شريط الأخبار

تعالوا نقل الحقيقة:لن يكون ذلك سلاما حقيقيا أبداً.. يديعوت

02:17 - 17 تموز / أكتوبر 2014

بقلم: سمدار بيري - عمان

        (المضمون: الفرق بين توقعات الاردنيين بعد التوقيع على اتفاق السلام مع الاردن وتوقعاتهم اليوم بعد مرور عشرين سنة على ذلك الاتفاق والاسباب التي أفضت الى خيبة آمال الاردنيين واحباط ثقتهم من الاسرائيليين - المصدر).

        سنركب فورا سيارة تنقلنا من المعبر الحدودي الاسرائيلي لجسر اللنبي – جسر الملك حسين كما يسميه سكان المملكة الهاشمية – الى المعبر الاردني. ويستغرق السفر بين الحاجزين أقل من خمس دقائق. قبل عشرين سنة بالضبط إجتزت من هنا لأول مرة مع قرقرة في البطن، وكانت تلك لحظة تاريخية مؤثرة قبل التوقيع على اتفاق السلام مع الاردن بثلاثة أيام، وفي ذلك الحين في تشرين الاول 1994 أرسلني مدير الممر الحدودي الاسرائيلي غيدي شيكلوش لأخرج سيرا على القدمين الى خارج البلاد وحدي مع توجيه يقول "إفتح الباب ببساطة وادخل المملكة".

        وقد كنت أجر آنذاك حقيبة صغيرة ومحفظة جانبية أدخلت فيها هدية خاصة الى الحسين هي كراس صور نادرة من مجموعة الملك الأكثر خصوصية التي تم العثور عليها في أريحا في حرب الايام الستة في منزل إستجمام مصور العائلة المالكة، زُهراب. ونشاهد في احدى الصور الولد الصغير عبد الله الذي أصبح ملك الاردن اليوم حاملا حقيبة في طريقه الى الطائرة، ونشاهد في صورة اخرى عبد الله وأختيه الأميرتين يلعبون في حديقة القصر، واجتزت بحذر الجسر الخشبي الضعيف الذي يربط بين معبري الحدود. وقد كان اسرائيليون قليلون فقط من صانعي السلام يمرون منه في تلك الايام بعد أن حصلوا على "تنسيق خاص" بسرية شديدة، من القصر في عمان.

        واليوم ايضا الجسر في منطقة البحر الميت الذي بُني في القرن التاسع عشر، ودُمر في حرب الايام الستة ورُمم بملايين تبرعت بها حكومة اليابان، غير مخصص لحاملي جوازات السفر الاسرائيليين. ويجتازه آلاف الفلسطينيين كل شهر ودبلوماسيون أجانب وعاملون في منظمات دولية، أما السياح الاجانب والاسرائيليون فيدخلون الاردن من المعبر الحدودي الشمالي في غور بيسان، أي من الباب الجنوبي لمعبر العربة الذي وقع على اتفاق السلام فيه. وأتذكر أنه بدأ تأهب في جسر اللنبي في ذلك اليوم استعدادا لمجيء شخص مهم جدا من الجانب الاردني وطلبوا بشدة أن أتنحى جانبا وألا أحلم بالتقاط صورة لدينا ملكة الاردن أول زوجة للملك حسين في طريقها الى بيت زوجها الثاني في الضفة الغربية. وقد توفي الاثنان في المدة منذ ذلك الحين.

        ويُلاحظ تأهب الآن ايضا، فبعد وقت قصير سيجيء سفير اسرائيل داني نافو ومعه إبنته ميلي وصديقان يرافقانه لقضاء السبت في عمان، وفي المعبر الاردني على أحد الجسور الاردنية تنتظر قافلة السيارات الثقيلة والحراس المسلحون، فقد حدثت هنا أحداث اطلاق نار ولا يغامر أحد، لكن عشرين سنة سلام مع كل ذلك فعلت فعلها، فالسفير ومرافقوه يعانقون العاملين في المعبر الاردني ويُربتون على أكتافهم ويسألونهم كيف الحال، وهم يعرفون أسماء أبناء عائلاتهم الخاصة. ويُقبل السفير من يجب أن يُقبله ويقعد في السيارة المدرعة، وبعد وقت ما سيخرج منها في عمق الموقع المحروس كموقع عسكري في السفارة الاسرائيلية في عمان.

        يوجد استيقاظ في الساعة الخامسة كل صباح: فالاسرائيليون في السفارة لا ينجحون في التعود على مكبر الصوت المجلجل لمؤذن الحي في مسجد الكالوتي. وبعد ساعة أذان آخر لصلاة الفجر لتنبيه الكُسالى. وتخرج من هذا المسجد في كل يوم خمس مظاهرات تدعو الى طرد السفير والغاء اتفاق السلام مع اسرائيل فيصرخون مدة ربع ساعة وينصرفون الى بيوتهم. وفي الشهر الماضي في اليوم الذي أُحرزت فيه الهدنة في غزة نجح 300 شاب اردني من الاقتراب حتى الجدار الأمني المحيط بموقع السفارة، وقد جاءوا ليغيظوا الدبلوماسيين الاسرائيليين بأن "حماس انتصرت انتصارا باهرا".

        كانت الامور تبدو مختلفة آنذاك في تشرين الاول 1994. فبرغم الخريف الدامي الذي اشتمل على عمليات تفجيرية قاتلة في داخل اسرائيل وبرغم مأساة اختطاف الجندي نحشون فاكسمان، كان هناك مكان للتفاؤل في موقع التوقيع على اتفاق السلام مع الاردن. وقد نشرت في الصحف الاسرائيلية مشاريع مع قائمة المطاعم الموصى بها في المملكة، وبارك العاملون في السياحة عن جانبي الحدود الزائرين الذين كانوا يوشكون أن يجتازوا المعابر زرافات زرافات، والتزمت الاردن بأن تُبعد في غضون ثلاثة أشهر كل الدعاية المعادية لاسرائيل، وأطرى رابين والحسين بعضهما بعضا إطراءً كبيرا وبدا أن أحدهما يود الآخر حقا لا أمام عدسات التصوير فقط. وقد أوقف أكثر من 40 بالمئة من سكان اسرائيل كل شيء في ساعة الظهر تلك وجلسوا أمام التلفاز ليشاهدوا المصافحة الودية واطلاق البالونات.

        وكان في الاردن فرح وأمل كبير للتغيير ايضا – ولزخم اقتصادي كبير في الأساس – لكن الاحتجاج هدد في ذلك الحين بتفجير الفقاعة. وأعلنت الحكومة الاردنية يوم عيد وطني في حين انتشرت قوات الأمن الاردنية آلافا مؤلفة في أرجاء الدولة خشية هجمات على رموز حكم الأسرة المالكة ومفوضية الولايات المتحدة. وحُظر اجراء مظاهرات مناوئة للحكومة بغية الحفاظ على الهدوء، لكن أعضاء الاتحادات المهن الحرة (المحامين والاطباء والصحفيين مثلا) علّقوا أعلاما سوداء على نوافذ بيوتهم.

        كنت قد عرفت الدكتور دريد محاسنة آنذاك بالتنقل بين العقبة وايلات حينما كان الفريقان من الجانبين يعملان على صوغ الاتفاق. وهو رجل دمث ومُحب للاستطلاع تأثر بلقاء اسرائيليين وتحدث عن النشوة والآمال الكبيرة ووزع بطاقة زيارته على كل طالب من جانبنا. وقد زار تل ابيب والقدس على مر السنين بعد ذلك. وهو يقول متنهدا وقد تحدثت إليه الآن: "لم يُستكمل مسار بناء الثقة حتى اليوم. فأنتم لم تهتموا ببناء السلام بيننا في السياق السياسي والاقتصادي. تأثرنا جميعا قبل عشرين سنة ونشأت لدينا توقعات ضخمة وكنا على يقين من أننا سنرى ثمار السلام، لكنكم وعدتم وغبتم.

        "لم تحلوا المشكلة الفلسطينية بل زدتموها تعقيدا فقط بالبناء في المستوطنات والمس بالاماكن المقدسة في القدس، ونثرتم عندنا خطط مصانع ومشاريع اقتصادية، ومعبر مفتوح للسلع، ومناطق تجارة حرة، فما الذي أنتجه كل ذلك؟ لا شيء تقريبا. ومن المذنب؟ نحن نرى أنكم أنتم المذنبون لأن اسرائيل قوية والاردن هي الجانب الضعيف، وقد خلصنا في هذه السنين العشرين الى استنتاج أنكم لا يهمكم ما الذي يشعرون به عندنا وما الذي نحتاج إليه، وأن السلام مع الاردن لا يهمكم حقا".

        كان محاسنة، وهو مختص بالهندسة، الذي كان مدير ميناء العقبة آنذاك، كان رئيس فريق التفاوض الاردني في التعاون في شؤون حماية البيئة، وكان نظيره الاسرائيلي الوزير السابق يوسي سريد. ويقول: "عندي ذكريات طيبة من الحوار مع سريد، ومن تجنده السريع حينما أُثير خوف من تلوث ماء البحر الاحمر. وأتذكر أن كل واحد من صانعي السلام في الجانب الاردني كان يعتبر بطلا. وبعد المراسم في العربة وزعوا أوسمة وشهادات وقع الملك عليها على كل من شاركوا في صوغ الاتفاق.

        "فما هي الحال اليوم؟ إذا ضبط معارضو السلام في الاردن تاجرا أو رجل أعمال أو صحفيا يُجري علاقات باسرائيل فانهم يعلنون بأنه خائن ويُدخلون إسمه في القوائم السوداء. وقد أخذ يختفي المستعدون للحديث معكم خارج الاجهزة الحاكمة لأنه لماذا يورطون أنفسهم؟ بل إن العلاقات بين الملك عبد الله ورئيس الوزراء نتنياهو جمدت عند الحد الأدنى الضروري. وعلى العموم يعمل ذلك فقط في السياقات الأمنية بسبب مصالح مشتركة".

        إفتتح رجل اعمال اردني تأثر بالسلام بعد التوقيع على الاتفاق مصنع انتاج بشراكة مع رجل اعمال اسرائيلي. وقد استعملا آلاف العاملات ومديري عمل اردنيين وصدروا السلعة الى الولايات المتحدة. وقد حدثني الآن وقد التقينا في منزل خاص بشرط ألا أكشف عن اسمه ("لأنني غير مضطر الى أن أورط نفسي مع معارضي التطبيع")، حدثني بخيبة أمل عن أن المصنع الكبير الناجح قد تضاءل، وخضعت العاملات للضغوط للتخلي عن الراتب ولم يأتين للعمل، وبقي هو نفسه وحيدا في موقفه مؤيدا حالما للسلام الذي أخذ يبتعد. "تضاءل عدد المؤيدين كثيرا في الاردن بحيث كفوا عن مضايقتنا"، قال. "وفي بعض الحالات حينما أنبأت التهديدات بخطر على حياتي تدخل قصر الملك ونقل تحذيرا الى المهددين.

        "لم نلحس العسل في الجانب الاسرائيلي ايضا. وقد كان أحد أقرباء عائلتي شديد السذاجة فسافر واشترى مصنعي انتاج في الجنوب وتبين أنهم خدعوه عندكم وباعوه مصنعين فاشلين. وحينما أنظر اليوم في مجريات الامور كلها في السنوات التي مرت منذ التوقيع على الاتفاق أخلص الى الاستنتاج الحزين وهو أنهم لم يفكروا في الجانبين في بناء سلام حقيقي بين الشعبين، وقد كانت فرصة لكنها أُضيعت ولا يبدو لي أن هذه الفرصة ستتكرر".

        هل تعتقد أننا سنحظى بالاحتفاء بمرور ثلاثين سنة على اتفاق السلام؟

        "لا أحد يستطيع أن يعلم ما الذي سيحدث حتى بعد سنة فضلا عن عشر سنين. فمنطقتنا مليئة بالمفاجآت والأخطار. إن الاتفاق مستقر لكن السلام ليس هو ما ظننتم ولا ما أملنا، ويبدو أنه لن يكون حقيقيا أبدا".

        في منتصف ثمانينيات القرن الماضي – ومن كان يحلم بالسلام آنذاك – بدأت أرسل رسائل الى الملك حسين، وحينما كنت أسافر الى الخارج كنت أرسل في كل سنة مرتين مغلفات الى "جلالة الملك حسين بن طلال – الديوان الملكي – عمان، الاردن" وكنت أوقع بصفتي صحفية ومواطنة اسرائيلية قلقة. وقد حدّثته مثلا كيف اعتاد المقدم زئيف بيبر رئيس فرع الاردن في قسم البحث في "أمان" في كل سنة في 14 شباط على الاتيان بكعكة شوكولاتة الى المكتب في الكرياه في تل ابيب، للاحتفال بيوم ميلاد "الجار الصغير". وكتبت مرة بعد اخرى عن التوق الى السلام عندنا وعن حلمي الخاص أن أزور البتراء. ولم أتوقع أن يرد ولم أحصل قط على جواب. ولم أستطع أن أُخمن ايضا هل بلغت رسائلي وهي أكثر من عشرين الى غايتها أصلا.

        الى أن سمعت الحسين في يوم ما في منتصف 1993 يقتبس في خطبة التاج الاحتفالية التي أذيعت في التلفاز الاردني، عددا من الجمل "من خواطر مواطنة اسرائيلية" كلمة كلمة مما كتبت. وقد نقلت الرسالة التالية بواسطة صديقة امريكية مشتركة وحظيت بوعد آسر فقد طلب الملك الاردني أن يتم ابلاغي أنه "حينما تحين اللحظة المناسبة سأمنحك أول لقاء صحفي لوسائل الاعلام الاسرائيلية". وطلب أن أحافظ على السرية وأن أتحلى بالصبر.

        وأوفى الملك بوعده، ففي 23 تشرين الاول 1994 شخصت الى عمان لأول مرة واجتزت الحدود بجوازي الاسرائيلي، ونقلتني السيارة الملكية التي كانت تنتظرني – وهي سيارة مرسيدس فضية اللون ظهر على واجهتها تاج مذهب – نقلتني الى القصر. وقد نسيت لشدة تأثري البروتوكول الذي يوجب الوقوف حينما يدخل الملك الى المكتب الخاص في القصر، وقد جاء وأظهر ابتسامة واسعة فورا. "سيزول تأثرك بعد قليل"، قال كفارس مُجرب.

        كشف الحسين لي عن أنه تلقى وقرأ كل رسائلي، وأضاف قائلا: "أنا أعلم أنكم تسمونني "الملك الصغير" وأنني كثير الشعبية عندكم". واهتم الملك ايضا بأن يكون للقاء الصحفي عنوان احتفالي خاص ووعد الحسين قائلا: "سيكون لنا سلام خاص. إن الاتفاق مع اسرائيل أهم انجاز في حياتي".

        كانت صديقتي وزميلتي في المهنة الصحفية الامريكية جوديت ميلر، تجلس عند طرف الطاولة وتسجل الحوار. وحذرتني باعتبارها إبنة بيت في القصر قبل ذلك بقولها "لا تُخزينا" مع الملك، لكن مضيفنا حطم هو نفسه كل القواعد. فبعد ساعة من الحديث نهض من مكانه وفتش جيوبه كعادة المدخنين الذين يبحثون عن سجائر. وحينما أشارت ميلر الى صندوق خشبي منحوت وضع على الطاولة أخرج الملك منه علبة سجائر وقداحة ذهبية – وعرض علي أنا المدخنة أن أشاركه في الغنيمة. وفي تلك اللحظة أخرجت ميلر آلة تصوير جيب والتقطت الصورة الى الأبد بومضة واحدة صغيرة كل سحره ولطفه والدفء الذي فاض عنه، وحينما نشرت في الصحيفة مع المقابلة الصحفية أذابت القلوب.

        تم الحفاظ على العلاقة حتى آخر أيام الحسين، لكن النشوة في شوارع عمان أخذت تخفت. والآن، في تشرين الاول 2014، يرد رجال الملك على كل التوجهات الى الملك عبد الله من وسائل الاعلام الاسرائيلية التي تطلب إليه أن يمنح لقاءً صحفيا احتفاليا لذكرى مرور عشرين سنة على السلام، يردون بأنه "مشغول جدا". وبرغم ذلك يحاولون في القدس اقناع الملك بالاحتفاء بتلك الذكرى والموافقة على لقاء نتنياهو في اسرائيل، في بيت جبرائيل على ضفة بحيرة طبرية.

        كيف يشعر الاسرائيلي اليوم في عمان؟ يوجد تحذير من السفر من وحدة مكافحة الارهاب، ويوجد شعور غامض بعيون تخزك في ظهرك حينما تعرض جواز سفر أو حينما تقول لمارة فضوليين إنك جئت من اسرائيل، وهكذا هي الحال في الحانوت وسيارة الأجرة والمطعم. "أقترح ألا تبقي في مكان واحد زمنا طويلا"، بهذا أوصتني صديقة محلية جاءت لتحملني الى بيتها. "لو أنني عرفت أنك اسرائيلية لطرحتك"، يقول لي سائق سيارة أجرة وهو فلسطيني من نابلس له أقرباء في غزة، حينما خرجت من سيارته، وقد حزر أصلي حينما ركبت سيارته من تحت موقع سفارة اسرائيل، فقد طرح إلي بكلمة بالعبرية وحينما أجبت تلفف بصمت غاضب. ولقي المصور شاؤول غولان الذي صاحبني في الرحلة استقبالا أكثر وداً في سوق المدينة التحتية. وقد أوصى سائق سيارة الأجرة بأن يسافر معه فقط والتزم بأن يحميه، وعرض أصحاب الدكاكين شرابا ساخنا وباردا بشرط أن يُرتب لهم عملا في اسرائيل".

        "خلصت الى استنتاج أنكم لا تفهمون معنى العيش مع الجيران"، يقول أمين سر الملك عبد الله في حديث جرى بيننا في منزل خاص في عمان. "مات السلام من وجهة نظري مرتين: حينما قتلوا رابين وحينما مات الملك حسين. وعرفت أنهم سيسيرون منذ الآن في طريق جديد وأن المتطرفين من الجانبين سيقوون. وأخشى اليوم أنه لم يعد أحد عندنا يفكر في السلام، كما أصبحت كلمة سلام عندكم لفظاً دنيّاً، بالضبط".

        اشترط للحديث القاسي بيننا سلفا ألا ينشر أي تفصيل يُعرف به، وقد كان هو ايضا كالدكتور محاسنة عضو في فريق التفاوض في اتفاق السلام. "كنت شابا آنذاك لكنني أدركت من البداية أنه برغم الحمام والبالونات الملونة التي أطلقت في مراسم التوقيع على الاتفاق، لن تتقدم العلاقات بيننا. وكان التفاوض شديدا وأدركت أن اسرائيل لا تسعى إلا الى الكسب من الاتفاق وأن العلاقات المتبادلة بيننا لا تعنيكم في الحقيقة.

        "جادلتمونا مثلا في أي ارتفاع ستطير الطائرات الاردنية في سماء اسرائيل، فما أهمية ذلك؟ والتزمتم بأن تفتتحوا قنصلية في العقبة للعناية بالعمال الاردنيين الذين سيعملون في ايلات وفضلتم آخر الامر أن تستعملوا طالبي عمل سودانيين. ولا يوجد الى اليوم مطار مشترك بين العقبة وايلات – برغم اشتمال اتفاق السلام عليه – بسبب إهمال في الجانب الاسرائيلي.

        "كل المشاريع التي تناولها شمعون بيرس في خطبه ووعد بها لم يتحقق منها شيء الى اليوم، وتحدث دانكنر وتشوفاه وستاف فيرتهايمر عن 100 مشروع وعرضوا على الملك خططا. ولم يحدث أي شيء. وقد ضاعت عشرون سنة وعشرات ملايين الدولارات على استعراض امكانية ذلك. ولم تروا أن الاردن شريكة حقيقية ولم تفعلوا أي شيء لدفع العلاقات قدما بالاقتصاد".

        هل اسرائيل وحدها مذنبة في نظرك؟

        "لا أُبريء جانبنا من المسؤولية، لكن لو أنكم اتجهتم الى السلام بين الشعبين عن طريق الاقتصاد وأوفيتم بوعودكم وتوقعاتنا لبدت الصورة اليوم مختلفة تماما".

        بعد المقابلة الصحفية مع الملك حسين أخذوني الى "مسرح نبيل وهشام" في عمان حيث عرض الاثنان المسرحية السياسية الاولى التي كانت فظة ولاذعة وحذرة، مع تقليد للملك. وأتذكر هشام وهو يُخشن صوته مثل "سيدنا"، وأتذكر نبيل يستجدي ليجد الملك له عملا في اسرائيل ويرتب "واسطة" لكل واحد من أبناء حمولته الكبيرة. وصرخ الجمهور وصفر، وكان الملك والملكة يجلسان في القاعة يضحكان ضحكا شديدا.

        بعد السلام جاء الممثلان الساخران لتأدية عروض في اسرائيل ودفعا ثمنا باهظا إذ أدخلوهما في القوائم السوداء في بلدهما، وهرب الجمهور ودُفع الاثنان الى نزاع سياسي بينهما وانفضت الشركة، وقد أصبح المسرح مهجورا الآن ومغلقا بسلاسل حديد. وهشام مريض ونبيل يؤدي عروضا على مسارح آخرين في اوقات متباعدة فقط.

        زار الصحفي سلامة نعمة اسرائيل عشرات المرات وكف عن ذلك، وقد عرفته حينما كان يكتب التقارير الى الصحيفة اليومية السعودية الجليلة الشأن "الحياة" عن جهود السلام، ومن عشرات مقالات السبق الصحفي وتحليلاته السياسية الموفورة بالمعلومات، ولم يتهرب قط من حديث أو لقاء معي وهذا ما كان في هذه المرة ايضا.

        "استقر رأي الملك حسين على التوقيع على السلام إثر التفاوض السري مع الفلسطينيين في اوسلو"، قال محللا بجفاف حينما جلسنا نتحدث في ردهة الفندق. "وقد آمن بأنه سيحصل على دعم اقتصادي وحماية للاردن من "الأشرار" في المنطقة. وكان يكره الاعماد على حكام الخليج. وبعد التوقيع ساعدت الولايات المتحدة بقدر غير كاف وحاول المجتمع الاوروبي أن يتهرب واهتموا في الخليج بأن يكون للاردن ما يكفي لا الكثير جدا. وفي مقابل ذلك دفع صدام حسين 25 ألف دولار الى عائلات فلسطينيين منتحرين وهدد تجارا اردنيين بالقطيعة معهم اذا اقتربوا من اسرائيل. وفعل صدام والاسد غير قليل كي لا يسخن السلام، ويوجد اليوم تعاون أمني "تحت الطاولة" وينتقدكم الملك عبد الله بحذر، كي لا تُفسدوا علاقاته بالادارة في واشنطن".

        إهتم قصر الملك آنذاك قبل عشرين سنة بأن يخصصوا غرفة للصحفية من اسرائيل في فندق "الاردن". وكان ذلك وما يزال الفندق الأفخم وميدان لقاءات الساسة ورجال الاعمال والصحفيين المحليين والاجانب. وقد التقيت آنذاك في الردهة الدكتور نبيل شعث الفلسطيني وخطيبته الجديدة. وعرفت هناك هذه المرة رئيس الوزراء الفلسطيني المُقال سلام فياض الذي كان يجلس وحده في وسط الردهة غارقا في لعب لعبة كاندي كراش" في الآيباد. وحينما عرف مُصاحبيّ المحليين وعرفني نهض من مقعده ودعاني الى الانضمام إليه وانبأني فورا أنه مستشار اقتصادي في اليمن وأوصى بأن نقرأ مقالته في مجلة "فورن أفيرز" الامريكية الموسومة بعنوان "اوسلو مات".

        وُقع على اتفاق السلام في 1994 مع الملك الذي كان حاكما مطلقا مع خمسة ملايين من الرعايا الاردنيين مع تقسيم سكاني قابل للانفجار. عدد منهم اردنيون أصليون من القبائل البدوية والشركس والعلويين وأقلية مسيحية، لكن الأكثرية الكاسحة في المملكة فلسطينيون لاجئون ومُهجرون ومطرودون الى 11 مخيما ثابتا كبرت حتى أصبحت مدنا صغيرة مع أسماء "حيفا" و"عكا"، و"البقعة" و"العودة".

        في زيارتي آنذاك لمخيم البقعة أخرج مصطفى من تحت الوسادة في غرفة النوم مفتاح شقة والديه في بئر السبع، ولم يكن غير الوسادة مدة اربعين سنة، وقد رأيت في تلك الزيارة عشرات المفاتيح ووثائق ملكية مبانٍ سكنية واراض زراعية عُرفت في اسرائيل بأنها أملاك غائبين وأصبح لها مالكون جدد اسرائيليون. وحدثوني في عائلة الدجاني المتشعبة عن محاكمة تجري مع مديرية اراضي اسرائيل لاعادة أملاك كبيرة على طول شارع المقاهي في حي البقعة في القدس.

        ما زال حق العودة والمصير السياسي للقدس حتى اليوم، ويبدو أنه سيكون كذلك دائما، أكبر الأشواك وأكثرها إيلاما في عقب السلام. في الاسبوع الماضي في فيلا واسعة على ضلع جبل حدثني رجل أعمال في عمان عن نضاله القضائي الذي يقوم به في مواجهة السلطات عندنا للعودة الى أملاك العائلة في شرقي القدس وهي مسكنان ومصنع. وقد زار اسرائيل عشرات المرات مع عدم إبراز نفسه دائما، ودفتر أرقام هواتفه مليء بالارقام الخاصة لاشخاص مهمين جدا اسرائيليين. وهو الآن يعلن حربا من اجل أملاكه.

        "أرسلوا إلي وثيقة فيها اربعون صفحة، وقد جاء الى اللقاء في القدس مندوب رفيع جدا في الادارة. وحينما عرف من أنا سأل: من تعرف في اسرائيل؟ فقلت له الجميع، من الرئيس السابق بيرس الى رئيس الوزراء نتنياهو وكل القيادة العليا الامنية والاستخبارية. فسألني: فلماذا لا تهاتفهم ليتدخلوا من اجلك؟ فقلت له في غضب: "أريد أن أحصل على ما أستحق دون وساطة ودون إفضال من أحد، فاما أن أنجح وإما أن آخذ دولة اسرائيل الى محاكم دولية وسيأتي بعدي عشرات آخرون من اللاجئين الاردنيين".

        دُفعنا في وسط عمان الى زحامات مرورية أمام أبراج شقق نشأت بين عشية وضحاها وهي فارغة ويتيمة. فليس للمقاول مال لاكمال المشروع ولا يوجد مشترون، وهذه هي القصة الحزينة لمملكة غنية قليلة الموارد، وملك "مضياف" لضيوف يزدادون عددا على الدوام. في الاسبوع الماضي كشف رئيس الوزراء عبد الله النسور عن أعداد مخيفة، فهناك 7 ملايين مواطن اردني و4.5 مليون من الاجانب: نصف مليون لاجيء من العراق، وأكثر من مليون ونصف لاجيء من سوريا ونحو من مليوني باحث عن عمل من مصر والسودان وسيريلانكا والهند والفلبين.

        وتطلب السلطات في الاردن الى الاجانب أن يسجلوا أنفسهم كي تستطيع زيادة المساعدة الدولية. بيد أنهم يصرون على التهرب كي لا تعثر الاجهزة عليهم فتطلب أن يدفعوا ضريبة الدخل. وقد أوقفوا في الايام الاخيرة انتقال اللاجئين من سوريا وأصبح المخيمان اللذان يؤويانهم طافحين، وبعد قليل سيأتي الشتاء، وأصبح الهاربون من داعش ومن النظام السوري يستعدون لمكوث طويل وراء الحدود الاردنية المغلقة.

        وجدت مصطفى المهندس الذي نجا بحياته من دمشق قبل سنتين وراء المنصة في حانوت الحلوى الجديد "الحموي" في شارع الزهراء في عمان تذكيرا بمدينة حمام الدم حماة في سوريا. ولم تكن عنده مشكلة في أن يقص علي قصته بشرط عدم الكشف عن اسمه الكامل، فوالداه وأخواته يرتجفون خوفا في سوريا. "حينما أوقفوا أبناء عائلتي في درعا وحلب علمت أن دوري يقترب.

        "لم أشتغل قط بالسياسة، وكانت حياتي تجري بين البيت والمكتب والمطاعم والمقاهي مع الاصدقاء. وفي ذات مساء انضم إلينا رجل مجهول ورأيت أنه يصغي الى حديثنا. وتعقبني الى أن دخلت البيت. فحزمت فورا حقيبة صغيرة ولم أودع عائلتي عمدا وسافرت الى الحدود الاردنية، وحينما وصلت الى المعبر الحدودي جرى علي تحقيق وبينت أنني كنت مستهدفا في سوريا فأدخلوني الى مخيم اللاجئين الكبير "الزعتري" وحينما وجدت عملا تركته. أنا أسكن شقة مستأجرة مع ستة شركاء وأعمل عملا صعبا وأكسب القليل". وهو يتحدث الى العائلة مرة كل اسبوع من الهاتف المحمول الاردني الذي رتبه له رب عمله الذي هو نفسه لاجيء من سوريا.

        أخذت التهديدات الامنية للاردن في الداخل والخارج تقوى وهي محتاجة الآن الى صديقة – لكنهم في الصالونات السياسية في عمان لم تهدأ نفوسهم الى الآن بسبب فضيحة الكشف عن اجهزة تنصت خبأتها اسرائيل في الاردن قبل 45 سنة. "تتحدثون عن بناء ثقة فكيف لم تفكروا في ابلاغنا عن وجود هذه الاجهزة بعد السلام؟"، يقول الدكتور محاسنة. "ومن يعلم كم من الاجهزة بعد خبأتموها ولم نكشفها الى الآن، ولا تعتقدوا أن أحدا منا نسي محاولة اغتيال خالد مشعل التي قمتم بها على ارض الاردن من وراء ظهر الملك".

        "تمت التضحية بالعلاقات المعلنة بين الدولتين لصالح العلاقات الامنية – وفي هذا الصعيد ينجح العمل ولا يتحدثون عنه بصوت عال"، يقول الصحفي سلامة نعمة. "لكن تعالوا نقل الحقيقة وهي أن السلام لن يكون سلاما حقيقيا أبدا، سلاما بين الشعبين، فهو اتفاق مصالح تم احرازه بين مكتب رئيس الوزراء واجهزة الأمن عندكم وبين المرحوم الملك حسين الذي فرض رأيه على البرلمان في الدولة ذات التكوين السكاني المركب الذي لا يمكن تجاهله: فكل ما يحدث في الضفة الغربية يؤثر فورا في الضفة الشرقية للاردن. ولأكثر السكان أقرباء وممتلكات وسيكون الميل إليهم دائما".

        من يتحمل تبعة وضع العلاقات؟

        "الطرفان مذنبان، في الصعيد اليومي. فقد وعدتم بمشاريع ولم تفوا، ويحظر اتحاد المحامين عندنا العمل مع شركات اسرائيلية، وما تزالون في نظرهم العدو، وأنتم تراكمون الصعاب على اصدار تأشيرات دخول الى اسرائيل، ومن جهتنا أدرك أنه "اختفى" 20 ألف اردني منذ كان السلام وأصبحوا عمالا غير قانونيين في اسرائيل. هل تسألينني هل يمكن إزالة التقصيرات؟ يُخيل إلي أن هذا القطار قد غادر المحطة".

        سينهي سفير اسرائيل داني نافو في الصيف مدة ولاية طويلة بصورة مميزة في الاردن. فقد قضى أكثر من 11 سنة منها 5 سنوات كان فيها مندوبا و6 سنوات كان فيها سفيرا، وهو يعرف ناسا وله صلات، ويعرفونه. "كيف لا تخيب آمالهم"، يقول في بيته – قلعته في حي الرابية في عمان، "فالسلام بيننا في الحقيقة غريب من نوعه. ونحن نشترك في حدود طويلة ويوجد تعاون لن أتحدث عنه ولا أعرفه كله ولا أريد أن أعرف ايضا. ويوجد تعاون آخر بين جهازي الشرطة فيما يتعلق بتهريب البشر والمخدرات. وقد قضى 18 طبيبا اردنيا دورات استكمال عندنا مدة ثلاث سنوات ويوجد تعاون اقتصادي ومشاريع حتى لو كانت تتم تحت تغطية اخرى، فالاردن هي مصلحة اسرائيلية والعكس صحيح حتى لو لم يكن ذلك مريحا لبعض الاشخاص.

        "إذا نظرنا الى اتفاق السلام الى الوراء نرى أنه اجتاز غير قليل من المشكلات والازمات. عندنا مشكلة في اعلان العلاقات على الملأ ويصعب علينا أن ندفع قدما بمشاريع ولقاءات. فمن المذنب؟ أرى أن الذنب ذنب الطرفين، فعندنا لم يدركوا أنه لا يجوز الانقضاض بقوة وتخييب الآمال. كان يجب عليهم أن يبدأوا بهدوء بمشاريع صغيرة وأن يتحلوا بالصبر، لكن رجال الاعمال الاسرائيليين أصروا على الاتجاه الى خطط ضخمة لم تنفذ. ولا شك في أن مقاطعة الاتحادات المهنية تشوش عليهم".

        نختتم الرحلة كما حدث قبل عشرين سنة بالضبط بحانوت الحلوى النظيف لـ "زلاطيمو"، فلا يوجد اسرائيلي يزور عمان ويبيح لنفسه أن يتجاوز حلم الحلوى بالجبن، أعني الكنافة. ويزن ربيع وراء المنصة "رزما للسفر"، واصابعه مغطاة بقفازات نايلون شفافة. وهو يملأ بسرعة الصناديق الصفيحية بالحلوى المحشوة باللوز وبمعمول التمر والجوز. كيف حالكم في القدس؟ يتذكرني ويسأل عن الحانوت الأم في شرقي القدس.

        وُلد زلاطيمو والد العائلة الذي انشأ الحانوت الأصلي قبل 150 سنة بالقرب من باب العمود. وكل العاملين في الفروع السبعة في عمان هم فلسطينيون هربوا وأُعلن بأنهم مفقودون أو طُردوا، ونجحوا في فتح صفحة جديدة في المملكة. ويسافر الزلاطيميون لزيارة الاقرباء ويحصل كبار السن فوق الخامسة والثلاثين على تأشيرات دخول الى اسرائيل. "آتي وأعانق الاعمام والعمات وأوزع "رزم السفر" وأخرج للتنزه في قدسكم لأرى بيت طفولتي"، يقول ربيع.

        وتصيبني في كل مرة حرقة في القلب وأنا أعرف فورا الاسرائيليين الذين يأتون الى حانوتي في عمان. وأُكرّمهم ولا أريد جدلا في السياسة فهم ليسوا اصدقائي بل هم زبائني كالجميع.

انشر عبر