خبر هذه امبراطورية- معاريف

الساعة 10:53 ص|17 أغسطس 2015

فلسطين اليوم

بقلم: عاموس جلبوع

يخيل لي أن الكثيرين منا يصعب عليهم الدخول الى عقول اولئك المتشددين المتطرفين ممن يحرقون الرضع والكنائس. عقل معظمنا يرى في ذلك فعلا جنونيا عديم كل منطق وغاية. وأطرح أنا سؤالا: فيما يختلف الشيوخ الايرانيون المتطرفون عن المتزمتين المقرفين عندنا؟ لماذا يوجد كهؤلاء بيننا، ولدى ادارة اوباما، ممن يستخفون بتشدد الأئمة في ايران، يقللون من قيمتهم ويستبعدون امكانية ان يقوموا بافعال غير عقلانية. كبير المستشرقين، البروفيسور برنارد لويس، قدر بان النخبة المتشددة الدينية الايرانية تتوقع حرب جوج وماجوج ترافقها سحب القنابل النووية والتي في اعقابها ستقوم في العالم مملكة اسلامية شيعية. فهل هذا سيتحقق ام لن يتحقق؟ لست نبيا، ولكن يخيل لي انه يجب أن نفهم بانه الى جانب التشدد الديني الايراني تقف حضارة فارسية وارث تاريخي قليل مثلهما في عالمنا. لست خبيرا في الشؤون الايرانية، ولكن بودي أن اطرح تجربتين مررت بهما حين زرت في حينه ايران في فترة الصمت لحكم الشاه الفارسي.

          الاولى كانت لقاء مع طيارين ايرانيين عادوا من دورات في الولايات المتحدة للتدرب على طائرات اف 16. دهشت بمستوى المعرفة، التعليم والفهم لاولئك الطيارين. ولولا انجليزيتهم الممتازة، لتصورت اني أتحدث مع طيارينا. وقد جسد لي هذا بان لايران بنية تحتية من القوى البشرية النوعية وبنية تحتية من المعرفة. فليس صدفة انهم وصلوا في عصرنا لما وصلوا اليه في تطوير السلاح.

          ولنذهب الى عمق التاريخ. ابتداء من نهاية القرن العاشر عندما كان الاسلام في عصره اللامع، لم يكن ابناء الثقافة والعلم عربا! فهم في معظمهم فارسيون. وللتجسيد: الطبيب الشهير، ابن سيناء، كان فارسيا، ربما  أعظم العلماء الذين قاموا للاسلام. عمر الخيام (وعلى اسمه يسمى النادي الشهير في يافا) الذي يعتبر احد عظماء الشعراء في الاسلام كان فارسيا. وأكثر من كونه شاعرا كان رياضيا، من آباء نظرية الجبر. ثمة لايران ما تتباهى به في مساهمتها الهائلة في الثقافة الاسلامية.

          وفي جانب الثقافة العليا، ثمة بالطبع الثقافة الدنيا، ثقافة حكمة البازار. فقد حظيت بان أكون هناك، في البازار في طهران. بازار اسطنبول يشحب أمامه.

          التجربة الثانية كانت عندما زرت خرائب مدينة فرسفوليس. هذه المدينة بدأ يقيمها الملك كورش (الذي يدين له شعب اسرائيل بغير قليل) وقد كانت مدينة العاصمة للامبراطورية الفارسية التي قامت بعده. لايران إرث امبراطوري، لشعب ذي ماض فاخر. لنا وللثقافة الغربية يوجد الكتاب المقدس، العهد الجديد واليادة هومروس. لايران ثمة الاسطورة العظيمة التي تسمى « شهنامة » (قصص الملوك)، التي كتبها قبل نحو الف سنة الشاعر الفارسي فردوسي. في اللغة الفارسي كتبت، إذ فيها وجدت تعبيرها الهوية الفارسية التي في داخل الدين الاسلامي.

          الامبراطورية الفارسية العظيمة الاخيرة قامت في بداية القرن السادس عشر. مؤسسوها اخذوا على عاتقهم الصيغة الشيعية للاسلام، وعلى مدى مئات السنين قاتلوا الامبراطورية العثمانية، رافعة علم السُنة. وقد نزلت، احتلتها بريطانيا وروسيا في الحرب العالمية الثانية، والان وجهتها نحو اقامة امبراطورية جديدة. فأي إرث، أي ثقافة، أي معرفة، ثمة للسعوديين وامارات الخليج لعرضه حيال الامة الفارسية. ما الغرو أن ايران، نعم ايران، وليس فقط المتطرفون فيها، تتطلع لان تحقق في نهاية الامر قنبلة نووية؟ وان كان فقط من اجل وضعها في مقدمة العلم، كما يجدر بالامبراطورية المتجددة؟!