خبر هآرتس: النازيون يتسلقون أسوارنا

الساعة 08:44 ص|26 أكتوبر 2015

فلسطين اليوم

يوسي فيرتر

عقد هذا الأسبوع في واشنطن المؤتمر السنوي الثاني للطائفة اليهودية الأميركية، المدعومة من الملياردير وصاحب الكازينو شلدون أدلسون. كان بين المدعوين وزير الطاقة، يوفال شتاينتس، وهو مرؤوس نتنياهو سياسياً. وهناك قارن بين التحريض الفلسطيني بشأن الحرم و «التحريض النازي الداعي لإبادة اليهود»، وزعم أن هناك»تشابهاً كبيراً بينهما». بعد يومين من ذلك، في خطاب أمام أعضاء الكونغرس الصهيوني في القدس، ألقى سيد الوزير، أي رئيس الحكومة، قنبلته التاريخية التي نسبت لمفتي القدس الحاج أمين الحسيني، كاره اليهود ومحب النازيين المشهور، المسؤولية الفكرية عن الحل النهائي ليهود أوروبا.
وبديهي أن من الجائز أن هذه مصادفة وليست فعلاً مرتباً، لكن بالدرجة نفسها من الاحتمال، يمكن تخيّل الظرف التالي: يجلس الاثنان في ديوان رئاسة الحكومة عشية سفر شتاينتس، ونظر الشاب في عين معلمه طالباً رأيه فيما سنقول لأخوتنا في الشتات. نتنياهو، مظللاً بدخان السيجار، فكّر وأطلق حكمه: «اذهب إلى المقطع النازي»!.
وكان شتاينتس الحمامة التي أطلقت من قفص البيت إلى ما وراء المحيط، لفحص علو المنسوب، واتجاه الريح. وسار نتنياهو في القدس مع ذلك ولكن بخطوة واحدة أبعد من اللازم، كعادته أحياناً. خطوة؟ ربما قفزة منافس أوليمبي في قفز المسافات.
وتطلب الأمر تغريدة له على الفيسبوك، وإعلان على عتبة سلم الطائرة في طريقه إلى ألمانيا، وكانت شبه اعتذارية، شبه تأكيدية، وتراجع آخر في مؤتمر صحافي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في برلين ومقابلة سلبية - هجومية للببغاء الجديد والمتطور عنده، عضو الكنيست تساحي هنغبي، لتبرير الخطأ المحرج في الوقائع في الشأن الأحب إلى قلبه: المحرقة النازية.
وكل ذلك لم يساعد بل إنه زاد الحرج والعار. فالناطق بلسان الحكومة الألمانية اضطر للاعتراف، مرة أخرى، بالمسؤولية الحصرية عن المرحلة النازية للدولة المسؤولة عن قتل ستة ملايين يهودي، دامجاً في بيانه توبيخه لرئيس الحكومة الإسرائيلية. فإلى أين وصلنا عندما يوقف موظف ألماني رئيس حكومة إسرائيل عند حدّه، في قول يحرر ظاهرياً هتلر من المسؤولية الحصرية عن المحرقة.
فقط منكرو المحرقة وأنماط من هذا القبيل يمكنهم أن يتعاملوا بجدية مع أقوال نتنياهو. أنا في صفوف غالبية العالم المتنور فإنهم يستقبلون كلامه كما ينبغي: محاولة سخيفة، مبلورة، شبه منهكة، لإعادة كتابة بشكل مشوه تاريخ الحرب العالمية الثانية لمصلحة المصلحة الدعائية المفضوحة التي تربط بين أبو مازن برؤية مفتي القدس المتودّدة للنازيين.
وإذا المصلحة الواردة أعلاه، ارتبطت في الغالب بأي ضائقة سياسية لحظية لنتنياهو مع اليمين، وهي تبرر أيضاً ولو بشكل غير مباشر تبييض صفحة أدولف هتلر عن عزمه تدمير يهود أوروبا، فلا ضيرَ في ذلك. هذا ثمن ضئيل يجدر دفعه، عند رئيس حكومة إسرائيل، وهو ابن لمؤرخ هام.
وفي الأسرة الدولية تعاطف كبير تجاه الفلسطينيين. وهم يُعتَبرون ضحية الاحتلال. ولكن أيضاً من ليسوا متعاطفين معهم لا يرون فيهم تجسيداً للوحشية النازية. وأقوال نتنياهو هذه يمكنها أن تسحر رفاقه في الجناح الأشد يمينية من تيار حفل الشاي في الحزب الجمهوري الأميركي. ويبدو أنه تنازل من زمان عن باقي العالم.
بالمناسبة، حتى كتابة هذه السطور لم يوجد أي مؤرخ جدي أو خبير في الشأن الألماني صاحب شهرة يدعم رواية نتنياهو القائلة بأن الحاج أمين الحسيني هو من أدخل في رأس هتلر الفكرة الشيطانية بإبادة يهود أوروبا عن وجه البسيطة بأشكال قتل غريبة ومختلفة. ووجّه ديوان نتنياهو السائلين نحو شهادة مسؤول نازي في محكمة نيرمبرغ، كما لو أن هذه الشهادة عنوان الصدقية، والنزاهة والدقة في كل ما يتصل بخطوات هتلر في مطلع الأربعينيات. وبحسب المنطق البائس ذاته يفترض أن نتعامل بتفهم مع أقوال النازيين ومساعديهم أنهم كانوا فقط منفذي أوامر عندما نفذوا الإبادة المنهجية لليهود في المعسكرات الأوروبية. وبالعموم، إذا كان أبو مازن ومجموعة مؤيديه هم استمرار للمفتي، أي نازيون جدد، فلماذا عاد نتنياهو ليعلن أنه سيُسرّ للقاء الرئيس الفلسطيني والبحث معه في حل الدولتين؟
وسخرية الأقدار أن أقوال نتنياهو جاءت في خطاب أسماه «خطاب الأكاذيب العشرة» للفلسطينيين. في نهايته، قرر بأن كفاحنا هو ضد الإرهاب، «ولكني أعتقد أن الحرب الأكبر التي علينا خوضها هي الحرب على الوقائع». على الوقائع أم في الوقائع؟ سيسأل سائل.
وظهرت الترجمة العبرية لخطاب نتنياهو في موقع ديوان رئاسة الحكومة بعد ساعات معدودة من إلقائه. وهذا يشير إلى أن ما قيل لم يكن زلة لسان أو فكرة لحظية. نتنياهو قرأ خطابه من ورقة، ومَن لدينا إنسان يولي أهمية للكلمات أكثر منه.
وعندما يربط بين الفلسطينيين، جيراننا حالياً، والنازيين في ألمانيا الثلاثينيات والأربعينيات، فإنه يريد قصداً أن يغرس في الجمهور الخوف، اليأس، الإحباط وانعدام الأمل. وهذه مادته. في العقد الذي سبق الاتفاق النووي مع إيران اعتاد أن يزعم أن «السنة هي 1938 وأن إيران هي ألمانيا». والآن، بعد إبرام الاتفاق، قام بتغيير الاسطوانة. السنوات مرت، والوسائل تطورت منذ ذلك الحين، وصرنا في العام 1941 وأبو مازن هو شبيه مفتي القدس، ومن هنا الاستنتاج المحتوم بأن شعب إسرائيل على وشك أن يواجه مرة أخرى خطر الإبادة. داعش على الأسوار؟ يا ليت. النازيون على الأسوار.
صمت الجرافات
وكشف لا يقل أهمية في الخطاب نفسه، وإن بشكل مختلف، ولكن ليس كثيراً، كان اعتراف نتنياهو المباغت بشأن قلة بناء حكومته، أو حكوماته، في المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية. وهنا كان موثقاً ومع مراجع، وأرقام ومعطيات حول ما بنى أسلافه، إيهود باراك (5000 وحدة سكنية في عام واحد)، أرييل شارون (1900 وحدة سكنية في عام) وإيهود أولمرت (1700 وحدة). واعترف الخطيب، مثل طفل ضبط متبوّلاً على نفسه، «في ولايتي انخفض العدد إلى 1500 وحدة في السنة».
ولم يرغب نتنياهو في الكلام حول أسباب صمت الجرافات، لكنها معروفة: مع ما كانت الأسرة الدولية مستعدة لتتحمّل وتسكت عندما خدم رؤساء حكومات تحدثوا مع الفلسطينيين وسعوا للتوصل إلى سلام أو اتخذوا خطوات من طرف واحد لتقليص الاحتلال الإسرائيلي، ليست مستعدة لأن تتحمل عندما يدور الحديث عن زبون مثل نتنياهو، الذي لا أحد في العالم يصدق كلمته.
وكان الكلام مفاجئاً، لأنه قبل أسبوع أو اثنين من ذلك، في كتلة الليكود وفي مؤتمر صحافي عقده جراء الوضع، أطلق لحناً مختلفاً تماماً. فعندما سئل حول مزاعم المستوطنين ضد تجميد فعلي للبناء في مناطقهم، غضب وتفاخر بحجوم البناء وكمياته وفي النمو السكاني. وقال في الكتلة: «لا أحد بنى مثلنا»، كما أنه في المؤتمر الصحافي وبخ أحد السائلين: «اذهب وافحص كم بنينا، اذهب وافحص كم استوطنا».
كما قال: «أنا أبني بمسؤولية، بشكل مدروس، وبحكمة. ما يمنع الخطر عن المشروع الاستيطاني». حسنا، هذا انفصام شخصية في أبرز حالاتها. إذا كان يبني بحكمة، فهذا يعني أن الآخرين، باراك، شارون وأولمرت كانوا يفتقرون للحكمة. وقد بنوا بشكل متهور ومن دون كوابح، وعربدوا، احتفلوا، ولم يظهروا أي ضبط نفس واتزان، مثله.
ولا ينبغي إعطاء تفسير آخر عدا محاولة يائسة لمنع ضغط دولي سياسي كبير، يحشد حالياً في عواصم العالم كموجة تسونامي تعلو رويداً رويداً في قلب البحر. وتتدفق تقارير حول ذلك طوال الوقت إلى وزارة الخارجية ولجهات سياسية أخرى. ويمكن لضغط كهذا في ظروف معينة أن يُسقط الحكومة، كما سبق وقدر وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا) في كل المناسبات. غير أن هذا القول الغريب لن يضيف له ولا للمشروع الاستيطاني مؤيداً واحداً في العالم. وبالمقابل، فاقمت التوتر والشكوك بينه وبين اليمين داخل حكومته. في كتلة البيت اليهودي، خصوصاً في جناح تكوما، حزب أوري أرييل، الضغط يزداد. الحاخامات المتطرفون، دوف ليئور، زلمان ملاميد ورفاقهم، بدأوا في إبداء انعدام صبر بارز. وهم ينتظرون نتائج الاتصالات بين إسرائيل والحكومة الأردنية حول ترتيبات جديدة في الحرم القدسي. وسعى عضو كنيست في الكتلة، لا يريد ذكر اسمه، لتذكير نتنياهو أنه بعد شهر سوف يحتاج لـ 60 اصبعاً في الكنيست، للمصادقة على ميزانية الدولة. ائتلافه يُعَدّ 61 عضو كنيست.
ومن دون الانزلاق إلى علم النفس، فإن سيكولوجية الزعماء المعرضين لضغط سياسي وأمني، فإن خطابه، مع كل الدوي فيه، يشير كثيراً إلى مزاج الرجل. ولا مشكلة لديه في قول الشيء وعكسه خلال أيام. وهو خالق عالم بكامله ومدمّره بحركة يد، وبكلمة. وهو ينتج الواقع المريح له في لحظة معينة ويتجه نحو غيره، المختلف جوهرياً، بعد لحظة. كما لو أن كل شيء يتشكل في كلامه. كما لو أن الأطروحة النقيض تُقال بلغة انجليزية قائمة بذاتها، معزولة ومنقطعة عن سابقتها، ولن تترجم ولن يجري الحديث عنها في السياق الأوسع. وسيحكم أهل الصنعة إن كان هذا انفصام شخصية أم أنها أعراض ديكتاتور: العلاقة مع الإعلام، إعادة كتابة التاريخ، جنون العظمة بشأن دوره ومكانه في العالم. وهو ليس فقط رئيس حكومة إسرائيل، هذا منصب صغير عليه. كما أنه لا يعيش في عالمنا، فهو رئيس حكومة التاريخ العالمية وبودّه أن يبلوره ويصوغه وفق ما يريحه لحظياً.
وكما لو أنه تنقصه المشاكل، جاءت أقوال جدعون ساعر في مؤتمر عقده المعهد الإسرائيلي للديموقراطية بمناسبة مرور 20 عاماً على اغتيال اسحق رابين. وجدعون ساعر الذي ترك الحكومة والكنيست والتزم الصمت اشتكى في كلمته من غياب الزعامة في إسرائيل، زعامة «تعرف كيف تتحمّل المسؤولية، وليس تدحرجها، وتتطلع لاتخاذ القرارات، حتى إن كانت قرارات قاسية، وليس التهرب منها، وتركز على مواجهة التحديات ومشاكل مواطنيها وليس على بقائها في الحكم. إن إسرائيل تتطلع لزعامة موجهة للفعل. فقد شبعنا من الكلمات»، فضلاً عن توجيهه سهاماً مسمومة هنا وهناك وجهت نحو شخص لم يذكر اسمه. وليست هناك اليوم شخصية بارزة في اليمين السياسي الذي يطلق انتقادات حادة بهذه الدرجة ومركزة تجاه نتنياهو وتقول بصوت مرتفع ما يفكر فيه كثير من وزرائه ويشتكون منه في أحاديثهم الشخصية. ونتنياهو يفهم اليوم أنه إذا عاد ساعر، وهو يخطط للعودة وفق الظروف، فإنه لن يلتقيه كجندي في كتلته وإنما كخصم معترض ومتحدٍّ.
وقد بدأ التصعيد الأمني يعطي إشاراته على استقرار كرسي رئيس الحكومة. فاستطلاعات الرأي تشير إلى تدهور صورته الأمنية، مقابل ارتفاع في صورة خصومه من اليمين، أفيغدور ليبرمان من إسرائيل بيتنا ونفتالي بينت من البيت اليهودي، وهو ما صار واضحاً. والعقد الإضافي الذي يخطط للبقاء فيه في الحكم يبدو أقل مضموناً، واعداً أقل. في جلسة الحكومة هذا الأسبوع طلب وزير الرفاه حاييم كاتس استيضاح أمر ما عن مشروع لديه. قيل له هذه مسألة تحتاج لخمس سنوات. تنهّد كاتس قائلاً: «خمس سنوات؟ معناها أن الأمر لم يعُد يهمّنا». نظر إليه نتنياهو متذمّراً وهمس نحوه