الانتحاريون الجدد
بقلم: روني شكيد
(المضمون: الشارع الفلسطيني يائس من استمرار الاحتلال، من السلطة الفلسطينية وقيادتها، من موقف العالم العربي والغربي، وعليه فانه لا يوقف الاطفال. هذا مجتمع حبيس في وضع « الانغلاق النفسي » في دوائر وهن الروح التي تغذي الكراهية وتشجع الشباب على حمل السكين - المصدر).
الاخوان معاوية وعلي علقم ابنا 11 و 13 من مخيم شعفاط للاجئين في القدس الشرقية سيسجلان في سجل الارقام القياسية بالوصف المشكوك فيه « المخربان الاصغران ». محزن أن في سنهما باتا يفكران بالموت. طفلان بائسان فقدا طفولتهما، حياتهما تغرق في اليأس، في الاحباط وفي الكراهية التي تقودهما الى ان يحملا السكين ويقتلا او يحاولا قتل يهودي.
ان ارهاب السكاكين هو عملية انتحارية: الاطفال مع السكين يذهبون لطعن ضحاياهم بفكرة أنهم يذهبون الى الموت، بالضبط مثل مخربي الانتفاضة الثانية اولئك الذين فجروا أنفسهم في الباصات وفي الاسواق. ولكن مع فارق هام واحد: انتحاريو الاحزمة الناسفة كانوا مفعمين بالدوافع لتسريع تحرير فلسطين، ذهبوا الى موتهم انطلاقا من الامل، بفرح، بايمان بانهم بفعلهم يساهمون في كفاح شعبهم. وكان الانتحار نوعا من الوطنية الدينية. المجتمع الفلسطيني، من ياسر عرفات وحتى الامهات اللواتي شجعن الانتحاريين اساسا من خلال تطوير اسطورة الشهيد في الجنة – والتي وعدت الانتحاريين بحياة الخلد المفعمة بالمتع.
بالمقابل، فان الذهاب الى الموت في موجة الارهاب الحالية مصدره في اليأس وفقدان الامل. فالمجتمع الفلسطيني عديم الوسيلة يؤيد اعمال السكاكين التي يقوم بها الشباب ويمنحهم الشرف ولا سيما في الجنازات، ولكنه غير قادر على ان يمنحهم حتى أمل الشهيد في الجنة التي تعد بها الاسطورة.
الشارع الفلسطيني يائس من استمرار الاحتلال، من السلطة الفلسطينية وقيادتها، من موقف العالم العربي والغربي، وعليه فانه لا يوقف الاطفال. هذا مجتمع حبيس في وضع « الانغلاق النفسي » في دوائر وهن الروح التي تغذي الكراهية وتشجع الشباب على حمل السكين. هذا هو السبيل الوحيد برأيهم الذي سيؤدي الى تغيير وضعهم الوطني ومستقبلهم الشخصي.
وتغيير آخر مقارنة بالانتفاضة الثانية: العنف الحالي يتدحرج من السكين الى السيارة الداهسة، دون قيادة أو زعامة، دون أوامر وتعليمات، دون توجيه ودون هدف سياسي. وهو يتحرك بقوة الاتجاه العاطفي الجمعي للغضب، النزق، انعدام الامل والكثير من رغبة الثأر.
هذا الوضع هو نتيجة السنوات السبعة الاخيرة – منذ انتصار نتنياهو في الانتخابات اختفت المسيرة السياسية ومعها آليات المصالحة وبناء الثقة وبادرات حسن النية التي اعطيت للفلسطينيين بين الحين والاخر وساعدت على تعزيز الهدوء ومنحت بعض الامل. امام عيونهم رأى الفلسطينيون اتساع المستوطنات، تعاظم النزاع الديني وأعمال تدفيع الثمن الذي في نظرهم مسنودة من الحكومة. وأكثر من كل شيء لم يروا بصيص نور في آخر نفق الاحتلال. كل مجتمع، وليس فقط الفلسطينيون، لا يمكنه ان يعيش بلا أمل. عندما لا يكون أمل، يتعاظم اليأس، يزداد الاحباط، وهذه تسرع دوائر الكراهية، الثأر والعنف.
ان سلسلة بادرات حسن النوايا التي تقترحها حكومة نتنياهو على الفلسطينيين هي امر سخيف: حث مخططات هيكلية للسكان في المناطق، زيادة ما لعدد تصاريح العمل في اسرائيل ومنحة خاصة – رفع مستوى شبكات الخلوي في الضفة وفي غزة، افكار عديمة القيمة، ليس فيها أي مساهمة في صالح الهدوء.
ان مستوى لهيب الارهاب لا يمكن ان يخفض الا من خلال اعمال فيها ما يقنع الفلسطينيين بجدية نوايا اسرائيل. هكذا مثلا اذا ما اعتقل حارقو عائلة دوابشة، اذا ما نصبت الكاميرات في الاقصى، اذا ما اعلن عن تجميد البناء في المستوطنات، اذا ما منحوا حرية حركة واذا ما زيدت بشكل كبير تصاريح العمل في اسرائيل.
النوايا الجدية هي ايضا اعادة كلمة « السلام » الى الخطاب السياسي – الجماهيري الاسرائيلي (لنا ايضا، وليس فقط للفلسطينيين هناك حاجة لهذا الخطاب). ينبغي، وبسرعة، التفكير بخطوات سياسية للتهدئة من خارج علبة القوة، حتى قبل ان تعربد موجة العنف الحالية وتعيدنا الى عهد الانتفاضة الثانية.