خبر التصعيد في القدس بين جهود الاستقرار والتصميم

الساعة 09:51 ص|19 سبتمبر 2015

فلسطين اليوم

ترجمة: أطلس للدراسات

بقلم: كوبي ميخائيل وعودد أران

الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيدًا على مستوى الواقع الأمني في القدس، وسيما في أحياء التماس وجبل الهيكل (المسجد الأقصى)، حوادث إلقاء الحجارة - التي أصبحت روتينًا يوميًا لدى بعض من أحياء التماس في القدس، وسيما في حي « أرمون هنتسيف » الذي يحد سور باهر - أدت خلال رأس السنة إلى موت مواطن إسرائيلي أصيبت سيارته من رجم الحجارة في الحي، إلى جانب اهتزاز الوضع الأمني والاحتكاك المتصاعد بين الشرطة الإسرائيلية ومثيري أعمال الشغب الفلسطينيين في أحياء التماس وعلى طول عدد من الطرق الرئيسية في القدس والمؤدية إليها، ورسخت واقعًا من الاحتكاكات العنيفة المتصاعدة في ساحات جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، صور أعمال إثارة الشغب، التي جرت خلال أيام العيد (14-15 سبتمبر) والتي تبث في قنوات التلفزة المختلفة، أدت بقادة عرب - وعلى رأسهم ملك الأردن - إلى إبداء قلقهم واحتجاجهم الشديد لدرجة التهديد الذي ورد على لسان الملك بخصوص انعكاسات الأحداث على العلاقات بين المملكة وإسرائيل.

 

جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، وأكثر من أي موضوع آخر، تنصرف إليه المشاكل الأساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والمصالح المتعارضة للاعبين الكثر ذوي العلاقة، التصعيد في ساحات الحرم يمس بإسرائيل التي تعلق في صراع بين الرغبة في الحفاظ على النظام في المكان ومصادرة السيطرة فيه من قبل مجموعة فلسطينية عنيفة، وبين الخشية من انعكاسات استخدام القوة الزائدة على علاقاتها الدولية، كذلك يمس التصعيد بالأردن التي تطمح في الظهور كمن يقود الحفاظ على المصالح والمواقع الإسلامية في القدس، لكنها لا تفلح في التأثير على الجهات الفلسطينية التي تشعل الأرض، كمان ان التصعيد يمس أيضًا بالقيادة الفلسطينية الرسمية، أي فتح ورئيس سلطتها محمود عباس، ويصب في نهاية المطاف في صالح حماس، أجزاء من الحركة الإسلامية في إسرائيل، وخصوصًا الفرع الشمالي من الحركة، وكذلك جهات خارجية من بينها قطر وتركيا اللتان تحاولان استغلال الأحداث في تقوية مكانتهما في مجمع الدول الإسلامية.

 

المصالح الحيوية لكل واحد من الأطراف المعنية تتضرر؛ غير أنهم جميعًا واقعين في فخ يصعب الخلاص منه، حكومة إسرائيل تجد صعوبة في منع سياسيين من اليمين في التوجه إلى الحرم في مواقيت حساسة، ذلك أن أي خطوة من هذا النوع ستفسر على انها ضعف إسرائيلي وإنجاز لفيروسات التصعيد في الجبل، وكذلك سيجعل منه كيس ملاكمة لمن يسعون إلى الاثبات بأنها غير قادرة على التأثير في الممارسات الجارية في باحات الحرم، وإنما بخلق جو أكثر تحريضًا أو تهدئة (على الأغلب ستختار التحريض)، أي جهد للسلطة في تهدئة الأجواء في الحرم سيؤدي إلى انتقادات شديدة من قبل خصمها العنيد حماس، التي تسعى إلى تصعيد الأجواء بهدف زعزعة شرعيتها كقائدة للكفاح الفلسطيني وتقويض كيانها.

 

الأردن مثل إسرائيل والفلسطينيين رهينة تعقيدات مصالحها، الملك الأردني أبدى امتعاضه مما يجري في القدس في لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني، حتى انه أعلن بهذه المناسبة عن المحادثة التي أجراها في الموضوع مع نائب الرئيس الأمريكي، كذلك عمل على تقديم مقترح أردني (باسم الجامعة العربية) إلى مجلس الأمن، يتضمن استنكارًا بحق إسرائيل بسبب خطواتها في جبل الهيكل (المسجد الأقصى) والتي اتخذت بهدف تغيير الوضع القائم في الموقع، في العلن يرفع ذلك سقف التوقعات لدى الجمهور الأردني باستجابات عملية من قبل القصر، وبالتالي فالملك قد يوقع نفسه في الفخ، ويجد نفسه مضطرًا إلى رد متطرف وأكثر حدة مما عناه. ومن الناحية الأخرى فإن محاولة الأردن دعوة الطرفين إلى تهدئة الأجواء ستفسر على أنها تعاون مع إسرائيل، وأنها نوع من الاعتراف بسيادة إسرائيل في الحرم، ومساس بالمصلحة العربية والفلسطينية والإسلامية؛ وبذلك فقد تزيد حدة الاضطرابات في الأردن، في ذات الوقت من المفترض ان ملك الأردن يعي انعكاسات التوتر السلبية المحتملة مع إسرائيل على المصالح الأردنية الوجودية.

 

في ظل هذه الأوضاع؛ على إسرائيل إيجاد الطريقة الذهبية ما بين فرض سيادتها المتضمنة الحفاظ على الحقوق في المكان الأكثر مركزية في اليهودية وبين الحفاظ على المصالح المرتبطة بصورتها وبالعلاقات ما بينها وبين الدول المجاورة الأخرى، أي ان على إسرائيل ان تناور في نطاق الجهد بين الحاجة إلى إبداء الحزم والسيطرة على الأوضاع الأمنية وبين الحاجة إلى السماح بحرية الوصول إلى المكان والعبادة، كما ألزمت نفسها بالتصريحات والتوجهات، وإلى جانب التفكير في العلاقة بينها وبين الأردن وفي دور المملكة الخاص في جبل الهيكل (المسجد الأقصى) فإن المطلوب من صناع القرار في إسرائيل ان يبدو تحسسهم أيضًا للراي العام الداخلي والسماح بحرية وصول اليهود إلى المكان.

 

قرار وزير الحرب بالإعلان عن المرابطين والمرابطات (مجموعات الرجال والنساء المثيرين للمواجهات في الحرم، والذين يحركهم الفرع الشمالي للحركة الإسلامية في إسرائيل) كتنظيمات غير قانونية، وإعلانه عن استبعادهم من الحرم، ذلك بالإضافة إلى زيادة عدد الزوار اليهود للحرم والمحاولات المتصاعدة لفرض منع صلاة اليهود؛ يفسرها مثيرو التصعيد بأنها دليل على نية إسرائيل تغيير الوضع القائم في الحرم، في ظل هذه الظروف تجد الجهات الأكثر اعتدالًا في السلطة الفلسطينية والمملكة الأردنية صعوبة في إسماع صوت آخر، ويضطرون إلى الانضمام جوقة المدافعين، حتى وإن لم يكونوا مقتنعين بأن هذه هي وجهة الأمور، انضمامهم في الواقع إلى دائرة المدافعين يخلق جوًا يبيح الحماسة والتصعيد، كما ان ذلك يؤدي إلى ردات فعل صعبة في الجانب الإسرائيلي في محاولتها استيعاب الأحداث ومنع وقوع التدهور الأخطر.

الأزمة المستمرة منذ بضعة أشهر، والتي اشتدت في الفترة الأخيرة، والتي لم تبلغ ذروتها بعد، سواء بسبب تقاطع مواعيد اليهود والمسلمين أو بسبب انعقاد الجلسة العمومية للأمم المتحدة؛ تستدعي بلورة مبادرة استراتيجية شاملة، وليست في إطار ردات الفعل وإطفاء الحرائق فقط، الاستراتيجية الشاملة يجب ان توفر توازنًا معقدًا بين جهود فرض الاستقرار وبين جهود التصميم، جهود الاستقرار يجب ان تشمل مضاعفة تحركات الشرطة وفرض النظام ومضاعفة العقوبة بتغيير القوانين وأمور أخرى كثيرة، وذلك لقاء مجهود كبح تصرفات مثيري الاستفزازات اليهود وخطوات سياسية وحملة علاقات عامة، تشمل إطلاع المجتمع الدولي على مجريات الأمور في الحرم، مع التركيز على الاضطرابات والمواجهات التي تثيرها جهات فلسطينية.

ولقاء هذه الجهود على إسرائيل القيام بجهود تصميم، محتواها تغيير الواقع القائم في الحرم، مع التركيز على قطع أرجل العناصر المحرضة، وفي مقدمتها حماس والفرع الشمالي التابع للحركة الإسلامية، بالإضافة إلى تعزيز تواجد ونفوذ الوقف الأردني في الموقع، وذلك بالطبع استجابة لاحتمال اختيار أبو مازن في ظهوره المرتقب أمام جلسة الأمم المتحدة في نهاية سبتمبر لقضية القدس كأداة يقوض باستخدامها شرعية إسرائيل في المجتمع الدولي.

في خطابه في الجلسة العامة، سيكون من الصواب ان يعرض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مكانة جبل الهيكل (المسجد الأقصى) في الروحانية أو « المعتقد » اليهودي، ولكن إلى جانب ذلك عليه ان يعرض استعداده للاستماع لحوار مع جهات مركزية أخرى ومسؤولة في العالم الإسلامي، وفي مقدمتهم ملك الأردن، والذين ليس من مصلحتهم التصعيد الذي تحاول فصائل فلسطينية إثارته.

نقترح على رئيس الحكومة أن يدعو إلى لقاء يضمه وملك الأردن والرئيس المصري والملك المغربي، والذي يشغل منصب رئيس لجنة القدس في منظمة الدول الإسلامية، ومع أبي مازن أيضًا؛ رغم تهديده بإلقاء قنبلة في خطابه، وربما بهذا الشأن تحديدًا، هدف اللقاء سيكون تنسيق طريقة للحفاظ على الهدوء في الحرم القدسي، المكان الموحد لجميع الديانات، أو دعوتهم في الذهاب معه إلى الموقع، كخطوة رمزية تعكس الإصرار المشترك على منع العناصر المتطرفة من فرض أجوائها في المكان، على القبضة الحديدية ان تقضي على المجموعات المتطرفة التي تسعى إلى فرض سلطتها على جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، من المفترض استخدام القفازات الدبلوماسية والحيلة السياسية.