شريط الأخبار

المشاريع النووية العربية: إن لم تستطع إجهاضها، أقتل أصحابها

11:52 - 10 تشرين أول / مايو 2015

المشاريع النووية
المشاريع النووية

فلسطين اليوم - وكالات

عرفت الشعوب الطاقة الذرية منذ أكثر من خمسين عاماً لأول مرة، عندما استيقظوا على كارثة مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945، بعدها بعشر سنوات فقط، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تضع حجر أساس برنامجها النووي، حيث شكلت لجنة للطاقة الذرية كانت نواة مؤسسة الطاقة الذرية التي أنشئت عام 1957.

مصر: تاريخ طويل من المحاولات المجهضة

الرحلة الطويلة الأولى في أفريقيا والعالم العربي بدأت منذ الستينات، وكان المشروعان المصري والهندي حينذاك بمثابة توأمين، رعتهما علاقة وثيقة ربطت بين جمال عبد الناصر ونهرو، فنجحت الهند وأصبح بإمكانها الآن تصنيع محطة نووية كاملة دون حاجة إلى خبرة من الخارج كما امتلكت حوالي 30 قنبلة نووية، أما مصر فلم تصل إلى شئ.

أول محاولة كانت في عام 1961 عندما بدأ تشغيل المفاعل النووي البحثي الأول بعد افتتاح جمال عبد الناصر له، في مدينة أنشاص بالشرقية، ركز فيها على الأبحاث في المجال الطبي، كما عُني بتهيئة كوادر مصرية نووية تستطيع تشغيل المفاعل وصيانته وتفقد الوقود والبحث عنه والقدرات الوقائية والهندسة النووية، بعدها بثلاث سنين قررت مصر أن تبدأ بصنع مفاعل كهرونووي ينتج الكهرباء، وذلك بعد انتشار الخوف من نفاد الوقود الأحفوري، إضافة إلى كون مصر من الدول التي لا تمتلك

رصيداً بترولياً جيداً في بطن أراضيها، فطرحت مصر مناقصة لإقامة محطة كهرونووية في سيدي كرير لتوليد الكهرباء بقدرة 150 ميجاوات وتحلية المياه بمعدل 20 ألف متر مكعب في اليوم، لكن حرب 1967 عطلت هذا المشروع وأصبحت الميزانية غير كافية لمشروع بهذا الحجم، دقت طبول الحرب، وحدث أول إجهاض للمفاعل الكهرونووي.

في السبعينات جددت اتفاقية السلام بعد حرب أكتوبر 1973 أمل مصر في الحلم القديم بامتلاك المفاعل الكهرونووي عندما وعد الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر كلاً من مصر وإسرائيل بإهدائهما مفاعلين متماثلين كجزء من نتائج الاتفاقية، لكن أمريكا كانت غير عادلة في الشروط، فقد جعلت الضمانات والتفتيش على الجانب الإسرائيلي على هذا المفاعل فقط، لكن بالنسبة لمصر، فقد اشترطت ان تفتش أي منشأة مصرية نووية في أي وقت، ما رفضه السادات حينها واعتبره تدخلاً غير مسموح به، وهكذا أجهض المفاعل ثانية، لكن هذه المرة على طاولات السلام.

في الثمانينات عادت الفكرة للطرح، وعاد التيار للسريان، حيث حركتها احتياجات مصر المتزايدة من الكهرباء، وقررت تغيير المكان الذي كان مقترحاً قديماً من سيدي كريرإلى منطقة الضبعة شمال غربي مصر، بعدها بدأوا يطرحون مواصفات المفاعل وطرح دولياً وتقدمت الشركات إليه بالفعل، لكن كارثة تشيرنوبل النووية المشهودة حركت ذعراً عالمياً من الطاقة النووية وأجهض المشروع مجدداً قبل فتح المظاريف.

بعدها تحركت الفكرة لكن بشكل غير معتبر، حيث لم تترجم على الأرض، بداية من الرئيس مبارك، الذي كان قد أعلن وعوداً في الهواء أوقفتها الثورة المصرية في 2011، تلتها نية معلنة من الرئيس محمد مرسي والتي أوقفتها تظاهرات أهل أراضي الضبعة الذين لم يقنعوا بالتعويضات، ثم عدلي منصور، وأخيراً السيسي الذي عقد اتفاقية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لأجل محطة نووية في الضبعة، لكنها حتى الآن لا تزال حتى الآن على الورق.

وقد قال الدكتور إبراهيم العسيري المتحدث الرسمي باسم المحطات النووية وكبير المفتشين بالهيئة الدولية للطاقة الذرية سابقاً إن كل تأخير يكلف مصر خسائر تبلغ 8 مليارات دولار في السنة الواحدة، وهو مبلغ يوازي تكلفة إنشاء محطتين نوويتين، موضحاً إن إنشاء المحطة الواحدة يستغرق 48 شهراً منذ بدء وضع حجر أساسها، وأردف أنه علينا ألا نفكر في التكلفة، التي تساوي تقريباً خمسة مليارات لكل محطة، فتعطيل المشروع خلال عهد مبارك تسبب في خسارة 200 مليار دولار، والمشروع يستطيع أن يغطي تكلفته بالكامل خلال أربع أو خمس سنوات من بدء عمله.

ويبلغ إجمالي المفاعلات النووية في العالم 435 مفاعلاً، إضافة إلى 64 محطة نووية تحت الإنشاء، وتحتاج مصر إلى إنشاء محطات كهرونووية لتغطية حاجة سكانها للطاقة، والتي تجعل مصر أحد أعلى دول العالم استهلاكاً للكهرباء.

العراق: إن لم تستطع إجهاض النووي على طاولات السلام، اقتل !

يوم الجمعة 13 يونيو عام 1980 كان العالم المصري يحيى المشد يفتح باب غرفته في فندق الميريديان بباريس، عندما انهالت على رأسه أداة ثقيلة لتهشمه تماماً، ويسقط غارقاً في دمائه أمام الباب، مسجلاً أحد أكثر الجرائم غموضاً.

في السبعينات بعد النكسة، ثم مفاوضات السادات للسلام والتي أجهضت المشروع النووي المصري بشكل كامل، لم يجد يحيى المشد رئيس قسم الهندسة النووية في جامعة الإسكندرية مكاناً له بعد الآن، فقد توقف المشروع النووي والذي كان بالنسبة للمشد رسالة حياة أكثر منها مهنة، وحينها ظهرت له بارقة أمل، هذه المرة من العراق، عندما ولد المشروع النووي العراقي بمعاهدة تعاون استراتيجي مع فرنسا، تضمنت مساعدة الأخيرة للعراق في بناء مفاعل نووي للأغراض السلمية، فشد رحاله إلى العراق.

وبعد تفجير قلبي المفاعلين النووين العراقيين “تموز 1 وتموز 2″ قبيل شحنهما من فرنسا إلى العراق، سارعت فرنسا إلى إرسال شحنات بديلة وعندها وقف المشد وقفة قوية ورفض استلامها، قائلاً أنها لم تكن بالمستوى المطلوب، عندها أصر الفرنسيون على

حضوره عملية الاستلام، ولم يكن يعرف حينها أنه بصدد أحد جرائم الاغتيال التي ستقيد ضد مجهول.

توجهت التخمينات إلى ضلوع الموساد في القتل، ومع أن الدول لا تعترف بهذه العمليات في العادة، لكن إسرائيل سربت عبر مصادر غير رسمية أنها كانت المسئولة، لنشر الترهيب من أي تجربة مماثلة، ولكل من يعمل في هذا المجال، أن إسرائيل تضع إصبعها على الزناد، وأنها لن تسمح بشئ من ذلك في المنطقة.

بعد عام على اغتياله، قامت إسرائيل بغارة على المفاعل النووي العراقي أثناء انشغال الآلة العسكرية العراقية بكاملها في الحرب على الجبهة الشرقية مع إيران، ونتج عنها تدمير المفاعل النووي العراقي بشكل كامل، ورد حينها صدام حسين بتحويل المشروع من مدني إلى عسكري يسعى إلى إنتاج أول قنبلة نووية عربية.

في التسعينات اجتاحت القوات العراقية الكويت، ونتج عنها مواجهة بين العراق والدول الغربية، والتي تمكنت من خلال الأمم المتحدة من فر حصار أممي عليه وإصدار قرارات بنزع أسلحته غير التقليدية، وبناء على هذه القرارات تم وأد المشروع النووي العراقي بعد عقدين من توقف التجربة المصرية.

ليبيا: محاولات دون قوة النووي العراقي، وئدت قبل أن ترى النور

بدأ الطموح الليبي النووي في منتصف الثمانينات وكان أغلبه سرياً، حيث توجهت إلى الأرجنتين التي انسحبت من الاتفاق بضغط من الولايات المتحدة، كما رفضت فرنسا، لتجد في روسيا الشريك المطلوب، بصفقة معامل نووية تكلفت حوالي 400 مليون دولار، حتى كشفت عنه ليبيا وأعلنت تخليها عن رغبتها في امتلاك أسلحة نووية، وفي عام 2004 سلمت السلطات الليبية بنفسها كل ما لديها من أجهزة وخام يورانيوم إلى الولايات المتحدة لأنها أرادت رفع العقوبات الدولية التي حاصرتها لعشرين سنة كاملة، وقيل أيضاً أن القذافي كان يريد تحسين صورته وتهيئة ولي عهده لتلقي الحكم، وفتح الطريق للاستثمارات الأمريكية، فكان نوعاً من القربان للمجتمع الدولي، وحسب مسئولين في البيت الأبيض فإن الخوف من مصير التجربة العراقية كانت من أهم دوافع التسليم السلمي لكل المعدات وتفكيك المفاعلات بنفسها، لقد ألقت بكل النقود وجهود علمائها المتواصلة لكل هذه السنين التي زادت عن العشرين في البحر.

وقد أعلن مسئولون أن القذافي كان على أعتاب امتلاك سلاح نووي بالفعل، وكشفت أن معظم ما قامت به ليبيا ومعظم وارداتها منه كانت عبر السوق السوداء، حيث كشفت أسرار هذه المشروع أن اليورانيوم قد جاء من كوريا الشمالية، كما أشارت إلى عبد القدير خان مهندس القنبلة الذرية البكاستانية، وكان الثوار الليبيون قد تداولوا معلومات بعد الثورة الليبية عن اكتشاف مفاعل نووي جنوب البلاد.

في الثمانينات أيضاً، تحديداً في 1983 وقعت الجزائر مع الصين اتفاقاً يتضمن تشييد مجمع نووي للاستغلال السلمي، ووقع البلدان اتفاقية في نفس المجال عام 1997، لكن المفاعلين اللذين تمتلكهما لهما قدرة ضعيفة ويستخدمان للأغراض السلمية فقط، يعرف أحدهما بمفاعل السلام وقدرته 15 ميجاواط فقط.

الأردن: الصراعات السياسية تقف بوجه المفاعل

بالنسبة لدولة مثل الأردن، تستورد حوالي 97% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، فإن هذه نسبة ضخمة، يزيد خطورتها التوقع بتضاعف احتياج الطاقة في عام 2020، وعدم توفر الوقود الأحفوري، فإن اتخاذ قرار بناء المفاعلات الكهرونووية يبدو منطقياً جداً.

في عام 2013 رست المناقصة التي أجرتها الأردن على اختيار الشركة الروسية (روس آتوم) لتوقع معها اتفاقية في 2014

لتطوير المحطة النووية الأردنية، وتتضمن الإتفاقية دراسات متعددة عن آثارها على البيئة والكهرباء ودراسة البنية التحتية والطرق وحالة شبكات الكهرباء وكلفتها، ويتوقع أن تكلف هذه الدراسات وحدها حوالي 64.86 مليون دولار.

وتوقع خالد طوقان رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية تشغيل أول محطة نووية في الأردن بكلفة 10 مليارات دولار لتوليد الكهرباء، سيساهم الجانب الروسي بـ49% من التكلفة بينما تبلغ نسبة الجانب الأردني 51%، هذه المحطة سوف تحوي مفاعلين اثنين طاقة كل منهما 1000 ميجاواط، ليشغل المفاعل الأول عام 2021 و يشغلالمفاعل الثاني بعده بعامين.

أثار المشروع حتى الآن احتجاجات متواصلة في الأردن، ولم يصل البرلمان حتى الآن إلى قرار بخصوص الأمر، كارثة فوكوشيما التي حدثت في اليابان رغم كل الاحتياطات شكلت هاجساً لجميع الدول من حادث مشابه، يركز المعارضون على نقطة الخطورة ويرون أن الأردن ليس بحاجة إلى هذا المشروع، وظروفه لا تحتمله، لكن خالد طوقان يرجح أن هذا بسبب عدم وجود المعرفة الكافية.

لم يواجه المشروع النووي الأردني حتى الآن ضغوطاً رسمية من إسرائيل، لكن خالد طوقان يتوقع حدوث هذا الشئ، ويقول إنه ليس من السهل لأي دولة البدء في مشاريع نووية دون عراقيل.

ليس هذا المفاعل النووي الوحيد، بل إن الأردن تنشئ مفاعلاً نووياً بحثياً بتكنولوجيا نووية كورية، غرضه الأبحاث والتعليم وإنتاج النظائر المشعة لأجل الطب النووي، وسوف يكلف حوالي 130 دولاراً قدمت الحكومة الكورية المنفذة للمشروع منها أكثر من 70 مليون دولاراً قرضاً ميسراً يسدد على مدى 30 عاماً بفائدة رمزية 0.2% وفترة سماح 10 سنوات.

الإمارات: هل يعيش الحلم هذه المرة؟

في عام 2012 بث تلفزيون أبو ظبي الصور الأولى لعملية صب خرسانة الوحدة الأولى في الموقع بركة الذي سيقام عليه المفاعل النووي الإماراتي.

الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي بدأت عملياتها الإنشائية لمفاعلها الأول، وحددت 2017 وقتاً لبداية تشغيله، تبعتها السعودية التي اعلنت عزمها بناء 16 مفاعلاً يبدأ أولها العمل عام 2020.

وقد بدأت الإمارات مشروعها عام 2009 عندما وقعت عقداً بقيمة 40 مليار دولار لكونسورتيوم كوري جنوبي لبناء مفاعلات نووية وتشغيلها بصورة مشتركة لمدة 60 عاماً، وقد أخذت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية على عاتقها هذا التحدي، وتعمل على تحقيق هدف يتمثل في توفير ربع الكهرباء للدولة بحلول العام 2020، وشددت أن السلامة هي الأولوية القصوى لها، وأنها تركز كل جهودها في هذا الصدد، فهل يتحقق هذه المرة حلم عربي واحد دون أن تسبقه طعنة العالم؟

نأمل ذلك.

انشر عبر