حلمي موسى
طفا الخلاف مجدداً على السطح بين المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل حول الهبّة الشعبية الفلسطينية والسلطة وآفاق التسوية. وبرز هذا بوضوح في اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأخير عندما تساجل رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال هرتسي هاليفي مع عدد من الوزراء بشأن تقديراته وتقييمه للأوضاع. وكان هاليفي قد أعلن أن أحد أبرز أسباب الهبّة الفلسطينية سيادة اليأس والإحباط في صفوف الفلسطينيين من احتمالات التغيير بطرق تفاوضية. كما تحدث جنرالات حاليون وسابقون في ندوة انتقدوا فيها أداء الحكومة الإسرائيلية وانسداد أفق التسوية.
وفي جلسة الحكومة الإسرائيلية الأسبوعية يوم الأحد الفائت برز الخلاف بشكل واضح عندما عدّد الجنرال هاليفي أمام الوزراء ثلاثة اسباب: ملخصاً إياها في محاولات اسرائيل خرق الوضع الراهن في الحرم، العملية ضد عائلة دوابشة (التي لم يحل لغزها) واحساس باليأس والاحباط لدى الجمهور الفلسطيني بغياب الافق السياسي. وركّز أكثر من أي شيء آخر على أن أبرز أسباب «موجة الإرهاب» الأخيرة في القدس والأراضي المحتلة هو الشعور بالغضب والإحباط في صفوف الفلسطينيين، خصوصا أبناء الجيل الشاب. وأشار إلى أن الكثير من الشبان الفلسطينيين خرجوا لتنفيذ عمليات لأنهم باتوا يائسين من الوضع و «يشعرون أن ليس لديهم ما يخسرونه». وأضاف أن هناك عوامل أخرى أثّرت على قسم من الشباب منفذي العمليات وهي الحوارات التي تجري في الشبكات الاجتماعية ومشاهدة أشرطة العمليات الأخرى. وشدد على أن قيادة السلطة الفلسطينية تواجه هي الأخرى مصاعب في التأثير على هؤلاء الشبان الذين يشعرون أصلا باغتراب عميق عنها.
وذهب هاليفي في الجلسة التي صنفت «سرية للغاية» حد الاعتراف بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يعمل من جهة لتهدئة الميدان ويأمر قواته بمنع تنفيذ عمليات ضد إسرائيل، لكنه استدرك قائلا: «إنه من جهة ثانية لديه فروع لا تواصل العمل من أجل إبقاء نوع من الحريق على الأرض». وفصّل هاليفي أمام الوزراء الأعمال التي تتخذها السلطة الفلسطينية لمكافحة الإرهاب وكرّر موقف جهاز الأمن بأن السلطة، برئاسة ابو مازن، تمنع «الإرهاب» وأن التعاون الأمني يجري كالمعتاد.
وكان أول من اعترض على توصيف هاليفي وزير الهجرة من الليكود زئيف ألكين الذي قال إن هذا موضوع سياسي وأن رئيس شعبة الاستخبارات يتحدث في واقع الأمر عن الفلسطينيين.
وبيّن ألكين أن هناك بين أسباب «موجة الإرهاب»، «التحريض الذي لم تشر إليه البتة». وأضاف ألكين أن أقوال هاليفي تعطي الانطباع بأن إسرائيل هي المذنبة في ما يجري وليس التحريض. وقال حين يكون هذا هو الموقف الاسرائيلي (أي اقوال رئيس شعبة الاستخبارات)، فما العجب في أن بعد ذلك يصعب شرحه في خارج البلاد.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية فإن هاليفي تجنب السجال مع ألكين بأن قال: «نعم هناك أيضا التحريض». ومع ذلك حاول الجنرال هاليفي أن يشرح للوزراء أن دوره ليس أن يقرر لماذا اندلعت موجة الإرهاب بل ان يشرح ماذا يفكر به «العدو» وماذا يقوله العدو في هذه المواضيع. وشدد رئيس شعبة الاستخبارات على أن ما يقوله ويستعرضه، هو ما يمر في رأس «العدو». وقد تطور النقاش في الموضوع الى تراشق للكلام شارك فيه بعض الوزراء، ولكنه لم يرتفع الى حدة عالية. وأثار الحدث عدم ارتياح في اوساط بعض الوزراء، وكذا في قيادة الجيش الاسرائيلي.
وفي كل حال، فإن مواقف هاليفي تعبّر عن الرأي السائد في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي يعرضونها في الاجتماعات الحكومية الأمنية منذ بدء الهبة الشعبية. وترى وسائل الإعلام الإسرائيلية أن رئيس أركان الجيش الجنرال غادي آيزنكوت وقادة الجيش يقودون خطا أشد «اعتدالا» من باقي وزراء الحكومة الاسرائيلية، ويشددون طوال الوقت على الحاجة لمواصلة التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.
وتتناقض التقديرات التي عرضها هاليفي بشكل تام حول أسباب اندلاع الهبّة الفلسطينية مع ما يشيعه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الأسابيع الأخيرة. وكان نتنياهو أعلن في منتصف الشهر الفائت في مؤتمر صحافي «أنهم يقولون لنا: إن هذا يحدث بسبب الإحباط. وهذا ليس بسبب وجود أو عدم وجود أفق سياسي، وإنما بسبب الرغبة في التخلص من دولة إسرائيل. إن إحباطهم نابع من كوننا هنا. من كون دولة إسرائيل قائمة».
وفي افتتاح الدورة الشتوية للكنيست في 12 تشرين الأول الفائت، قال نتنياهو إن «الإرهاب لا ينبع من إحباط بسبب غياب تقدم في العملية السياسية وإنما ينبع من الرغبة في تدميرنا». وقبل ذلك بأربعة أيام أعلن نتنياهو أن موجة الإرهاب هي «محصلة لتحريض مجنون وكاذب من حماس، والسلطة الفلسطينية، ودول عدة في المنطقة والحركة الإسلامية في إسرائيل».
ويوم أمس الأول انتقد الجنرال سوم طوف ساميا الذي كان قائدا للحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة القيادة السياسية في ندوة لمعهد أبحاث الأمن القومي معلنا أن الحكومة الاسرائيلية «درجت في العقد الأخير على تعريف أهداف الحملات أو أهداف الحرب بشكل غير دقيق. وهذا ينبع بشكل عام من انعدام القدرة على الحكم». وأضاف في انتقاد لتوزيع الأوسمة بعد الحرب أنه «عندما تكون غاية الحملة غير واضحة بهذا القدر وانجازاتها لا تزال في علامات استفهام، وتنتهي مع 72 وساماً فتوجد عندي كرجل عسكري مشكلة غير بسيطة مع هذا».
وفي الندوة ذاتها، انتقد الجنرال عاموس يادلين، الذي خدم سابقا رئيسا لشعبة الاستخبارات العسكرية، القيادة السياسية بشأن الحرب على غزة التي وصف نتيجتها بـ «التعادل الاستراتيجي». واقترح عدم تقزيم انجازات حماس في الصيف الاخير وقال: «صحيح أننا كسرنا لها الذراعين الاستراتيجيتين اللتين اعدتهما ـ الأنفاق والصواريخ بعيدة المدى ـ ولكن رغم ذلك كانت لحماس انجازات استراتيجية لا يمكن الاستخفاف بها. فقد قاتلت على مدى خمسين يوما الجيش الاقوى في الشرق الاوسط، أغلقت مطار بن غوريون، دفعت سكان الجنوب الى ترك بيوتهم وطرحت شروطا مددت الحملة، رغم أنها لم تحققها. كان يمكنها أن تنهي الحملة بعد اسبوع وتحصل على ذات الامور، ولكنها لم تفعل ذلك».
من جانبه انتقد رئيس الأركان الإسرائيلي السابق الجنرال بني غانتس أداء المجتمع الإسرائيلي في الحرب على غزة وأعلن أن هناك اليوم حاجة لتسوية سياسية تستعد في مواجهة الإرهاب بموازاة تعاظم القوة الأمنية. وأضاف «نحن هنا لسنا في سويسرا ولوكسمبورغ، ونحن الأقوى وهذا جيد، ولكن لتحقيق النصر نحتاج لضمان وجود السيف ولكن أنا مقتنع بضرورة البحث عن تسوية سياسية. لا أعلم إن كان بالوسع التوصل لاتفاق سلام، لكن بذل الجهد من أجل ذلك أمر مهم».
وفي إطار الإجراءات القمعية الجديدة ضد الهبّة الشعبية، أقرّت الكنيست الاسرائيلية، ليل أمس الأول، مشروع قانون يفرض عقوبة السجن لثلاث سنوات على الأقل على راشقي الحجارة.
وأقرّ القانون، الذي دعمته حكومة بنيامين نتنياهو، بغالبية 51 صوتا في مقابل 17 صوتاً. وينص القانون الجديد على انه ليس بامكان القضاة اصدار احكام مع وقف التنفيذ «الا في حالات خاصة» لم يحددها. كما يقوم القانون بتجميد المخصصات الاجتماعية التي يحصل عليها أهالي القاصرين الذين تتم ادانتهم بـ «ارتكاب جرائم أمنية، وإلقاء الحجارة لأهداف قومية أو في إطار أنشطة إرهابية».