شريط الأخبار

انتصار الصهيونية أم بداية انكسارها

12:19 - 24 حزيران / سبتمبر 2014

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية (24/9/2014)

صحيفة "اسرائيل اليوم" اليمينية والأوسع انتشاراً في إسرائيل، عنونت صفحتها الأولى، أول أمس، بـ "انتصار الصهيونية: ستة مليون يهودي في اسرائيل"، الذين تم الكشف عن معطياتهم الاحصائية عشية رأس السنة العبرية، وقد حاولت الصحيفة ان تبث في قرائها الشعور بالفخر بعد أن أصبح تعداد الدولة الكلي على حافة التسعة ملايين، مع التركيز على ان اليهود من بينهم 6,104,000، وقد تطرق نتنياهو لهذا الرقم تحديداً بوجه خاص "عشية رأس السنة اجتاز عدد سكان إسرائيل 8 مليون نسمة وليس أهم من ذلك، لأول مرة في تاريخ اسرائيل يعيش في إسرائيل أكثر من 6 مليون يهودي"، وشدد نتنياهو على أن "لهذا العدد معنىً مزدوج في ضوء المسار الذي اجتازه شعبنا في القرن الماضي"، في إشارة منه للمزاعم الصهيونية لرقم ضحايا المحرقة النازية.

تحتفل الصحيفة، كما كل المؤسسة الصهيونية، بنجاح وانتصار المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية، بتحويل فلسطين الى مركز التجمع المركزي لليهود، وإلى مركز استقطاب واستيعاب، ليس لأصحاب الأيديولوجيات فحسب، بل لكل اليهود الباحثين عن الرفاهية والتقدم، تتنافس في ذلك مع العواصم الغربية.

لكنهم، وهم يحتفلون بالنجاح ويباهون بالإحصاءات من مختلف أنواعها، بما فيها كمية استهلاك الاسرائيلي للشوكولاتة والانفاق على السياحة؛ يطمسون عن عمد أية إحصاءات أخرى حتى لا تفسد حفلتهم، يخفون إحصاء أسماء "محمد وأحمد"، والأهم انهم يظهرون مسيرة النجاح وكأنها مسيرة كفاح مشرق يحتذى به، مسيرة أمل ودموع وعرق وتضحيات، ويتهربون، بل يخفون عن جمهورهم إحصاءات حقيقة مسيرة مشروعهم القائم على القتل والتشريد والتنكيل وقوة الاحتلال، حتى بعد أكثر من ستة وستون عام لا زالوا لا يتجرؤون على كشف أرشيف مسيرتهم، ليس لأبنائهم، بل أمام الباحثين المؤرخين من الصهاينة أنفسهم، خوفاً من تحطم روايتهم وانهيار "صرح حضارتهم" المبني على الأكاذيب وتزييف التاريخ واختلاق الأساطير.

كما لا يقصون على أبنائهم كيف ارتبط استمرار بقاء المشروع الصهيوني بالاستعمار والامبريالية والأنظمة العنصرية، كيف ان حركة التحرر القومية لليهود "الحركة الصهيونية" ارتبطت بتأييد الاستعمار الفرنسي للجزائر وفرض الهيمنة البريطانية على مصر والتحالف مع الامبريالية لقهر الحركات التحررية للشعوب في آسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا، وكيف ارتبطت مسيرتها بتحالف عضوي مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.

نعم انتصرت الصهيونية في فلسطين لأنها كانت جزءاً من المصالح الامبريالية وبعض أنظمة الرجعية العربية، انتصرت بفعل أكبر مؤامرة دولية على شعب صغير أعزل وبسيط، غالبيته العظمى كانت من بسطاء الفلاحين، نعم انتصرت الصهيونية عندما أقر العالم قرار تقسيم فلسطين، وعندما أقامت كيانها بالقوة سنة 48، وعندما احتلت ما تبقى من فلسطين وبعض أراضي العرب سنة 67.

نعم انتصرت الصهيونية عندما وقعت مصر "كامب ديفيد"، وعندما قام أول رئيس مصري منتخب وممثل جماعة الاخوان بمخاطبة عزيزه "بيرس" ومتمنياً لإسرائيل أن تعيش بأمن وسلام واستقرار، وانتصرت عندما اعترفت م. ت. ف. بإسرائيل، وعندما وقعت الأردن اتفاقية "وادي عربة"، وعندما قدم العرب مبادرتهم للسلام التي تقوم في جوهرها على الاعتراف والتطبيع وشطب حق العودة عبر التحايل عليه بجعله أسير الموافقة الإسرائيلية، وانتصرت عندما قاتل الفلسطيني الفلسطيني، وعندما ذبحت غزة أكثر من مرة على مرأى ومسمع العرب، وعندما أعلن أبو مرزوق ان حركته على استعداد لكسر الطابو والتفاوض المباشر مع إسرائيل، انتصرت الصهيونية عندما سحق العراق ودخلت سوريا ذروة مسيرة التفكك والانهيار، وأصبحت اسرائيل جزء من تحالفات واصطفافات إقليمية ضد تحالفات أخرى، وبات البعض يراها جزءاً من الحل، وعندما لم تعد تكتفي بعلاقات العرب السرية معها، وعندما أصبحت بعض دول افريقيا قواعد للنفوذ الإسرائيلي، وعندما غيرت الهند والصين سياساتها الخارجية لصالح تعزيز مصالحها مع إسرائيل.

 

انتصارات زائده قتلت حلم الاستقرار

كثيرة وكثيرة جداً مؤشرات وملامح ومراحل الانتصارات الصهيونية، لكنها جميعاً انتصارات وهمية عابرة ترتسم عليها علامات استفهام كبيرة، طالما ان مستقبل مشروعهم لا زال محل تساؤلات، وطالما لا زالوا يحتفظون بجنسياتهم الأخرى، والأهم طالما لم تهزم روح الفلسطيني.

إن الانتصار الحقيقي التام المنجز للصهيونية يكون عندما تتحول اسرائيل الى دولة طبيعية، بدون نزاعات وصراعات وتهديدات لطبيعة وجودها بفعل مجرد وجودها، إنها انتصارات فائضة كثيرة لكنها لم تتحول الى الانتصار الأهم، بل خنقت وقتلت المشروع الصهيوني وجعلته عرضة لتهديدات لا يمكن السيطرة عليها ولا يمكن الاستمرار في الصمود أمامها، انتصارات أوصلتهم الى سكرة نشوة القوة والغرور فأذهبت عقلهم وقدرتهم على الاستشراف السليم للمستقبل فأعمت عيونهم وغيبت بصيرتهم، فأضاعوا الفرصة التاريخية الأهم لتثبيت انتصارهم باعتراف عربي إسلامي يحول اسرائيل الى دولة جوار تعيش بأمن بفعل الاستقرار والسلام، لا بفعل العيش على الحراب، اعتراف يشرعن النفوذ والهيمنة الإسرائيلية.

بيد ان الأطماع الاسرائيلية بالمزيد والمزيد من الانتصارات وفرض الوقائع، حتى لم يعد الواقع يحتمل أي تسوية، فالطمع يقتل صاحبه، وربما سيكتب التاريخ في المستقبل ان أطماع إسرائيل قتلتها، فلم تستطع ان تستغل نافذة الفرصة التاريخية بفعل الطمع ونشوة القوة وضعف أعدائها.

ولم يعد بالإمكان العودة لما كان من فرصة، رغم حالة الضعف والتفكك العربية والانقسام الفلسطيني، فعلى الرغم من المضاعفات الخطيرة للتفكك العربي على مستوى دعم القضية الفلسطينية، وعلى الرغم من مساوئ الانقسام الفلسطيني؛ فإن لكليهما فضيلة على المستوى الاستراتيجي لمشروع التسوية، حيث لم تعد ثمة جهة عربية مركزية ضابطة ومنظمة للعالم العربي تستطيع أن تفرض إرادتها السياسية لا سيما فيما يتعلق بالتسوية، وقد كان محقاً نتنياهو عندما اعتبر أمس المبادرة العربية جزءاً من الماضي، وأنها ربما كانت مناسبة في مرحلة سابقة لكنها غير مناسبة بالمرحلة الحالية بعد ان تفككت سوريا وانهار العراق وتعيش الدول العربية عملية إعادة تشكل داخل زحمة الفوضى والاقتتال.

لم يعد ممكناً اليوم الحديث بجدية عن مبادرة عربية للسلام، وفي ظل التطرف الاسرائيلي لم يعد ممكناً أن تنتخب زعامة اسرائيلية تتركز أجندتها على صنع السلام؛ كل ذلك يجعل حل الدولتين والتوصل الى تحقيق وإرساء السلام أمراً من الماضي الذي تجاوزه الحاضر كثيراً، ويجعل كل انتصارات الصهيونية بلا مستقبل حقيقي.

فضلاً عن أن الحرب الأخيرة على غزة جعلت المواطن الإسرائيلي، رغم كل ما يقولون له من انتصارات الصهيونية، يبحث عن انتصاره الحقيقي؛ انتصار الاستقرار والشعور بالأمن، فلا يجده إلا خارج المكان الذي كان يجب أن يكون الملاذ الأكثر أمناً وموطن اللجوء الحقيقي حسب المشروع الصهيوني.

 

بداية الانكسار

انتصارات الصهيونية الكثيرة الماضية رسمت صعوداً بيانياً مضطرداً، وصل ذروته وبات من الماضي، وبحسب لغة الرسوم البيانية فإن مسيرة اسرائيل بصورتها الكلية في حالة انحدار، برغم طائرات الشبح "اف 35" وغواصات الدولفين والتنين النووية، لقد بدأ ربما مشهد الانحدار وبداية الانكسار بهروب جيشهم من جنوب لبنان مايو 2000، ولاحقا بتفكيك مستوطنات القطاع، ثم بحربي التموزين 2006 و2014، ومنذ ان سقط جيشها وانتهى كقوة احتلال، أي قادر على الاقتحام والاحتفاظ باحتلال ما سيطر عليه، إنها قمة السريالية وغياب المنطق الرياضي ان تبدأ عملية الانكسار في ظل ذروة الانتصارات.

انشر عبر