في توكيد لموقفه من الحرب الأميركية - البريطانية على العراق، قال زبيغنيو بريجنسكي، الذي كان مستشاراً للأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر، بين عامي 1977 و1981: «لقد كانت كارثة، لقد قوضت الشرعية الأميركية حول العالم، هشّمت مصداقية الرئيس، ورتبت تكاليف باهظة على الإدارة الأميركية، وأسهمت في زعزعة الشرق الأوسط بأكمله. أضف إلى ذلك الدور الإيجابي الذي كان يلعبه صدام حسين في احتواء إيران، مقارنة بعراق اليوم، الذي يغرق في اللا استقرار. ما سبق يعني أن العالم كان يمكن أن يكون مختلفاً لو لم تغزُ أميركا العراق.. ببساطة، كان الشرق الأوسط أكثر استقراراً.« . لم يكن هذا الموقف من بريجنسكي، نتيجة لمعارضته الشديدة لسياسات الرئيس جورج بوش الابن، ذاك المجرم الأحمق، المهووس بتكليف إلهي، الذي يستحق كل احتقار، ولا تأييداً من المفكر الاستراتيجي الأميركي لباراك أوباما الذي كان متحمساً له.. وإنما هو تحليل صائب، ورؤية استشرافية، وتقرير واقع، نقرأ صفحاته المأساوية اليوم، في تفاصيل الحرب، والفوضى، والفتنة المذهبية، والإرهاب، والمآسي الاجتماعية التي تلف بعض بلدان المنطقة.. ونلمس الحقائق التي انطوى عليها ذاك الموقف، من خلال الدمار، والاقتتال المستمر، والمجازر البشعة، والفساد الذي عمَّ فأعمى، فطمَّ وأصمي.. وكل ذلك الذي سببه قصر النظر السياسي، والطموح الزائد عن الحد، والعبث، والغلو، وسوء التقدير والتدبير، بل وما هو أكثر من ذلك وأشد نقمة على الأمة.. مما أدى بكثير من البلدان العربية على الخصوص إلى تنافر وتضاد قتّالين، وإلى انعدام ثقة متبادل، وظهور تحالفات وولاءات على حساب الأمة ومصالحها، وأدى إلى حروب عربية عربية، بصور مباشرة أو ملتوية.. وإلى غياب المؤسسات القومية، بل ومعاداة الروح القومية ذاتها.. وإلى صراعات معلنة، بين دول عربية وإسلامية، ومن ثم إلى ضعف، وتهافت، وتآكل، وعجز في أقطار عربية، ما تزال تزحف نحو الهاوية، على الرغم مما حل بها من كوارث ودمار، ومنها سورية التي تتمركز فيها دوامة العنف والإرهاب والفتنة.. وكل ذلك لا يستفيد منه إلا الكيان الصهيوني العنصري المحتل، الذي يضرب أينما شاء، ومتى شاء، بذرائع ومن دون ذرائع.. وبلا أدنى حساب لسيادة، أو إرادة، أو قوة، تتصدى له، ولا حتى من باب الشكليات لا غير. ذاك لأن هيبة الأمة سقطت، وإمكانيات كل قطر تآكلت.. وكل مكونات القوة لدينا، أصبحت موجهة إلينا، سواء أكانت على مستوى الحكومات أو المعارضات، الجيوش والقوات المسلحة أو المقاومات والميليشيات والقوات الشعبية والتنظيمات بمسمياتها.. ولأن الكل يفتك بالكل، في الكثير من أقطارنا، لا سيما في سورية والعراق واليمن وليبيا.. حيث نمت ولاءات مريضة، وأصبح الاقتتال المجنون يستقطب من ينخرط مع هذا أو ذاك في القتال والعداء والتحريض، من أقطار عربية، وبلدان إسلامية، وقوى بشرية تلتحق بهذا الطرف أو ذاك، لا سيما تحت راية الفتنة المذهبية » السنية - الشيعية« ، التي أصبحت، للأسف الشديد، تلتهم الأنفس، والشعوب، والبلدان، والسياسات، وكل مقومات العقل وقيم الدين.. وغدت دولنا وشعوبنا مشغولة بتدمير »الذات« بوصفها »عدواً؟!« والتحالف مع الأعداء، كأنهم الذات أو من ينقذها ويحميها؟!
لقد خسرت الولايات المتحدة الأميركية بعض الخسائر المادية والمعنوية، من جراء حربها على العراق.. ولكنها لم تصب بما أصبنا به نحن الذين استهدفتهم، هي وحلفاؤها، وحاربتهم حرباً » صليبية مقدسة« ، على حد إعلان المجرم جورج بوش الابن وتابعه طوني بلير، اللذين تعاهدا في كنيسة أميركية على خوض هذه الحرب القذرة، بوصفها حرباً دينية مقدسة.
لقد تم تدمير العراق بوحشية، وأُنهيت مؤسساته، وقسِّم عملياً، وأساءت بما لا يقدر ولا يوصف للعراق والعراقيين والمنطقة، وزرعت في العراق الفتنة، وعشش الخراب، وما زال البذار الأميركي يغل السوء والفساد والموت.. وكان في مخطط الغزو الأميركي ذاك تدمير سورية، وعلى من نسي أو يريد أن يتناسى، أن يتذكر قول كولن باول للسوريين، شعباً ودولة ومسؤلين، في معرض التهديد والوعيد والإنذار: » لقد أصبحنا جيرانكم« .؟! لم يتم التوجه الأميركي في ذلك الوقت نحو تدمير سورية، وإلحاقها بتدمير العراق.. كانت هناك معطيات وحسابات وأشياء ستنكشف أكثر فأكثر مع الزمن.. لكن »المطلب الإسرائيلي والمصالح الأميركية« ، بتدمير العراق، وإلحاق سورية به، بقي هدفاً قائماً يتحين الفرص.. وجاءت فرص الأميركيين والصهاينة، ومن يشايعهم ويشجعهم ويتحالف معهم ويوافقهم على ذلك، من الأوروبيين وغيرهم.. جاءت على أيدي السوريين، بالدرجة الأولى، معارضات ومسؤولين، وطنيين وشبه وطنيين، وممن تشكل لهم الوطنية شعاراً أو ستاراً أو سلعة سياسية.. وكلٌ مسؤول عن ذلك بدرجات، ومنكوبٌ وناكبٌ بدرجات أيضاً.. وقد بدأ الإغراء والإغواء والانزلاق نحو الكارثة، بأساليب بعضها مهووس وبعضها مدروس، بعضها من الداخل وبعضها من الخارج.. وكانت الولايات المتحدة الأميركية وبعض حلفائها، ودول أخرى دخلت على هذا الخط، تستفيد مما جرى في العراق وله، وتحاول أن تسيس موقفها وتطوره على هذا الأساس.. مع تعديلات تمليها التجربة، سواء أكان ذلك لدى الأميركيين وحلفائهم، أو لدى أطراف دولية لها علاقات مع سورية، لم تقرأ النوايا والسياسات الأميركية في العراق قراءة جيدة في حينه، ولم تقم بواجبها حيال شعب ودولة أصابتها تلك الجريمة في الصميم، وزعزعت المنطقة، وما زالت آثارها مستمرة في التفاعل السلبي حتى الآن، ولمدى غير معروف.
في ذلك الوقت، كانت إيران قد بدأت تسللها المدروس إلى العراق مع بدايات الغزو الأميركي، وأرادت، مع غيرها، أن تسقي عراقيين من كأس السم الذي أشار الإمام الخميني إلى أنه » تجرعه« حينما أقر الاتفاق مع العراق على وقف إطلاق النار، في ظل ما بدا هزيمة واضحة لإيران آنذاك.. لقد وقع العراق في الميدان، وبدأ الكثيرون ممن لهم ثارات، مع العراق وفيه، يستوفون حساباتهم بطرقهم وأساليبهم.. ودخلت المعارضات العراقية الموالية للغرب ولإيران ودول عربية أخرى، واستلمت سلطة أسندت إليها، بينما الحاكم هو الأميركي.. ومع الزمن أُنهك الأميركي لأسباب منها المقاومة العراقية.. فتراجع بعد أن أنهى المرحلة الأولى من المخطط الذي استهدف العراق وسورية.. وارتفع مستوى سيطرة الإيراني في العراق من خلال من يوالونه ويعتصمون به، ورأي في ذلك فرصة أكبر للانتقام، ولمشروعه الأوسع، الذي عبر عنه متطرف فارسي بشكل فجّ ذات يوم قريب، بقوله: » هناك إمبراطورية فارسية عاصمتها بغداد؟!« .. ومع أن هذا القول قوبل بالاستهجان والغضب، وبالرفض من قبل مسؤولين إيرانيين، إلا أنه كشف عن شيئ خطير يجوس في عتمة نفوس، ويغريها بما هو أسوأ وأخطر، وعلى مستوى أوسع، ومدى أبعد.. وهذا شجع قصار نظر في المنطقة، فذهبوا إلى أبعد ما يمكن أن يكون مقبولاً ومعقولاً ومحتملاً، وبالغوا في غيهم وغلوهم وظلمهم واستبدادهم واحتقارهم للآخرين، وشجعهم على اعتماد القوة بقسوة، لإرغام من لا يقبل سطوتهم وتسلطهم، ولإخضاع من يعترض على ظلم واضطهاد، وتجبر وفساد وإفساد، ولا يرضى بصبغة خاصة تصبغ بها العامة، وكانت تلك تصرفات وسياسات تتصف بقصر نظر، وقصور رؤية، واستقواء بآخرين. في هذه الأوقات كان الأميركي يتربص الفرص، ويسبح تحت الماء، ويستقطب، ويهيئ الملعب والظروف والأدوات ويتحين الفرص.. وحين أشعلت شرارة ما بدا هشيماً في سورية، رأينا شراسة السفير الأميركي وتحديه، ومعه سفراء دول أوروبية، وشهدنا استقطاب معارضات، لم تلبث أن طالبت بتدخل عسكري خارجي في الشأن السوري.. وشهدنا ردود الفعل التي اتسمت بالقوة وبما هو في مستواها وأشد على صعد شتى.. إلى أن وصلنا إلى اقتتال لا يرحم، يستهدف سورية أرضاً وشعباً ودولة، وإلى تدخلات وتحالفات أدخلت الأزمة/الحرب/الكارثة في أفق دولي، أفقد السوريين السيطرة على قرارهم والقوة التي يمكن أن تبقيهم على شيء من الاستقلال في ظلال السيادة الوطنية.. وشهدنا وجود قوى تنادي بمشاريع طائفية، ومذهبية، وعرقية، وقومية تقسيمية لسورية، في مسارات وسياسات ظاهرة وخفية.. وكلها تدور في إطار الحرب على سورية وفيها، على دولتها، وشعبها، ووحدتها، ودماء بنيها، عليها الكل في الحاضر والمستقبل » سلطتها ومعارضاتها« .. وتصبح شيئاً فشيئاً حرباً مذهبية » سنية - شيعية« على الخصوص بتدخلات خارجية تحمل المرض نفسه، على الرغم من نفور الكثيرين في كل الأطراف من ذلك، أو رفضهم لتلك التوجهات والمسميات، مع ولوغ عملي في الدم وغوص في حمأ الفتنة.. لكن هذا الواقع فرض نفسه ليس على سورية وحدها وإنما على دول وقوى في المنطقة وخارجها. وهكذا جاءت الفرصة الذهبية للأميركي والصهيوني والأوروبي المتطرف.. فرصة تدمير سورية كما دمر العراق، واستزاف المنطقة بالكامل، وفرض هيمنة » إسرائيل« دون منازع، بعد نزع أسلحة الأطراف المعنية بالصراع العربي الصهيوني وبقضيف فلسطين، ولا سيما أسلحة توصف بأسلحة الدمار الشامل، وحصر ملكية هذا النوع المدمر والمحرم دولياً بإسرائيل الدولة العنصرية الإرهابية المحتلة، شريك الأميركي في غزوه وحربه ومشاريعه العدائية وسياساته التدميرية. ولاستكمال المرحلة الثانية من حرب بوش - بلير الصليبية المقدسة »، لكن بصورة مطورة جداً ومستفيدة جداً من مرحلتها الأولى التي كانت تدمير العراق. فالحرب علي سورية، والأمتين العربية والإسلامية في هذه المرحلة المتطورة، دارت وتدور بأيدي العرب والمسلمين، وبأموالهم، وعلى حساب قوميتهم، وقيمهم، ودينهم، ودمهم، وعلاقاتهم، وإنسانيتهم، وحضاراتهم، وحاضرهم ومستقبلهم.. أما الغرب، والأميركي - الصهيوني على الخصوص، فيحرض ويدرب ويوجه ويرسم السياسات والمسارات، ويعرقل عند اللزوم.. ويبيعهم السلاح، مع غيره ممن يصنعونه، ويريدون التخلص من كل مخزونهم من الأسلحة القديمة التي تجاوزتها أسلحتهم المتطورة؟! وفي ظل الحرب والحاجة وغياب عقول الآخرين وضعف قدراتهم، يستقطبون الحلفاء، ويسيطرون على الأسواق والطاقة، ويستبدلون حليفاً بحليف، وينفذون حربهم بإمكانيات غيرهم.. ويعملون على أن تستمر الحرب إلى أطول أمد، لكي تأتي على مقدرات الشعوب والأوطان، فيحتلونها ويوجهونها « بالريموت كونترول »، وينتصرون من دون خسائر تُذكَر؟!
لم يكلف تدمير سورية الأميركيين وحلفاءهم ما كلفهم إياه تدمير العراق، ولن يكلفهم الانتهاء من هذه المهمة الكثير، فلدى السوريين فيما يبدو عزيمة تامة على تدمير ما تبقى من وطنهم، وقتل أكبر عدد من شعبهم وممن يحاربون معهم وضدهم، وتشريد ملايين الناس عن وطنهم التاريخي، وتعريض آثارهم، وحضارتهم، والطاقات البشرية التي تساهم في الانقاذ والتقدم العلمي والتقني والمعرفي والحضارة لكل خطر ممكن، أو محتمل، أو متخيل.. في سبيل أن ينتصروا؟! .. أن ينتصروا.. ؟! على من؟ وكيف؟، وبمن؟ وبماذا؟، ولماذا.. كل هذه تساؤلات لا تعني ذوي الرؤوس الحامية، والمطالب النهائية، والهداف الأخرى حسنة أكانت تلك الأهداف أم سيئة.. ذاك لأن « الهدف الأسمى »، هو « النصر الأشمل والأكمل والأوفي و.. »، على الذات والوطن والشعب، على العروبة والإسلام، على القيم والإنسان.. لكي تبقى هناك رايات بأقل عدد من القامات والمقامات، يتقاتل تحتها الناس نصراً وانتصاراً لمذهبيات ذات تطرف وغلو لم يقل بها الإسلام، ولم يرتفع بها العرب إلى مقام، ذلك لأنهم عزوا بالإسلام وليس بمذاهب على حسابه.
حرب بوش الصغير وتابعه بلير، تلك الحرب الصليبية المقدسة، تستمر، وتحقق تقدماً وانتصارات، ليس لأن الأميركي يملك ما لا يمكن أن يجابَه، أو يُتقى، أو يتم التخلص من شره بطريقة ما.. بل لأننا نحن أدواته التي تحقق له غاياته، نحن الذين ندفع له المال والدم والوطن والشعب والمستقبل، ونعطيه الطاقة والثروة وكل ما يطلب.. لكي يكبر ويحكم ويتوسع ويهيمن وينتصر. فنحن، فيما يبدو من تحالفاتنا وحروبنا وتطلعاتنا.. إلخ، على استعداد دوماً لخدمة أعدائنا، ولأن نجعلهم أقوى وأقوى، وأقوى.. بضعفنا وتفرقنا وجهلنا وتقاتلنا، وموالاتنا لهم، واستعدائهم على بعضنا بعضاً، في حروب كل منا للآخر.. فالأخ، والجار القريب، والجار بالجنب.. أولى « بالعداوة »؟! - خلافاً للمودة والتراحم والتعاون والتقارب و.. الذي قال بها ديننا، وأوصانا بها نبينا ؟!- العدو أولى « بالصداقة »؟! من الأخ الشقيق، والجار بالجنب، والجار البعيد، فالعدو بعيد، يزورنا بطائراته وصواريخه، ولا يجاورنا في حارتنا، ولا يزاحمنا على الكلأ والماء والنار..؟
إن هذا يثير الكثير من الشجون، ولكن لله في خلقه شؤؤن