شريط الأخبار

فـتـحي الشـقـاقي.. شهــيد بحـجـم الوطــن .. عـادل أبـو هاشـم

10:36 - 28 تشرين أول / أكتوبر 2014

شكل  القائد والمعلم الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي  " أبو ابراهيم " محور الرحى في حركة الجهاد الإسلامي من حيث صياغة المنظومة الفكرية، ومن حيث التأسيس والتنظيم والقيادة  ، ومن حيث الروح الوثابة التي كانت بين جنبيه والتي فجرها إلى طاقة فعل هائلة ضد المحتل الصهيوني وضد المشروع التغريبي وضد الركود إلى ساحة الفعل الإسلامي الحركي .

وكرد فعل على هذا الجهد الكبير الذي بذله القائد والرمز الدكتور فتحي الشقاقي  , وفى محاولة لقطع الطريق عليه من مواصلة جهده واستثمار ثماره على الأرض قام الاحتلال الصهيوني  بتغييب الدكتور في غيابات السجن  ، لكن الروح الوثابة لم يؤثر فيهل القيد ولم يحد من طاقاتها الهائلة المخزونة بين جوانحها والتي تحركها طاقة ايجابية هائلة بضرورة تغيير هذا الواقع والخروج من بين الركام ووجوب التصدي للاحتلال رغم قلة الإمكانات ، فاستمر في قيادته وتوجيهه للمشروع الجهادي على ارض فلسطين من داخل السجن وساهم بدور كبير في اشتعال الانتفاضة وزيادة زخم الفعل الجماهيري مما دفع المحتل الصهيوني

إلى إبعاده من السجن ومن الوطن إلى لبنان جريا على نهج المفسدين في الأرض ، لكن الأبعاد  لم يقيد فعل  " أبو إبراهيم "  ولم يحد من تأثيره في قيادة انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته فكانت عملية الاغتيال الجبانة في 26\10\ 1995 م .

في سبيل الله كان فتحي الشقاقي على موعد . .  لا يقدم رجلاً ولا يؤخر أخرى. . لقد غرس قدمه في ساحة الجهاد لدفع العدوان عن أرضه والانتصار للحق في فلسطين .

أدرك الشقاقي أن الصراع مع هذا الوحش الضاري قد يودي إلى الموت لكنه أيضاً كان يدرك أن الإسلام والوطن يريد رجالاً ينتصرون للحق، وقد يستشهدون في الدرب الطويل للجهاد .

وصل الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي "أبو إبراهيم" الأمين العام والمؤسس لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى ليبيا حاملاً جواز سفر ليبيا باسم " إبراهيم الشاويش " لمناقشة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين على الحدود الليبية المصرية مع الرئيس معمر القذافي ، ومن ليبيا رحل على متن سفينة إلى مالطا (نظرًا للحصار الجوي المفروض على ليبيا آنذاك ) باعتبارها محطة اضطرارية للسفر إلى دمشق حيث يقيم مع أسرته هناك منذ ابعدته السلطات الإسرائيلية عام 1988م .

وفي مدينة " سليما " بمالطا وفي يوم الخميس 26/10/1995م اغتيل القائد والمعلم فتحي الشقاقي وهو عائد إلى فندقه بعد أن أطلق عليه أحد عناصر الموساد طلقتين في رأسه من جهة اليمين، لتخترقا الجانب الأيسر منه ، بل وتابع القاتل إطلاق ثلاث رصاصات أخرى في مؤخرة رأسه ليخر " أبو إبراهيم " ساجدًا شهيدًا مضرجًا بدمائه .

فر القاتل على دراجة نارية كانت تنتظره مع عنصر آخر للموساد ، ثم تركا الدراجة بعد 10 دقائق قرب مرفأ للقوارب، حيث كان في انتظارهما قارب معد للهروب .

رحل الشقاقي وهو في الثالثة والأربعين من عمره مخلفـًا وراءه ثمرة زواج دام خمسة عشر عامًا، وهم ثلاثة أطفال وزوجته السيدة " فتحية الشقاقي " وجنينها .

يعتبر الشهيد القائد فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي "أبو إبراهيم" أول إسلامي دعا إلى الجهاد المسلح ضد إسرائيل منذ استشهاد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل عام 1948م .

أصل عائلته من بلدة ترهونة الليبية. وجده الأعلى اسمه محمد أوحيدة الشقاقي الذي جاء إلى لواء الاسكندرون مجنداً في الجيش العثماني، ثم استقر في سوريا وتزوج احدى نسائها، قبل أن ينتقل إلى فلسطين ويقيم نهائياً في قرية زرنوقة في قضاء الرملة .

في فلسطين ولد الجد المباشر لفتحي الشقاقي ، ومنه تناسلت العائلة قبل أن ترغمها الصهيونية بالقوة على مغادرة بلادها إلى قطاع غزة  عام 1948 م حيث أقامت في رفح .

ولد فتحي في مخيم رفح في 4 / 1 /  1951م لأسرة فقيرة أنجبت عشر أبناء يعتبر فتحي أكبرهم  حيث عاش في بيئة محافظة، فوالده الابن الوحيد لإمام قرية زرنوقة في فلسطين المحتلة .

تلقى فتحي الشقاقي تعليمه في رفح وحاز على شهادة الثانوية العامة في العام 1968م ، ثم درس في جامعة بير زيت بالضفة الغربية وحصل على دبلوم في الرياضيات والعلوم وعمل مدرسـًا في القدس لمدة أربع سنوات ، وأثناء عمله درس مرة أخرى للشهادة الثانوية حيث التحق بكلية الطب في جامعة الزقازيق وهناك بدأ في تكوين فكرة تنظيم ما سيصبح لاحقـًا "الجهاد الاسلامي".

لم يكن القائد المعلم فتحي الشقاقي بعيدًا عن السياسة، فمنذ عام 1966م أي حينما كان في الخامسة عشرة من عمره كان يميل للفكر الناصري، إلا أن اتجاهاته تغيرت تمامًا بعد هزيمة 67، وخاصة بعد أن أهداه أحد رفاقه في المدرسة كتاب " معالم في الطريق" للشهيد سيد قطب ، فاتجه نحو الاتجاه الإسلامي ، ثم أسس بعدها " حركة الجهاد الإسلامي " مع عدد من رفاقه من طلبة الطب والهندسة والسياسة والعلوم حينما كان طالبـًا بجامعة الزقازيق .

أراد الشقاقي بتأسيسه لحركه الجهاد الإسلامي أن يكون حلقة من حلقات الكفاح الوطني المسلح لعبد القادر الجزائري، و جمال الدين الأفغاني ، وعمر المختار، وعزّ الدِّين القسَّام الذي عشقه الشقاقي حتى اتخذ من اسم "عز الدين الفارس" اسمًا حركيـًا له حتى يكون كالقسَّام في المنهج وكالفارس للوطن .

"هو الواجب المقدس في صراع الواجب والإمكان، هو روح داعية مسؤولة في وسط بحر من اللامبالاة والتقاعس، وهو رمز للإيمان والوعي والثورة والإصرار على عدم المساواة " هذا هو عز الدين القسام في عيني فتحي الشقاقي .

درس  فتحي الشقاقي ورفاقه التاريخ جيدًا، وأدركوا أن الحركات الإسلامية ستسير في طريق مسدود إذا استمرت في الاهتمام ببناء التنظيم على حساب الفكرة والموقف ( بمعنى أن المحافظة على التنظيم لديهم أهم من اتخاذ الموقف الصحيح )، ولذلك انعزلت تلك الحركات ــ  في رأيهم ــ عن الجماهير ورغباتها، فقرر الشقاقي أن تكون حركته خميرة للنهضة وقاطرة لتغيير الأمة بمشاركة الجماهير، كذلك أدرك الشقاقي ورفاقه الأهمية الخاصة لقضية فلسطين باعتبار أنها البوابة الرئيسة للهيمنة الغربية على العالم العربي .

كان الشقاقي ينادي بالتحرر من التبعية الغربية، فطالب بتلاحم الوطن العربي بكل اتجاهاته، ومقاومة المحتل الصهيوني باعتبار فلسطين مدخلا للهيمنة الغربية، أراد أن تكون حركته داخل الهم الفلسطيني وفي قلب الهم الإسلامي .

وجد الشقاقي أن الشعب الفلسطيني متعطش للكفاح بالسلاح فأخذ على عاتقه تلبية رغباته ، فحمل شعار لم يألفه الشعب في حينها، وهو " القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية المعاصرة "، فتحول في شهور قليلة من مجرد شعار إلى تيار جهادي متجسد في الشارع الفلسطيني ، ومن هنا كانت معادلته ( الإسلام ــ الجهاد ــ  الجماهيرية). .

يقول الشقاقي عن حركته :

" إننا لا نتحرك بأي عملية انتقامية إلا على أرضنا المغصوبة ، وتحت سلطان حقوقنا المسلوبة ، أما سدنة الإرهاب ومحترفو الإجرام فإنما يلاحقون الأبرياء بالذبح عبر دورهم ، ويبحثون عن الشطآن الراقدة في مهد السلام ليفجرونها بجحيم ويلاتهم ".

في العام 1979م  ألف فتحي الشقاقي  كتابـًا عن الثورة الاسلامية في إيران بعنوان " الخميني: الحل الاسلامي والبديل " وكان ينشط في الكتابة في مجلة المختار الاسلامية باسم مستعار، حصل على بكالوريوس الطب عام 1980م وعاد ليعمل طبيبـًا في مستشفى بالقدس، وبعد ذلك عاد ليعمل طبيبـًا في قطاع غزة، وأثناء دراسته الجامعية في مصر اعتقل الشقاقي مرتين في عام 1979م، وبعد اغتيال الرئيس المصري أنور السادات تم اعتقال الشقاقي للاشتباه بأن له علاقة بالحركة التي نفذت العملية، وابعد من مصر فعاد إلى فلسطين في الأول من نوفمبر عام 1981م حيث التحق في نفس العام كطبيب في مستشفى فيكتوريا في القدس لمدة عامين إلى أن اعتقل عام 1983م لمدة أحد عشر شهرًا، ثم سجن مرة أخرى عام 1986م وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة أربع سنوات وخمس سنوات أخرى مع وقف التنفيذ بتهمة التحريض ضد الاحتلال الإسرائيلي ونقل الأسلحة إلى القطاع والانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي، قبيل انقضاء فترة سجنه قامت السلطات الإسرائيلية بإبعاده من السجن مباشرة إلى خارج فلسطين المحتلة في الأول من أغسطس عام 1988م، حيث ابعد إلى لبنان التي أقام فيها لمدة عام ثم انتقل بعدئذ إلى دمشق .

تنقل بعدها الشهيد المعلم فتحي الشقاقي بين العواصم العربية والإسلامية لمواصلة جهاده ضد الاحتلال الصهيوني إلى أن اغتالته أجهزة الموساد الصهيوني في مالطا يوم الخميس 26/10/1995م وهو في طريق عودته من ليبيا إلى دمشق بعد جهود قام بها لدى العقيد معمر القذافي بخصوص الأوضاع المأساوية للشعب الفلسطيني على الحدود المصرية.

يعد الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي أحد أبرز رموز التيار المستنير داخل الحركة الإسلامية لما يتمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الحركات الإسلامية وقضاياها في العالم العربي والإسلامي، كما يعتبر مجدد الحركة الإسلامية الفلسطينية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح، فدخلت بذلك طرفـًا رئيسيـًا ضمن قوى الإجماع الوطني الفلسطيني بعد طول غياب.

عشق أطفاله الثلاثة : خولة ، أسامة، إبراهيم حتى إنه بالرغم من انشغاله بأمته كان يخصص لهم الوقت ليلهو ويمرح معهم ، تعلق كثيرًا بابنته خولة لما تميزت به من ذكاء حاد، إذ كان يزهو بها حينما تنشد أمام أصدقائه : "إني أحب الورد، لكني أحب القمح أكثر…".

لم يكن جبانـًا قط، بل إن من شجاعته ورغبته في الشهادة رفض أن يكون له حارس خاص  وهو على دراية تامة بأنه يتصدر قائمة الاغتيالات الصهيونية، فضَّل أن يكون كالطير حرًا طليقـًا لا تقيده قيود ولا تحده حواجز .

استشهد  " عز الدين الفارس "  كما يستشهد الفرسان حقاً: ذهب إلى موته بشجاعة ، وجاؤوا إليه بخسة ونذالة .

لم يكن الشقاقي مجرد قائد محنك، بل تعدى حدود القيادة ليكون أخـًا وزميلاً لكل أبناء المقاومة الفلسطينية فقد عُرف عنه نزاهة النفس، وصدق القيادة.. أحب فلسطين كما لم يحبها أحد ، و هو ليس مجرد مجاهد  فحسب، أو مجرد سياسي وكفى ، بل إنه، فوق ذلك كله ، مفكر وشاعر وكاتب وأديب معا ً،

  ومن قصائده قصيدة "الاستشهاد.. حكاية من باب العامود " المنشورة بالعدد الأول من مجلة المختار الإسلامي في يوليو 1979م :

- تلفظني الفاء ،

- تلفظني اللام ،

- تلفظني السين ،

- تلفظني الطاء ،

- تلفظني الياء ،

- تلفظني النون ،

- تلفظني كل حروفك يا فلسطين ،

- تلفظني كل حروفك يا وطني المغبون ،

- إن كنت غفرت ،

- أو كنت نسيت.

في فجر يوم الثلاثاء  31/ 10 / 1995 م استقبل الفلسطينيون مع حشد كبير من الشعب السوري والحركات الإسلامية بكل فصائلها واتجاهاتها في كل الوطن العربي جثة الشهيد المجاهد البطل الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي "أبو إبراهيم"  التي وصلت على متن طائرة انطلقت من مطار " جربا' "  في تونس ، و قد شيع جثمانه الطاهر يوم الأربعاء  1 / 11 / 1995 م إلى مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك بعد أن تحول التشييع من مسيرة جنائزية إلى عرس يحمل طابع الاحتفال بجريمة الاغتيال ، حيث استقبله أكثر من ثلاثة ملايين مشيع في وسط الهتافات التي تتوعد بالانتقام .

انشر عبر