بقلم: ابيرما غولان
(المضمون: بدل الحديث عن اخفاقات الاجهزة الامنية الفرنسية، وبدل تقديم النصائح للعالم، يجدر بنا نحن الاسرائيليين التركيز على اخفاقاتنا ونحل بعض مشاكلنا الكثيرة - المصدر).
القصة التالية تبدو خيالية، لكنها قصة حقيقية. في الثمانينيات كنت مراسلة لـ « حديث الاسبوع » في باريس. وقد عشنا في حي برجوازي هاديء بعيدا عن العمليات والقتلى في لبنان الذي كان الجيش الاسرائيلي يوجد عميقا في داخله.
كانت العاصمة الفرنسية في حينه هدفا مطلوبا للمنظمات الارهابية، وقد طلب منا نحن الاسرائيليين اليقظة والحذر: فحص أنه ليس هناك عبوة ناسفة تحت السيارة، عدم فتح الباب للغرباء والابلاغ عن أي عمل مشبوه. لذلك سارعت في يوم من الايام في صيف 1986 الى الاتصال مع السفارة والابلاغ أنه في الشقة التي تحتنا والتي كانت فارغة لسنوات طويلة، تحدث فيها اعمال غريبة.
صحيح أنني كنت حذرة حتى لا أبدو كعنصرية، لكنني قلت بأنني التقيت عدة مرات في مدخل المبنى بأشخاص لهم ملامح الخارجين على القانون وهم لا يفهمون اللغة الفرنسية وكانوا يسارعون في الانصراف كلما حاولت أن أتحدث اليهم. وفي الليل كنت أسمع مكالمات هاتفية باللغة العربية بدت كأنها حوار لتقديم التقارير وتسلم الأوامر.
في المقابل في البناية المقابلة أصبحت بعض الشقق الكبيرة خالية فجأة وجميع الستائر الكبيرة تم إنزالها. وبين الفينة والاخرى كنت أشاهد حركة سريعة من وراء الستائر التي تُفتح وتغلق. مرة في اليوم كان يخرج من البناية المقابلة شاب ويدخل الى بنايتنا بعد أن يضع الرقم السري للدخول، ويأخذ الرسائل من صندوق البريد ويعود الى البناية المقابلة.
سمع ضابط الامن في السفارة هذا الوصف الدقيق مني وقال لي: لا داعي للخوف. وحينما صممت قال إنه سيرسل شخصا ما لفحص هذا الموضوع. وبالفعل فقد وصل مع أحد رجال الموساد القدامى وهو شخص له هالة وقصص بطولية. رجل الموساد وقف في الشرفة ونظر الى الشقة السفلى ونزل الدرج ثم عاد ووضع يده على كتفي وقال: « أنت لا تعرفين عقلية العرب ». بدأت بالاحتجاج إلا أنه طلب مني الهدوء.
بعد يومين من ذلك جاء شخص لاصلاح « دلف للمياه من الشقة باتجاه الأسفل ». وقد عمل لساعات وقام بخلع بعض البلاط واستبدل ماسورة كانت تبدو صالحة تماما. كنت خائفة، لكن لأن رجل الموساد قال إنني أشاهد الكثير من الافلام البوليسية، تنازلت وقمت باستيعاب الأمر.
في الخريف عدنا الى المنزل، لكن في 5 آذار 1987 داهمت الشرطة واجهزة الامن الفرنسية تلك الشقة واعتقلت ثلاثة من النشطاء الارهابيين من تنظيم كان يعمل في الضفة. وقد عثر هناك على 16 كغم من المتفجرات وكمية من السلاح. في الصحيفة التي ما زلت احتفظ بها قيل إن المداهمة جاءت بعد متابعة ومراقبة طويلة (بما في ذلك التنصت) بالتعاون مع الاجهزة الامنية الايطالية والالمانية. نائب رئيس الاستخبارات الفرنسية قال إن الموساد الاسرائيلي لم يكن يعلم بهذا الامر.
لم استطع عدم تذكر هذه القصة على ضوء اقوال المحللين والخبراء لدينا الذين يتحدثون عن « الاخفاق الاستخباري » في فرنسا. دون فهم المجتمع والسياسة في فرنسا فانهم يربطون بين نسبة المسلمين في فرنسا وبين الارهاب. كل ذلك من اجل تبييض الاحتلال والتحريض ضد العرب الذين يتدفقون من اجل تبني كذبة التفوق الاسرائيلي. أليس من الافضل أن نحل بعض المشاكل هنا قبل أن تقديم النصائح للعالم؟.