خبر بعد صعود نتنياهو..المثابرة على « الندب » لا تفيد ..نزار السهلي

الساعة 10:01 ص|25 مارس 2015

لم تدع نتائج الانتخابات العامة الإسرائيلية، مجالا للشك في أن الأغلبية الكبيرة من المستوطنين وغلاة اليمين الصهيوني أنهم أمناء على الفاشية برفعهم بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم، واستئناف  « المثابرة » لتوصيف إعادة حزب الليكود وتحالفه اليميني، يُدخل التراجيديا الإسرائيلية  في بعض قديمها وجديدها لما حددته الحركة الصهيونية قبل أكثر من قرن، كثرة التوصيف لكشف طبيعة وبنية المجتمع الإسرائيلي وميله نحو التطرف ليست بجديدة على تحليلات العقود التي رافقت إنشاء « الكيان الإسرائيلي »، لأنه لم تكن هناك إفادة مطلقة لمواجهة هذا الانجراف نحو العنصرية، وما يعبر عنه نتنياهو بشكل صريح يخدم الأهداف والأولويات الصهيونية في بداياتها ونهاياتها

لا نريد تقديم تحليل شامل لنتائج انتخابات الكنيست العشرين، ولا دراسة تفاصيل التطورات الاقتصادية والداخلية التي دفعت الناخب الإسرائيلي الالتفاف حول الليكود الذي رفع شعارات أكثر ميلا نحو اليمين، برغم تستر الأحزاب الأخرى على استحياء بالشعارات السياسية المطروحة حول المفاوضات مع الجانب الفلسطيني والتسوية ومقتها الدائم من سياسة نتنياهو، لكن تفوق الليكود الكاسح على منافسيه فاق كل التخمينات بكسبه  المقاعد الإضافية على منافسه المعسكر الصهيوني، حفاظ الأحزاب الدينية على قوتها يؤشر إلى رسوخ المد اليميني وهيمنته على الحياة السياسية في إسرائيل، ولا يصح تقدير نتائج الانتخابات إلى عوامل داخلية واجتماعية وحسب، دون ربطها مع العوامل التي جند لها الليكود واليمين في صفوف المستوطنين، ان كان على صعيد « الأمن » أو مخاطر البرنامج النووي الإيراني إلى ما هناك من شعارات وذرائع تتصل بالعلاقة مع الفلسطينيين و ملف « الإرهاب » و الخوف من التحولات الجارية بالعالم العربي

الرهان على عامل المعاقبة لسلوك بنيامين نتنياهو، واستشراء الفساد في صفوف حزبه، والطريقة الاستعلائية لعلاقته مع  الإدارة  الأمريكية، كل هذه « الشوائب » اثبت نتنياهو قدرته على التخلص منها  بل وجه ضربة قاضية لكل خصومه، ولا جدوى من إخفاء ذلك، ما جرى هو عملية تصويت واستفتاء على بقاء واستمرار الصهيونية  وان المجتمع الإسرائيلي يضع كامل ثقته في أحزاب اليمين لقدرتها « على قيادة السفينة إلى شاطئ النجاة » إلى « الدولة اليهودية »، استطاع بنيامين نتنياهو لما عرف عنه من شوفينية متأصلة من نبش الشعارات التنقيحية ل جابوتنسكي، وبن غوريون، وابا ايبان، وليفي اشكول، ووايزمن، وموشي شاريت، فكانت كل خطاباته وشعاراته تزخر بما قدمه الصهيونيون النجباء من شعارات مماثلة

بذلك حقق الليكود « انتصاره » وفيه يفسر إثارته لغرائز المستوطنين، والتأييد الواسع الذي منحوه إياه حقق حلم الليكود في الزعامة وله شخصيا لرئاسة الوزراء للمرة الرابعة في إسرائيل، ليست المرة الأولى التي يكشف فيها المجتمع الإسرائيلي عن حقيقته الشوفينية والعنصرية، فالفكر الصهيوني يعتمد أساساً على تغييب الفلسطينيين كأصحاب للتاريخ والحق في أرضهم، فجردهم من كل مظاهر التحضر والتمدن وأمعن في تغييبهم سياسياً، ليحقق « تفوق » اقتصادي وامني وعسكري يهدف من خلاله تحويل السكان الأصليين إلى أقلية منشغلة في مطالبها المحلية.

الجزع والقلق، وحدهما لا يكفيان لمواجهة تبعات « الهزة » التي أحدثها فوز بنيامين نتنياهو، والمخاوف من سياسة ائتلافه القادم لن تغير من معادلة الثبات في النهج الاستيطاني و الاستعلاء في التعاطي مع الملف الفلسطيني، وحدها المراجعة السياسية الحقيقية والاعتماد على الذات كقوة وحيدة للمواجهة هي التي تعيد الحسابات، فكل التوصيف وحالة الندب والشكوى من السياسات الإسرائيلية، صارت أكثر من ممجوجة واسطوانة مشروخة لا تلبي الاحتياجات للشارع الفلسطيني، طالما أن الأمر لا يتغير في سقوط المعسكر الصهيوني أو صعود الصقور و خسران الحمائم في إسرائيل، الأمر في النهاية أن الانقلاب المرجو للسياسة الاسرائيلية لن يمس لب النزاع، خاصة ان الموقف الصهيوني العام موحد من جوهر الصراع، ومن المؤكد أن سياسة نتنياهو لن تحمل في ثناياها تحول جديد .

استناداً لما سبق، يعيش الوضع الفلسطيني مرحلة صعبة، وحالة من التناقض الحاد قطبها الأول الشعب الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة و داخل الخط الأخضر والقدس المتمسك في حقه بأرضه وبنضاله لمواجهة هجمة اليمين الصهيوني، وقطبها الثاني سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد أوسلو واستجابة السلطة الفلسطينية وأطراف عربية لهذه السياسات والمراهنة عليها أفضت إلى مخاطر على وحدة الشعب الفلسطيني وأهدافه

المأمول فلسطينياً، قطعاً نهائيا مع مسار وعقلية التفاوض وسياسة الاستجداء، والتعويل على عوامل القوة الذاتية للشارع الفلسطيني، الأهمية الفعلية لذلك تكمن في الحد من إغراق الحالة الفلسطينية في أوهام السياسة الإسرائيلية، الإقدام على فتح أبواب المصالحة الفلسطينية دون إرباك وتلعثم  ولملمة الوضع الفلسطيني المتردي اصلاً جراء السياسات الإسرائيلية فما بالنا بوضعه المتدهور والمنقسم، إعادة الثقة للشارع الفلسطيني تزيل عنه كابوس الندب والشكوى والقلق، ألا تكفي تجربة نتنياهو للمرة الرابعة في سدة الحكم أن تفتح العين الفلسطينية والعربية على جوانب أساسية تتعلق بالوجود لا الشكوك والشكوى؟.