شريط الأخبار

خلافات إسرائيلية منبعها الخوف من المستقبل.. حلمي موسى

01:08 - 24 تشرين ثاني / نوفمبر 2014


أخرجت العمليات الأخيرة في القدس الحكومة الإسرائيلية من مواجهة شديدة مع نفسها، حيث كانت مضطرة إما إلى تغيير الائتلاف الذي تستند إليه أو الذهاب إلى الانتخابات. وتقريباً سكتت المدافع الحزبية وكفت عن التراشق بالاتهامات بين الليكود وإسرائيل بيتنا وهناك مستقبل وحركة تسيبي ليفني. وللحظة بدا أن صوت الانتفاضة في القدس ومناطق 48 غلب كل أصوات الخلافات الداخلية الإسرائيلية. ولكن الجميع يعرف أن الصراع مع الفلسطينيين والعرب يمكنه أن يوقف الخلاف للحظة ولكن ليس إلى وقت طويل.

فالخلافات الداخلية الإسرائيلية هي محصلة مجموعة كبيرة من الخلافات المتصلة بالوضعين الداخلي والخارجي رغم القول الشهير لهنري كيسنجر بشأن السياسة الخارجية الإسرائيلية النابعة من خلافات داخلية. ومن الجائز أن الوضع بات أشد تعقيداً مع اختلاط المسائل راهناً في ظل الخلاف السياسي مع الإدارة الأميركية حول قضايا عدة بينها النووي الإيراني ومحاربة داعش وسبل حل المسألة الفلسطينية. ويمكن اليوم، أكثر من أي وقت مضى ملاحظة كيف أن هذه القضايا باتت تترك أثراً بالغاً على السياسة الداخلية.

فهناك تخوّفات كبيرة من لجوء البرلمان الأوروبي إلى تأييد الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد أن أقدمت دول أوروبية عدة على هذا الاعتراف فعلياً أو رمزياً. وهناك تخوّفات من احتمال عدم لجوء أميركا إلى استخدام حق الفيتو لمنع اعتراف مجلس الأمن الدولي بالدولة الفلسطينية. وبين هذا وذاك هناك مخاوف جدية من احتمال توصل الغرب إلى اتفاق نووي مع إيران يسمح لهذه الدولة بمواصلة تخصيب اليورانيوم بأي نسبة كانت وهو ما تعتبره إسرائيل خطراً عليها.

ورغم استمرار إسرائيل في تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية إلا أنها تجد نفسها أمام طريق مسدود على صعيد الأفق. صحيح أن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال عاموس يادلين يقول إن لا خطر وجودياً راهناً على إسرائيل وأن جيشها هو الأقوى ما بين المغرب وبنغلاديش، ولكن هذا لا يعني عدم تعاظم الشعور بفقدان الأمن على الصعيد الشخصي فيها. وتكفي قراءة مقالة رئيس الشاباك السابق، يوفال ديسكين، في «يديعوت» لمعرفة حجم المخاطر لدى الإسرائيليين من المستقبل. ويرى ديسكين أن ما يجري في القدس هو التلميح لما سيحدث في فلسطين التاريخية نتيجة سياسة اليمين الذي يمنع قيام دولتين.

والواقع أن كل ما سبق لم يغير شيئاً من توجّهات اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو. وربما أن قانون القومية الذي أصرّ على عرضه على الحكومة والهادف إلى تغليب يهودية الدولة على ديموقراطيتها في معادلة الحكم هو أحد تجليات عدم التغيير. فالقانون، بأي صيغة تعرض، يواجه معارضة من المستشار القضائي للحكومة مثلما يواجه معارضة من جانب رجال القانون الذين يرون في مثله محاولة للالتفاف على ديموقراطية الدولة العبرية وعلى محكمتها العليا. ويعتقد المعارضون، بمن فيهم شخصيات سياسية داخل الحكومة مثل يائير لبيد وتسيبي ليفني، أن مشروع القانون ضار لإسرائيل عموماً وفي هذا الوقت خصوصاً.

وكان مسؤولون فلسطينيون قد ربطوا إعلامياً وقارنوا بين «الدولة اليهودية» التي يدعو لترسيخها نتنياهو و»الدولة الإسلامية» التي ينادي بها تنظيم داعش. وتجد هذه المقارنة أذناً صاغية ليس فقط في الغرب بل أيضاً في دوائر علمانية وليبرالية إسرائيلية تعتقد أن دعوة نتنياهو واليمين بهذا الشأن ليست سوى فتح الأبواب على مصراعيها أمام الفاشية. وربما أن هذا النقاش، في مثل هذا الوقت، هو ما دفع اليمين إلى إدانة موقف رئيس بلدية عسقلان الذي دعا إلى منع دخول العمال العرب إلى المدينة على الأقل في أوقات دوام رياض الأطفال. وأرادوا بهذه الإدانة القول إنهم لا يسعون عبر قانون القومية لخلق فصل عنصري أو دولة فاشية.

وهنا لا يهمّ ما يقوله اليمين الإسرائيلي بقدر ما يهم فعله. وما يفعله هو سن قوانين تضع الأساس للتمييز العنصري الذي كان معمولاً به بشكل فاضح من دون الاضطرار لقوانين تؤسس له. وربما أن ما تكشفه ليس فقط منظمات حقوق إنسان فلسطينية أو دولية وإنما ما تفضحه حتى مؤسسات حقوق إنسان إسرائيلية يشهد على أن التمييز قائم وفاضح في كل الميادين وليس فقط لأسباب أمنية.

إن نتنياهو يحاول عبر تفاعلات مع الأردن والأميركيين الإشارة إلى رغبته بالتهدئة في القدس والضفة الغربية. ولكن الإجراءات العملية على الأرض تظهر أيضاً أن الكلام في وادٍ والفعل في وادٍ آخر. وهذا ما يتضح عملياً من محاولات تشديد القمع في القدس ومنع أهلها من التعبير عن رأيهم وهويتهم الوطنية وصولاً إلى التهديد بحرمانهم من «الإقامة» وسحب الهويات الزرقاء منهم ما يعني إبعادهم إلى مناطق السلطة في الضفة الغربية.

وفي كل حال من الجلي أن الأوضاع الأمنية خففت قليلاً حدة الخلافات السياسية داخل حكومة نتنياهو وفي الحلبة السياسية الإسرائيلية. لكن هذا التخفيف الذي لم يقد أحداً للاستجابة لدعوة نتنياهو الانضمام لحكومة وحدة وطنية لن يطول وسرعان ما ستعود الخلافات إلى ما كانت عليه وأشدّ. فنفتالي بينت ونتنياهو وليبرمان يتنافسون على زعامة اليمين بمواقف تزداد تطرفاً لإشباع نهم الجمهور الإسرائيلي للتشدّد. كثيراً ما يُشاع أن التشدّد تعبير عن خوف كامن. في الحالة الإسرائيلية الخوف الإسرائيلي من المستقبل كامن وصريح.

انشر عبر