شريط الأخبار

عن المثقف والأخلاق .. بقلم/ شمس شناعة

11:25 - 13 حزيران / نوفمبر 2014

صحفي فلسطيني مقيم في غزة

جرت العادة أن يتبع الجمهور مثقفيه، وقديماً قالوا "المثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر"، وهي مسلمات لا يختلف عليها اثنان في المسار الاجتماعي والوطني، وهو مفهوم لا تتقاذفه مفردات لها صلة بالمعيار الجمعي لصوغ الأشياء داخل السياق الاجتماعي، لكن الحال في فلسطين مختلف، فلا حضور للمثقف في حياة الناس، ولا الجمهور عارف بدواعي انجراره في الرأي والموقف خلف المثقف، وضاعت بوصلة المواطن في زحمة غياب الرموز الوطنية والسياسية والثورية والكفاحية، وتراجع دور الأيديولوجيات في تشكيل الرأي العام وبناء منظومات من الآراء والمواقف.

يعاني مجتمعنا اليوم من "أزمة أخلاق"، تطغى على ما سواها من أزمات، وقبل أن نتحدث عن أخلاق المهنة، يتوجب علينا أن نتحدث عن أخلاق الإنسان، ففضائل الإنسان هي فضائل الصحفي، ورذائله ذاتها، والأخلاق بعموميتها هي أنسب الطرق للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم، لكننا لم نفعل، استبدلنا الاجتهاد والمثابرة بالطعن في الظهر، وقابلنا الاحسان بالاساءة، وتجاهلنا القدرة على صياغة العلاقات السوية بالبحث في كل ما يعكر صفو العيش ويكدر مثالية التواصل الإنساني، ويوم أن غابت أخلاقنا غابت معها ضمائرنا، وبتنا نردد عبارات ونتعاطى من طروحات هي أبعد ما تكون عن المنهج الصائب في ضبط السلوك الفردي وحفظ السياق الجماعي.

المثقف (الإعلامي) اليوم لم يعد "قائد رأي" كما وصفته نظريات الإعلام، كما لم يعد "حارس بوابة" لتحديد "أجندة الجمهور" على كل المستويات، على اعتبار أن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم تكويه الأيام بحثاً وقراءة واجتهاداً ومحاولات لا تتوقف لتطوير الذات وتحسين قدراتها، لا يمكن له أن يؤسس مسارات يقد الناس من خلالها، فإعلاميو اليوم لا يبذلون أدنى جهد من أجل الوصول إلى المعلومة وإلى الحقيقة وإلى كشف كل جديد في حياة الإنسانية، على اعتبار أن ثقافة "القص واللصق" بدأت تطغى على العملية الإعلامية، وقادتنا إلى مواجهة أنواع مختلفة من "الإعلاميين الجدد" الذين تتبعثر أجزاؤهم عندما يُسألون عن قضية صاغوا فيها تقاريرهم، وصنعوا لها مساحات في الفضاء الإعلامي، أولئك الذين تنهار مفرداتهم أمام سطوة نقاش جاد بشأن قضية من قضايا الرأي العام، هؤلاء الذين انشغلوا "بتلقيط رزقهم" بدلاً من الانشغال بتأسيس منهج كعرفي يؤهلهم لقيادة رأي الجمهور.

غريب هو الإعلام "المقتبس"، فهو إعلام لم يعهده من تواصلت تجربته لعقود مع "صاحبة الجلالة" الصحافة، إعلام اليوم لا يحمل رؤية ولا ينتج موقفاً، صحيح أنها ليست مسؤولية الإعلامي وحده، وأن السياسي مساهم أساسي في المأساة، لكن الأمر لا يخرج الإعلاميين من "الورطة" التي أوقعوا أنفسهم فيها، فكلنا يعرف تخوفات الساسة في النظم الشمولية من "نجومية الصحفي"، ويعتبرون أـن أكبر خطر يتهددهم يتمثل في وجود نخب إعلامية وثقافية قادرة على الوصول إلى عقل المستقبلين، والتأثير فيهم، والتمحيص في مسار العمل السياسي في محاولة لكشف فساد السياسة وفساد الحكومات، وهي تخوفات تجعل السياسي يلجأ إلى "رشوة" الإعلامي، وبطبيعة الحال أن الرشة في القرن الواحد والعشرين لم تعد تأخذ الطابع الكلاسيكي، والذي يتمثل في وجود راشي ومرتشي ورشوة، فيكفي أن "يدعم" السياسي طلب "الإعلامي" لدى المؤسسة "الدولية" كي يحصل على تمويل يملأ عينيه، ويزكم أنفه، ويصم أذنيه، ويقطع لسانه، ويشل أطرافه، من هنا بتنا نشاهد الإعلامي الذي يتماهى مع السياسي ويقلده ويعيد إنتاج مفرداته، ويطبل له ويزمر على مدار الساعة، ليكون المنتج في النهاية أشكال هلامية، يحسبها الظمآن للإعلام الجاد ماءً، وعندما يلتمسها القوم يجدون أنفسهم أمام صحراء طويلة عنوانها السراب.

ألا ينبغي علينا أن نتريث قليلاً ونتساءل: هل قدر الإعلام في غزة أن يكون "إعلام كوارث"، يلهج صباح مساء بأشكال المعاناة التي يتجرعها أهل غزة في ظل الحصار والانقسام وويلات الحروب المختلفة، والمعاناة الدائمة في حقول التعليم والصحة والكهرباء والمياه والصرف والخدمات الأساسية؟، هل قدر إعلاميينا أن يكونوا جميعاً "مراسلين حربيين"؟، وألا تستوقفهم القضايا الإنسانية، والهموم الاجتماعية، والاهتمامات البشرية الاعتيادية، متى سنشاهد "صحافة استقصائية" عنوانها كشف الحقيقة وتجريم المسؤول عن أي تقصير في حق المواطن، لماذا ينبغي علينا أن ننظر دوماً إلى الجزء الفارغ من الكأس، ولا نتوقف عند ابداعات الناس، واقبالهم على الحياة، وسعيهم إلى السعادة، ورغبتهم في العيش، هل غزة والموت باتا رديفين اليوم؟، وهل ثقافة الموت تغلب على رغبة الحياة في ظل ما يعززه ويغرزه فينا إعلامنا من مفاهيم؟!.

غابت في زمن "الافلاس الأخلاقي" الصحافة المسؤولة، وغابت الجرأة في طرح القضايا والمواقف، بتنا جميعاً تحت طائلة "صحافة السلطان"، دفعنا باليمنى ثمن ما قبضناه في اليسرى، فبات الإعلام أداة توظفها الحزبية البغيضة في الردح السياسي، وأصبح الإعلامي "ينعق" بلسان الأيديولوجية ضد كل من يختلف معه في وجهات النظر، وصار لنا "مريديون" يعكفون صباح مساء على ترديد ما نحب أن نسمعه وليس ما يتوجب علينا سماعه، لذا خسرنا كل معاركنا الإعلامية، ولم نحظ بثقة الناس، وفعلنا بأنفسنا أكثر مما تمنى عدونا أن يفعله بنا، ثم نعود لنبكي الظروف التي صنعناها، ونعاتب المبررات التي صاغتها أيدينا، وقد غاب عن وجداننا أن كل ما عانيناه ونعانيه وسنعانيه هو من نتاج ما فعلته أيدينا بماكنة الحقيقة التي تعطلت تحت وطأة "الأنا" و"النحن" على حساب "كلنا".

انشر عبر