قلم/ د. جميل يوسف
كلما حاول الصهاينة أن يحاصروا الفلسطيني في جغرافيا صغيرة أملا منهم ان تكون هذه البقعة هي آخر ما تبقى من مشروع الجهاد والمقاومة تنفجر في وجوههم بقعة أخرى لم تكن في حساباتهم وكلما اعتقدوا أن أهم مرتكزاتهم في فلسطين وهو الاستيطان أصبح خارج حسابات التسوية تلاحق المقاومة هذا المشروع وتدفع المستوطنين إلى الهرب بحثا عن مكان آمن وهو غير موجود فعلا في فلسطين المغتصبة.
صفعات قوية واستراتيجية تلقتها دولة العدو في الأيام الأخيرة لتعيد الروح للمشروع الوطني الفلسطيني وتؤكد أن كل ما تم إنفاق من أموال وجهد ودعم لشرعنة إسرائيل في المنطقة يساوي صفرا في الحسابات السياسية ومخرجات عملية التسوية.
إن قتل أكثر من 30 صهيونيا في غضون 3 اشهر عبر انتفاضة لا تمتلك من الادوات أو الوسائل أي شيء غير الروح الثائرة والإرادة الصادقة وأهمها استحضار الواجب الوطني والديني هذا الفعل أدى إلى زلزال في مرتكز الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية وما يحدث الآن للمستوطنين والمستوطنات في الضفة الغربية يذكرنا بحال سابقاتها في قطاع غزة والتي تحولت من أماكن مقدسة لا يجوز الاقتراب منها كما ذكر الإرهابي شارون (أن نتساريم مثل تل أبيب)، هذه الحال تدفع إلى اليقين أنه لا مقدسات في العقل الصهيوني سوى حب الحياة والأمن الشخصي وسيضطر الصهاينة بعد وقت إلى الإعلان أن مستوطنات الضفة هي عبء كبير على الدولة والمواطن ويبدأوا بالتفكير في التخلص منها.
في الحرب الأخيرة على قطاع غزة « البنيان المرصوص » غطت صواريخ المقاومة معظم فلسطين المغتصبة ولم يجد الصهاينة بدا من الفرار إلى مستوطنات الضفة من كل الأماكن وكذلك من مستوطنات « غلاف غزة » إلى مستوطنات الضفة لاعتقادهم أنها المكان الأكثر أمنا في تلك الحرب وكان السبب أن صواريخ المقاومة لم توجه إلى مستوطنات الضفة خوفا من إيذاء الفلسطينيين الذين يقيمون بجوار هذه المستوطنات والآن انقلبت الصورة وبدأ الهرب إلى داخل فلسطين المغتصبة وهذا يؤكد على روعة أداء المقاومة في فلسطين، لا مكان آمن في أي شبر من فلسطين للصهاينة وهذا أحد الأسباب التي تربك العدو في شن حرب جديدة على غزة وهو الخوف من فرار الصهاينة خارج فلسطين في حال التحمت انتفاضة القدس، مع صواريخ المقاومة وإلغاء الأمن الصهيوني تماما.
انتفاضة القدس تتجاوز بكثير جدا حدود الأرقام والعمليات إلى أبعد من ذلك بكثير وكانت حركة الجهاد الإسلامي أول من فهم هذه المعادلة واستنفر كل طاقاته لمد هذه الانتفاضة بكل اشكال الدعم والإسناد وأكدت أن هذه الانتفاضة هي الرافعة الرئيسة لإعادة الإعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني.
وفي الوقت الذي حشرت فيه انتفاضة القدس الاستيطان والأمن الصهيوني في الزاوية، أيضا دفعت مرتكزات التسوية والسلطة الفلسطينية إلى الخلف خطوات كبيرة وربما تنجح هذه الانتفاضة في فك الارتباط والتسوية ولعل ذلك ما حاول عرفات تحقيقه عبر الجمع بين انتفاضة الأقصى عام 2000 وبين التسوية وكان ثمن هذه المحاولة هي قتله صهيونيا فالمطلوب من أبو مازن والسلطة عدم المحاولة مرة أخرى في الجمع بين الانتفاضة ومشيئة المجتمع الدولي وهو التسوية بل يجب الانتقال التام إلى دائرة الانتفاضة مهما كانت الفاتورة التي يتخوف من دفعها لان الانتفاضة ستحميه، انتقال ابو مازن يعني ان يصبح انتفاضيا ويحقق المصالحة ويعيد بناء المشروع الوطني والمؤسسات الفلسطينية على قاعدة الثوابت والإجماع الفلسطيني.
في كل المحطات التي يخرج الشعب الفلسطيني لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني كان أهلنا المرابطين في أراضي 48 أول من يرسل الرسالة بالدم ويعلن انهم مكون رئيسي من هذا الشعب وانتمائه وعندما يهدد المسجد الأقصى بالتقسيم والتهويد كان أهلنا في 48 يشدون الرحال بصدورهم لحمايته في الانتفاضة الأولى (الحجارة) منذ اللحظة الأولى سجل اهلنا دعمهم للانتفاضة بالدم ودفعوا دماء أكثر من 13 شهيدا لكن الرسالة الاهم أنهم شكروا دعما ماديا وسياسيا واخلاقيا للضفة والقطاع على مدار السنوات الأولى لهذه الانتفاضة وظلت قوافل الغذاء والدواء وكفالة اسر الشهداء عناوين هامة في صدارة أهلنا في 48 للمشروع الوطني لكن بأدوات غير أدوات غزة والضفة لكنها لا تقل أهمية عن الفعل الانتفاضي فيها.
وفي الانتفاضة الثانية الأقصى لم تتأخر رسائل أهلنا في 48 بالانتماء والشراكة لهذه الانتفاضة بل وأكثر من ذلك مأسسوا نصرة الأقصى عبر مهرجان نصرة الأقصى وشعبنا يجزم أن أهلنا هؤلاء كانوا العامل الأكبر في التصدي لكل المحاولات الصهيونية التي تهدف للنيل من الأقصى.
ومنذ اللحظة الاولى لانتفاضة القدس كانت ال 48 تتقدم الصفوف بل إن المرابطين والمرابطات في الأقصى في الأغلب كانوا من 48.
كان أهلنا في 48 في قلب المشروع الجهاد والمقاومة في كل المحطات وكل أشكال الدعم لهذا المشروع ابتداء من الانزراع في أراضيهم والتمسك بفلسطينيتهم ومحاربة الاسر له وكانت رسائلهم الممهورة بالدم والملاحقة حاضرة في كل محطات المشروع الوطني، وليس غريبا أن أول الملفات التي طلبها نتنياهو عام 1996 بعد فوز حزبه في الانتخابات هو ملف الأهل في الـ48 وكلف مجموعة من السياسيين الصهاينة بوضع تصوراتهم للحد من خطورة هذه الشريحة وأعتقد أن وضع الحركة الإسلامية الفرع الشمالي خارج إطار القانون هو رفع لسقف الصدام الصهيوني معهم وفي المقابل كان رد إبن وادي عارة يؤكد على حتمية هذا الصدام وبوتيرة أعلى من السابق.
إن فلسطيني 48 هم من اخطر أدوات المشروع الوطني وتهديد استراتيجي وتزداد أهميتهم كلما زاد التنافر بين المشروع الصهيوني والمشروع الوطني الفلسطيني ولعل تراجع مشروع التسوية يصب في مصلحة أهلنا في 48 على الصعيد الاستراتيجي.
مارس فلسطينيو 48 كل أدوات ووسائل المواجهة بدءا بالحفاظ على وجودهم والهوية الفلسطينية ودحض الرواية الصهيونية مرورا بالدفاع عن الارض مارس 1976 واحتضان انتفاضات الضفة والقطاع والمواجهة العسكرية والتي لم تتوقف، ندرك أنهم الذين يحددون الزمان والمكان والوسيلة لكنهم لم يغادروا ساحة المشروع الوطني ثانية واحدة بل إنهم في موقع متقدم جدا عن السلطة الفلسطينية ومسيرة التسوية.
إن لحظة الصدام وفك الارتباط بين أهلنا في 48 والمشروع الصهيوني هي مسالة وقت فقط سواء طال عمر الكيان العبري أم قصر وان أهلنا ايضا يقعون في قلب المشروع الوطني الفلسطيني وخنجر قلب هذا الكيان وهذا يعني ان يتم نقاش آليات التكامل بين فلسطيني 48 وباقي أدوات ووسائل المشروع الوطني بعيدا عن الضوضاء والإعلام، ولعلني أجزم أن خيارات العدو الصهيوني ضدهم محدودة كمن ابتلع المنجل فلا هو قادر على تحمله أو إخراجه وكل الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها العدو تعتبر سما في جسده فسحب الجنسيات أو إعلان الحكم العسكري على مناطقهم أو الدخول في مواجهة مسلحة هذه كلها عوامل تدمير للكيان الصهيوني أو على الأقل الاستغناء عن جغرافيا جديدة في النقب والمثلث والجليل وهذا أيضا لن يحل المشكلة.
إن الارتقاء بوسائل المقاومة كالتي فهمها ملحم وتكاملها مع مشروع الجهاد والمقاومة يجب أن يوضع الآن على الطاولة الفلسطينية المقاومة وليست التسوية وهذه لحظات قلة الحيلة الصهيونية وخياراتها وليرتفع شعار "فلسطينيو 48 هم راس رمح المشروع الوطني المقاوم.
إن التحام السلطة بالانتفاضة والمقاومة والتكامل الواعي مع أهلنا في 48 سوف يزيد من المأزق الصهيوني وربما يفجر هذه الظاهرة الصهيونية من الداخل والخارج ويجعل كل ففلسطين المغتصبة والمحتلة تحت نيران المشروع الوطني وسيحبس العالم الظالم الداعم لإسرائيل أنفاسه عجزا وخوفا.