نموذجه القتالي يستند الى اخفاء مراكز الثقل العملاني، وتوزيعه عبر التحول الى خلايا مستقلة تضيع معها معالم العمود الفقري الحربي لديه، وهو ما يفقد العدو القدرة على توجيه ضربات قاصمة وحاسمة. وأكثر ما تجلت هذه الحقيقة خلال حرب العام 2006، عندما فشل العدو في توجيه ضربة مفاجئة للقوة الصاروخية الاستراتيجية لحزب الله، حملت في حينه اسم عملية وزن نوعي. ويكشف امتناع العدو عن شن حرب واسعة خلال السنوات العشر الماضية عن انه فشل ايضا في توفير اهداف نوعية يسمح له باستهدافها الى إفقاد حزب الله حرية الحركة على المستوى الاستراتيجي، ومن اجل ذلك، ارتدع العدو حتى الان عن شن حرب كهذه.

في ضوء هذه الخلاصات، لم يجد العدو أمامه سوى تحديد أن الشيعة هم « مركز ثقل » حزب الله، انطلاقا من حقيقة أثبتتها التجارب السابقة بأن استمرار الاحتضان الشعبي الشيعي يجعل من المتعذر القضاء عليه.

على هذه الخلفية، كان اعلان ايزنكوت، خلال توليه قيادة المنطقة الشمالية، عن تبني الجيش الاسرائيلي « عقيدة الضاحية ». وهو ما طبقته اسرائيل بصيغته القصوى في اعتداءاتها على قطاع غزة، وتحديدا خلال العدوان الاخير الذي حمل اسم « الجرف الصامد ». وهدفت قيادة العدو من التلويح بعقيدة الضاحية الى ردع حزب الله، ليس فقط عن المبادرة الابتدائية، وانما ايضا عن الرد إزاء أي اعتداءات اسرائيلية محددة.

لكن مشكلة الاسرائيلي أن حزب الله راكم قدرات صاروخية على المستويين النوعي والكمي. تطورت بموجبها قدراته التدميرية ودقتها في الاصابة وقدرتها على الوصول الى أي نقطة في اسرائيل. وهكذا سقطت معادلة سقوط بنايات في الضاحية في مقابل اضرار تلحق بالمباني في المدن الاسرائيلية. وتبلورت معادلة جديدة تقوم على امتلاك القدرة على التدمير المتبادل، رغم أن القدرات التدميرية لاسرائيل تفوق بكثير ما يملكه حزب الله. لكن الارتقاء بقدرات الاخير بلغت مستوى كافيا لردع العدو. وهذا ما حصل.

ورغم أن الخطاب الاسرائيلي ما زال يلوح باستهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية، كجزء من معادلة الردع مع حزب الله، لكن العدو يدرك بأن حزب الله يملك القدرة وارادة القدرة وارادة تفعيلها من أجل استهداف النقاط والمؤسسات الاستراتيجية في كيان العدو. وبالتالي فإن أي استهداف اسرائيلي لما يهدد به، فإن حزب الله قد يستهدف في المقابل ما يماثله في العمق الاسرائيلي.