بقلم: آري شبيط
(المضمون: اليسار الاسرائيلي قام بالانتحار اخلاقيا ولم يعد صالحا للعب دوره. واسرائيل في أشد الحاجة الى يسار اخلاقي وواقعي ومستقيم - المصدر).
منذ سنوات يقوم اليسار بالانتحار السياسي. لا يمر شهر أو اسبوع أو يوم دون أن يطلق اليسار رصاصة على قدمه أو بطنه. اذا كانت هناك فرصة لتوسيع دائرة مؤيدي تقسيم البلاد فان اليسار يقضي عليها فورا. اذا كانت هناك فرصة للنقاش مع مجموعات السكان التي ليست علمانية وتل ابيبية فان اليسار يمنعها فورا. اليسار الاسرائيلي يقلص نفسه ويذهب الى زاوية المجتمع الاسرائيلي بمواظبة ومنهجية.
بدل محاولة التوسع والتحول الى اغلبية – معسكر السلام، الديمقراطية والليبرالية، يصمم على تقليص نفسه أكثر فأكثر. وهو يحول نفسه الى دوغمائي ومنغلق ومنفصل عن الدولة التي يعيش فيها.
لكن اليسار قرر في هذا الاسبوع الذهاب بعيدا والانتحار اخلاقيا. ما الذي فعلته ايلانا ديان وعمري أسنهايم في برنامج « عوفده » في الاسبوع الماضي؟ لقد كشفا عن الحقيقة حيث تحدث في الطرف البعيد لعالم مقاومة الاحتلال ظواهر قبيحة ومرفوضة يجب أن تزعج كل انسان نزيه. ولا يفترض أن تكون هناك مشكلة مع اليسار الاخلاقي في هذا الامر. بل العكس. يفترض أن يكون اليسار الاخلاقي مخلصا لمبدأ النقد والانفتاح والشفافية وتقديم الشكر لهما على عملهما المهني والشجاع واخراج عزرا ناوي ومساعديه والقول إنه لا توجد صلة بينهم وبينه. اليسار الاخلاقي يجب عليه أن يقول إن العمل الذي تقوم به جمعية حقوق المواطن واطباء من اجل حقوق الانسان وحاجز ووتش وعدد لا حصر له من منظمات العدالة الاخرى، هو عمل مقدس. لكن من يقوم بتسليم فلسطيني للسلطة الفلسطينية كي تسجنه أو تقتله فهو حقير.
لكن كيف رد اليسار الاسرائيلي؟ بصمت متسامح تجاه هذا الفعل الحقير والتهجم الفظ على من تجرأ على كشف ذلك. وحتى الآن لا يوجد في اليسار الاسرائيلي رؤوبين ريفلين واحد ليقول: قناعتي في جهة والاخلاق في جهة. وحينما أرى الحقيرين في قبيلتي، أقاومهم. حتى الآن لا يوجد في اليسار الاسرائيلي يوئيل بن نون ليقوم ويقول إن العفن قد أكل أطراف المعسكر.
في المقابل نجد المكارثية الداخلية بوفرة، التي تريد تشويش الحقائق لـ « عوفده » واسكاتهم بواسطة القصف المدفعي الثقيل. انتقاد؟ للآخرين فقط. انفتاح؟ فقط على مواقفنا. شفافية؟ ليس فيما يتعلق بجيش السلام. عالمية؟ فقط تلك العالمية التي تخدم القناعات المتشددة للطابور المغلق الذي يعرف كل شيء.
اذا لم يكن هذا محزنا وخطيرا، فقد كان مضحكا ومسليا: الادعاءات التي استخدمها اليسار في هذا الاسبوع كانت بالضبط نفس الادعاءات التي يستخدمها اليمين المتطرف مرة تلو الاخرى. لا تقولوا بغيت، قال الليبراليون. نحن في حالة حصار، لذلك محظور انتقادنا، قال الديمقراطيون. حينما يتم اقتلاع الاشجار تتناثر الشظايا، قال المتحضرون. نظرا لأننا صغار وعلى حق ومحاصرين، فكل شيء مسموح لنا. نظرا لأننا محاطين بالأعداء، فاننا خارج كل قيمة وفوق كل قانون.
تماما مثلما تعاملت القومية الاسرائيلية القديمة قبل محكمة العدل العليا و« بتسيلم » مع المؤسسة الصهيونية. فقد تعامل مؤيدو المحكمة العليا و« بتسيلم » هكذا مع أنفسهم في هذا الاسبوع. لا تزعجوني بالحقائق، قال يسار 2016. لا تورطوني بالتعقيدات. اسمحوا لي في الاستمرار في النوم الديماغوجي الجميل داخل جدران الدير المحصن الذي اخترته.
اسرائيل في أشد الحاجة الى اليسار كي تنقذ نفسها من الاحتلال ومن المستوطنات ومن ردود الافعال. اسرائيل بحاجة الى يسار قوي وقائد. لكن كما أثبتت أحداث هذا الاسبوع – اليسار الذي تحتاجه اسرائيل هو يسار مختلف: واقعي، اخلاقي، ديمقراطي، ليبرالي ومستقيم.