شريط الأخبار

«قنبلة» الانتخابات الفلسطينية ..هاني المصري

02:21 - 14 حزيران / أكتوبر 2014

طرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس فكرة الدخول في انتخابات بقائمة موحدة على خالد مشعل، بمشاركة الفصائل التي تقبل بذلك، على أن تضم 70 ـ 80 في المئة من المقاعد، وترك الباقي للمرشحين الآخرين. وكان رد مشعل على الفكرة بأن «حماس» ستدرسها، وهو الرد نفسه الذي حصل عليه عزام الأحمد عندما طرحها على إسماعيل هنيّة، ولم يظهر رد رسمي لـ«حماس» حتى الآن.

إن الانتخابات شكل من أشكال ممارسة الحريّة والسيادة، وبالتالي لا يمكن لأي انتخابات أن تكون حرة أو نزيهة فعلًا تحت الاحتلال.

بعد «اتفاق أوسلو»، بِيعَ الشعب الفلسطيني وهماً اسمه «الانتخابات»، لإقامة سلطة انتقاليّة تمهد لقيام الدولة الفلسطينيّة، في حين أن ما حدث أن السلطة جاءت لتكريس الاعتراف بإسرائيل و«نبذ العنف والإرهاب»، والتزمت بالاتفاقيات الموقعة بين «منظمة التحرير» وإسرائيل ولم يؤد ذلك إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة بعد خمس سنوات على توقيع «اتفاق أوسلو» كما كان مأمولاً.

كان هذا هو التصور الرسمي، وقد نص على أن الانتخابات ستتم لمرة واحدة وبعدها ستقوم الدولة. وكان أبو عمار يرفض إجراء الانتخابات برغم مرور الفترة القانونيّة للرئاسة وللمجلس التشريعي، لأنه لا يريد منح الشرعيّة لاستمرار الاحتلال، على اعتبار أن إجراء الانتخابات أكثر من مرة في ظله تشريع وتكريس له كواقع سياسي حتى إشعار آخر.

نقطة الضعف القاتلة في هذا التصور أنه جمد إجراء الانتخابات فقط، وأبقى على كل الوقائع الناجمة عن «اتفاق أوسلو»، ما جعله غطاءً لعدم الاحتكام إلى الشعب واستمرارًا لسلطة الحكم الذاتي، بدلاً من أن يكون عدم إجراء الانتخابات جزءًا من مقاربة جديدة تسعى للتخلص من «اتفاق أوسلو» والالتزامات المترتبة عليه، خصوصًا بعد مرور الفترة الانتقاليّة من دون توصل المفاوضات إلى اتفاق، وبعد تجاوز الحكومات الإسرائيليّة لالتزاماتها فيه، واستخدامها للاتفاق والمفاوضات وما سمي زورًا وبهتانًا «عمليّة سلام» للتغطية على استكمال خلق أمر واقع احتلالي؛ يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليًا، وهو حل لا يتضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة.

إن الانتخابات وحدها لا تحقق الديموقراطيّة، مع أنه كما يقال لا ديموقراطيّة من دون انتخابات. كما أن أي انتخابات في مرحلة التحرر الوطني لديها وظيفة لا تقتصر على التعبير عن إرادة الشعب. فمثلاً، الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة في العام 1996 كانت وظيفتها الرئيسيّة إيجاد «شرعيّة» للسلطة المنبثقة عن «اتفاق أوسلو» لتكون بديلاً من شرعيّة منظمة التحرير، التي جسدت وحدة القضيّة والأرض والشعب، وتبنت خيار المقاومة. فـ«شرعيّة» السلطة أدت إلى فصل القضيّة عن الأرض والشعب، وحوّلتها إلى مجرد نزاع على الأرض، فيما تجاهلت الحقوق الأخرى، مثل حق العودة وتقرير المصير والمساواة، وحوّلتها إلى نزاع حول طبيعة السلام بين إسرائيل الدولة التي اعترفت الضحيّة بها، وبين الضحيّة التي باتت تستجدي اعتراف الجلاد.

أما انتخابات العام 2006 فكانت وظيفتها تجديد شرعيّة سلطة «أوسلو» وضم «حماس» إليها، خصوصًا بعد تمرد ياسر عرفات ورفضه تصفية القضيّة الفلسطينيّة في قمة «كامب ديفيد» العام 2000 ولجوئه مرة أخرى إلى خيار المقاومة، في محاولة متأخرة لتحسين شروط المفاوضات، أو للخروج من قيودها ونتائجها الكارثيّة.

السؤال الآن: ما هي وظيفة الانتخابات القادمة في الضفة والقطاع تحت الشروط القائمة نفسها، برغم الحصول على الاعتراف الأممي بالدولة، وفي ظل الانسداد الكامل للمسيرة السياسيّة، وعدم استعداد الفلسطينيين للقبول باستمرار اللعبة وفقاً للقواعد السابقة، فضلاً عن الانقسام الفلسطيني؟

إن أي انتخابات من دون وحدة وطنيّة وشراكة حقيقيّة ومقاربة جديدة، لن تمنح شرعيّة وستكون مدخلاً لتكريس الانقسام مثلما حصل مع سابقتها، وستغذي التنافس الداخلي في وقت تكثف فيه إسرائيل من جهودها لتطبيق المخططات الاحتلاليّة والعنصريّة والاستيطانيّة، وتبتعد أكثر فأكثر عن إمكانيّة التوصل لاتفاق يتضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، ما يقتضي تراصّ الفلسطينيين ووحدتهم لا العكس.

في ظل الوضع الحالي الذي تعمق فيه الانقسام أفقيًّا وعموديًّا برغم الخطوات الوحدويّة التي ما زالت هشّة، فإن إجراء أي انتخابات وفوز «حماس» بها سيقودنا إلى ما واجهناه بعد نتائج الانتخابات الماضية. أما فوز «فتح»، فمن المفترض أن يقود إلى إقصاء «حماس»، وإلا لن يُعترف بسلطة تشارك فيها «حماس» قبل تقديمها شروط الطاعة كاملة. أي أن أفضل الاحتمالات سيئ. هذا من دون استبعاد أن الانتخابات ستجري - إذا جرت الآن - في ظل واقع الانقسام وسلطة وأجهزة أمنيّة هنا تدين بالولاء لـ«فتح» واُخرى هناك تدين بالولاء لـ«حماس»، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة سؤال حول نزاهة الانتخابات وحريّتها، ليس بسبب تدخلات الاحتلال فقط، الذي يرفض مشاركة أهل القدس ويعتقل مرشحين ويمنع الدعاية الانتخابيّة، وإنما أيضًا بسبب التهديدات والإجراءات والاعتقالات التي تنفذها كل سلطة ضد أنصار وأعضاء الطرف الآخر.

لذا، فإن أي انتخابات بحاجة إلى توفير الشروط الكفيلة بجعلها خطوة تساهم في معركة الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال، وإلى توفير الشروط اللازمة كي تكون حرة ونزيهة من دون تدخل، أو بأقل تدخل ممكن من الاحتلال، بما لا يسمح بالتحكم بها أو مصادرة نتائجها.

في هذا السياق، نضع فكرة خوض الانتخابات بقائمة واحدة - إذا كان الطرفان في وارد إجراء الانتخابات أصلاً - بأنها اجتهاد يحاول أن يلمس الخصوصيّة الفلسطينيّة، لكنه بحاجة إلى تدقيق ومراجعة، لأنها تقضي على فكرة المنافسة وتعدد الخيارات التي هي جوهر أي انتخابات. فالقائمة التي تضم «فتح» و«حماس» وحدهما، أو التي تضم بالإضافة إليهما كل الفصائل ستعني أن القائمة ستفوز بالتزكية، أي بالتوافق الوطني.

ويمكن أن ترجع الفكرة إلى شعور «فتح» المتزايد بأنه من غير المضمون أن تخوض الانتخابات المقبلة موحدة، أو أن تفوز فيها، وشعور «حماس» بأن المطلوب منها خسارة الانتخابات القادمة، لأنها لن تُمكَّن من الحكم إذا فازت. لذا فمن الأفضل لها بقاء الوضع على ما هو عليه، لأنها تتمتع بغالبيّة مقاعد المجلس التشريعي، ومن غير المضمون أن يتكرر ذلك. هناك فكرة أجدى بالاتباع، وهي الاتفاق مسبقًا على تشكيل حكومة ائتلافيّة وطنيّة في الحالات كلها، مهما كانت نتيجة الانتخابات القادمة، بحيث تكون وظيفة هذه الانتخابات تحديد نسبة كل قائمة في المجلس التشريعي والحكومة.

انشر عبر