اجمع اقتصاديون على ان العام 2015 هو الاسوء اقتصادياً وماليا منذ سنوات الحصار المالي والاقتصادي بشكل خاص المفروض على قطاع غزة منذ يونيو / حزيران من العام 2007 وبصفة عامة منذ الانقسام الفلسطيني ، ان لم يكن الاسوء على الإطلاق منذ سنوات اوسلو في العام 1993 .
ووفقاً للخبراء فإن الأسباب تتباين وتختلف ما بين الواقع في القطاع الذي تكمن أسبابة بعدة مجالات أبرزها عدم إتمام عمليات الأعمار منذ حرب 51 يوم في العام 2014 بشكل كلي وبشكل جزئي وبقاء العديد من القطاعات الاقتصادية حتي هذه اللحظة خارج متناول الإعمار الفعلي ( كالقطاع الزراعي في غزة ) الذي لحتي اللحظة لم يعوض من قبل المعنيين من المزارعين وقرصنة اسرائيل وبشكل متكرر على عمليات صرف الاسمنت للعديد من الفئات التي تحتاج إليه في المجتمع الغزي.
علاوة على هذا الامر شهد العام 2015 قرصنة اسرائيل على أموال المقاصة التي تجبيها اسرائيل ومنعها عمليات التحويل لأكثر من اربعة اشهر لدفع فاتورة رواتب لما يربو على 180الف موظف ( 80 الف منهم من قطاع غزة بين الشق المدني والعسكري ) .
موظفي غزة
كما شهد هذا العام استمرار انعدام الأمن الوظيفي الإداري والمالي لأكثر من 39 ألف موظف كانوا يتلقون رواتبهم من قبل حكومة غزة السابقة وهو ما ترجم فعلياً باستمرار عمليات عدم الصرف الكلي وتأخره لأشهر وتراكم ملايين الدولارات المستحقة للموظفين ومنتسبي قوي الأمن وعدم دفع مليارات المساهمات المالية لهؤلاء الموظفين لهيئة التقاعد العامة طول سنوات الانقسام وهو ما ترجم بشكل سلبي وتراكمي في العام 2015 ، مما دفع حكومة حركة حماس بغزة للبحث عن آليات تسوية لهذه المستحقات ـ تكمن في مشاركة منتسبيها مدنيا وعسكريا بجمعيات اسكانية وتجاهل لحق هؤلاء في الدفع النقدي لرواتبهم ولمساهماتهم التقاعدية الغائبة الضائعة ( والتي تقدر بمليارات الدولارات منذ الانقسام وحتي الان ) ...
أرقام كارثية ومؤلمة
بدوره أكد الكاتب والمحلل المالي و الخبير الاقتصادي أمين أبو عيشة أن عام 2015 هو من أسوأ سنوات الانقسام والحصار اقتصاديًا ومالياً، مؤكدًا أن الأرقام الاقتصادية والمالية المسجلة لم تسجل قرينة لها من الناحية السلبية.
وفي حديثه لـ« فلسطين اليوم » عن أسباب تراجع وانحدار وتخلف الاقتصاد الغزي في العام 2015، قال أبو عيشة: « إن موظفي حكومة غزة السابقة والبالغ عددهم حوالي 39 ألف موظف لم يتلقوا رواتبهم بشكل منتظم ،هم بحاجة لـ 110 مليون شيكل شهريا كنفقات جارية لدفع رواتبهم وأجورهم ، ولحوالي 20 مليون شيكل نفقات تشغليه لتسيير بعض الأمور ، كذلك استمرار الممارسات السلبية للكيان الصهيوني والمتمثل في الإغلاق المتواصل على قطاع غزة واحكامة الاغلاق برياً وجوياً وبحراياً ( مؤثرا بشكل سلبي على العديد من القطاعات ابرزها التجارية وانحسار حركة البضائع بين القطاع والخارج ، حتي بات قطاع غزة فعلياً لا يصدر أي شيء حيث انخفضت قيمة صادراته السنوية لاقل من 10 مليون دولار أمريكي مشتملة هذا الرقم كل القطاعات الاقتصادية وهي اسؤء الارقام ليس فقط منذ الانقسام والحصار بل منذ عشرات السنين ) ، كما قرصن الاحتلال على عمليات الصيد للثروة السمكية من شؤاطي قطاع غزة وتعرض للصيادين ليس فقط بعمليات مضايقة بل شمل الأمر اعتقال ثلة منهم ومصادرة قواربهم ومنعهم من الصيد ، هذا الوضع ألحق أذى بالعديد من الصيادين وبالمجتمع الغزي معيشيا واقتصاديا وتنمويا ولفترات طويلة.
لم يقتصر ايضاً دور الاحتلال على جعل المنظومة الاقتصادية وتحديداً في قطاع غزة منظومة معتمدة على الجانب الاستيرادي بحسب بل قرصن و( جمد ) ادخال العديد من المستلزمات الإنتاجية والصناعية كالأخشاب والمواد اللاصقة وقطع الالكترونيات وغيرها من المواد بحجة انها تستخدم في عمليات دعم المقاومة .
ان الهدف الاحتلالي حسب أبو عيشة هنا هو بقاء الاقتصاد الفلسطيني وبشكل خاص الغزي تابعاً للاقتصاد الصهيوني، وجعل العلاقة بينهما علاقة عضوية لا يمكن الفصل بينهما في المديين المتوسط والطويل وبقائنا في طور العائل والمعيل والتخلف القسري .
كما استمر دور الاحتلال في إرباك الواقع الغزي من خلال التعايش مع العديد من الاشكاليات سواء المتعلقة باستمرارية ازمة الكهرباء او الوقود قبل اشهر وحاليا الغاز وهي سياسة لها قواعدها واطرها العامة من خلال ضخ كميات اقل مما هو مطلوب فعلياً للسوق الغزي .
بالمجمل استمر الحصار المالي والاقتصادي وبكل صنوفه على القطاع سلعياً وخدماتياً وتنقل افراد ولم يبق للقطاع الا معبراً واحداً يفتح ويغلق حسب الطلب ( معبر كرم ابو سالم للتنقل البضائع) ، ومعبر بيت حانون ( ايرز ) لتحرك المعزوزين من المجتمع الغزي ، لذلك يعد العام 2015 هو الاسوء تاريخياً في حركة تنقل الأفراد والأشخاص من والي القطاع وذك نتيجة للإغلاق المستمر والمتواصل لمعبر رفح البري بيننا وبين الشقيقة مصر.
كما استمر ارتفاع أسعار العديد من المنتجات الزراعية وهو الاعلي منذ سنوات وشمل ذلك الأمر ارتفاع الخضروات واللحوم الحمراء التي وصلت لأعلي مستوياتها منذ أعوام رغم شح وقلة مستويات الدخل .
ارتفاع الاسعار
وأوضح أن الأسباب السابقة رفعت معدلات البطالة والتضخم إلى مستويات قياسية ، لم يشهدها الاقتصاد الغزّي سابقا.
وبالمقارنة مع الأعوام السابقة ، أوضح الخبير أبو عيشة ، أنه في العام 2013 كانت معدلات البطالة في قطاع غزة حوالي32.6%، بينما أضحت النسبة مع نهاية عام 2014 حوالي 44%، وهي الأعلى بالنسبة للدول المجاورة بل الأعلى عربياً ، في حين كانت في بداية الحصار عام 2007 لا تتجاوز 23% ، وفي 2008 لم تتجاوز 28% ».
وأكد أن العام الحالي هو الأسوأ في سوق العمل من حيث انخفاض نسبة التشغيل ، مضيفًا: « لو تحدثنا عن متوسط دخل الفرد، فكان قبل عام 2007 أكثر من 2000 دولار، ومع بداية 2014 (قبل الحرب) كان متوسط الدخل 1300 دولار سنويًا ، والآن أقل »ويصل لمتوسط سنوي 900 دولار امريكي .
وحذّر أبو عيشة من المستويات القياسية التي سجّلها الاقتصاد في معدلات التضخم والتي فاقت نسبة 2.5% مقارنة مع 2% عام 2007.
ولفت إلى أن المنظومة الاقتصادية لقطاع غزة عام 2015 هي من أسوأ المنظومات على مستوى الوطن العربي بأكمله، وبين أن مساهمة قطاع غزة من إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني كانت قبل العام2014 حوالي 22% انخفضت هذه المساهمة لحوالي 10 % عام 2015 ( إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني لعام 2014 حوالي 7مليار دولار ، وهو ما يشكل حوالي 4.5% من إجمالي الناتج المحلي لدولة الكيان ) ... وحذر أبو عيشة من خطورة الوضع القائم والوضع الذي سيكون مستقبلا والقاضي باحتمالية تأثر قطاعات اخري ودخولها بوابة الازمات في قطاع غزة وابرزها قطاع التعليم الجامعي وخطط بعض الجامعات لزيادة الرسوم الدراسية لدي منتسبيها ، محذراً من هذه الخطوة الصعبة والتي ستؤثر سلباً على هذه الجامعات من خلال خفض اعداد الملتحقون بها واضرار الطلاب بشكل كبير ، ودعم أبو عيشة هذا الاتجاه وتحديدا قرار مجلس جامعة الأقصى بإعفاء الطلاب من رسوم الفصل الدراسي الثاني .
وفي النهاية تمني أبو عيشة أن يكون العام القادم عام يسروحل لهذه الأزمات وإعادة اعمار وعمار وتنمية لقطاع غزة ، وأن يخرج الاقتصاد الغزي من عنق الزجاجة وألا يبقي أسيرا وطريدا لاقتصاد الكيان الصهيوني وألا يبقي يدور في فلك الانقسام وتسييس المواقف والسلوكيات لان النهوض بواقع قطاع غزة وعذابات أهله كان في الماضي حاجة لكنه أصبح اليوم دون ريبة ضرورة لأهل غزة بعد سنوات عجاف من انتهاكات الانقسام والحصار والدمار وتمني ألا يستمر وجع الآلام لأهالي غزة وان تقدم المصلحة العامة على المصالح الفئوية الضيقة وألا تترك جراحات شعبنا تتعفن كما كانت طوال سنوات خلت .