شريط الأخبار

فلسطينو الداخل وعبقرية الوجود والصمود .. بقلم د. وليد القططي

01:40 - 05 حزيران / ديسمبر 2014

أثار قانون الدولة القومية اليهودية مشكلة فلسطيني الداخل ومكانتهم داخل الخط الأخضر في الدولة العبرية , ولكنه أثار أيضاً إعادة النظر في مكانتهم كجزء أساسي من الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية , لا سيما وأنهم قد تعرّضوا في مراحل زمنية سابقة لعملية تشويه ممنهجة ساهمت في عزلهم عن بقية شعبهم الفلسطيني ومحيطهم العربي وامتدادهم الإسلامي , وهذا العزل الذي  يستهدف سلخهم عن شعبهم الفلسطيني هو جزء من السياسة الإسرائيلية ضدهم ساهم فيها الفهم الخاطئ لحملهم الجنسية الإسرائيلية التي تعطيهم الحقوق المدنية الطبيعية فوق أرضهم التي تمسكوا بها ولم يغادروها في حرب 1948 , وكذلك التعميم المغلوط لقضية التجنيد في الجيش الصهيوني الذي تقوم به بعض الفئات التي انسلخت عن فلسطيني الداخل وانخرطت في المؤسسة الصهيونية وخدمت أهدافها . وهذه الجنسية الإسرائيلية لم تحمهم من التعرّض لسياسة التمييز العنصري والقمع السلطوي التي رافقتهم طوال مسيرة كفاحهم منذ وقوعهم تحت الحكم العسكري بعد حرب 1948 مباشرة , وحتى عندما رُفع الحكم العسكري عام 1966 , وصولاً إلى القانون الأخير العنصري – قانون الدولة القومية اليهودية- ومن أهم معالم هذا الكفاح والمعاناة مذبحة كفر قاسم عام 1956 , وانتفاضة يوم الأرض عام 1976 , والتضامن مع الانتفاضة الأولى عام 1987 , ومشاركتهم في انتفاضة الأقصى عام 2000 وسقوط العديد من الشهداء والجرحى والمعتقلين في كل هذه المحطات النضالية , وهذا على سبيل المثال وليست الحصر , ولنعد إلى نقطة البدء لمعرفة المزيد عن خصوصية وضع هذا الجزء من الشعب الفلسطيني .

في 14 مايو 1948 قبل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بثمان ساعات أُعلن رسمياً عن قيام دولة " اسرائيل " بدون ترسيم لحدودها , ولكنها سيطرت عملياً بعد الهدنة على حوالي 77 % من أراضي فلسطين المحصورة بين البحر غربا والنهر شرقا, ومن رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش ( إيلات ) جنوباً . ولم تقتصر سيطرتها على الأرض فقط فقد سيطرت على أكثر من مائة وخمسين ألف فلسطيني هم الذين بقوا داخل خط الهدنة بعد حرب 1948 من الذين لم يهجّروا من بلداتهم الأصلية , أو الذين هُجّروا من بلداتهم الأصلية ولكنهم بقوا داخل  حدود الكيان الصهيوني , وهؤلاء يشكلون ما يقرب من 15 % من مجموع الشعب الفلسطيني الذين هاجروا من فلسطين المحتلة عام 1948 , وهم الذين أطلقت  عليهم السلطة الصهيونية مصطلح ( عرب اسرائيل ) واعتبرتهم أقلية عربية في دولة الكيان الصهيوني وعملت على سلخهم عن شعبهم الفلسطيني ومحيطهم العربي , بعد أن كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي الوطني الفلسطيني قبل النكبة , واتبعت ضدهم كافة أساليب التمييز والتهميش وتدمير هويتهم الوطنية والقومية وكيانهم السياسي وتعاملت معهم كفئات مختلفة وليس ككتلة سكانية واحدة .

واليوم تضاعف عدد فلسطيني الداخل أكثر من عشر مرات بفعل الزيادة الطبيعية , وآخر إحصاءات السكان تشير إلى وصول عددهم إلى أكثر من مليون وستمائة ألف نسمة , يشكلون حوالي 20 % من سكان الكيان الصهيوني , ويشكلون خطراً ديموغرافياً على الدولة العبرية التي تسعى إلى عدم زيادة هذه النسبة عن طريق تعويض النقص في الزيادة الطبيعية اليهودية بجلب الهجرة اليهودية من أنحاء العالم إلى الكيان الصهيوني , فماذا لو بقى في فلسطين ضعف هذا العدد مثلاً و لم يهاجروا منها ؟!

وفي استعراض سريع لتطور نضال الشعب الفلسطيني في الداخل منذ عام 1948 وحتى الآن , من الملاحظ أنها تسير في حركة تصاعدية بدأت بمحاولة المحافظة على مجرد الوجود على أرضهم والمُهدد من قبل السلطة الصهيونية , و الصمود فوقها و منع ترحيلهم منها و مصادرتها و محاولة العودة إلى بلداتهم و أراضيهم المسلوبة .ثم المطالبة بالمساواة وعدم التمييز , والمواطنة المتساوية , وتحصيل الحقوق المدنية , و المشاركة السياسية الفاعلة لصالح المجتمع الفلسطيني في الداخل .وانتهت بإعادة صياغة الهوية الوطنية الخاصة لفلسطيني الداخل في إطار الهوية الفلسطينية الجامعة للكل الفلسطيني , وإعادة تشكيل الوعي بالذات والآخر ( اليهودي الصهيوني )، ورفض القراءة الصهيونية للنكبة , ولإقامة دولة " اسرائيل "  وطبيعة الدولة اليهودية,والعودة إلى القراءة الفلسطينية لها، وإعادة بناء هذه المفاهيم وفق المرجعية الفلسطينية الوطنية .

وفي الختام من المفيد النظر لخصوصية وضع فلسطيني الداخل , على اعتبار أن لكل جزء من الشعب الفلسطيني خصوصية تحكمها ضوابط الجغرافيا والتاريخ والسياسة التي فرّقت الشعب الفلسطيني بعد النكبة إلى أجزاء شتى في داخل حدود الكيان الصهيوني , وفي الضفة الغربية , وقطاع غزة , ودول الطوق في المخيمات , وفي كافة أماكن النزوح. فلكل مكوّن من الشعب الفلسطيني وضعه الخاص وطريقته الخاصة في المشاركة في الجهد الوطني العام الذي يستهدف تحقيق أماني الشعب الفلسطيني وطموحاته في التحرير والعودة والاستقلال , ووفق هذا الفهم للدور الوطني في إطار خصوصية وضع فلسطيني الداخل وسط الكيان الصهيوني, فالوجود على الأرض الفلسطينية , والصمود عليها , والتشبث بها , و المحافظة على الهوية الوطنية الفلسطينية في إطار بعديها القومي و الديني ،رغم الجهد الصهيوني المتواصل لتلفيق هوية مصطنعة تنسبهم إلى "اسرائيل "وتنزعهم من جذورهم الفلسطينية الممتدة في العمقين العربي و الإسلامي .

انشر عبر