شريط الأخبار

يهاجرون من غزة وهم يعشقون ترابها. د. علاء مطر

06:15 - 17 كانون أول / سبتمبر 2014

علاء مطر - بقلم


غمس أبي حب الوطن في قلوبنا وعقولنا منذ بدايات التنشئة الأولى من عمر طفولتنا، وترعرعنا على كلمات ما زال صداها يتردد على مسامعنا كلها تخلد حب الوطن والانتماء له وتعليه على ما سواه. هذا العامل البسيط الذي اعتقل في سجون الاحتلال من سبعينات القرن الماضي وخاض معركة شرسة مع سجانيه ومحققيه انتهت بانتصاره وإطلاق سراحه بعد ستة شهور من التحقيق والتعذيب المتواصل، حيث لم ينتزعوا منه اعترافاً واحداً كان سيخلده في السجن. أبي الذي يعيل عشرة من الأبناء توقف قسراً عن العمل داخل أراضينا المحتلة عام 1948 منذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2000، كان لزاماً عليه أن يكمل مسيرته التربوية رغم عظم المسؤولية، ولم يثنه عن ذلك تخلي الجهات المعنية عنه وعن الطبقة العاملة التي فقدت عملها وتركوها تواجه أهوال الحياة المتراكمة وحدهم. أبي وغيره من الآباء الفلسطينيين غرسوا حب الوطن في قلوب أبنائهم ولم تدفعهم صعوبة الظروف للبحث عن بديل لغزة التي يعتبرون مكوثهم فيها وصمودهم أمام قسوة العيش بكل تفاصيلها، سيمحوها الأمل بزوال الاحتلال وعودة الوطن السليب. إذاً الإيمان بحتمية زوال الاحتلال هو الأمل الذي يغذي قدرة أهل غزة على الصمود، وبمقدار قوة الأمل يتعزز الصمود، وبضعفه يتزعزع الصمود.

 تتراكم مأساوية الأوضاع  في قطاع غزة وعلى الصعد كافة، نتيجة طول سنوات الاحتلال وممارساته وسياساته وفي مقدمتها الحصار والعدوان المتكرر وآخرها عدوانه الذي أطلق عليه عملية الجرف الصامد، وهو عدوان غير مسبوق بحدة ضراوته وهمجيته التدميرية ولا أدل على ذلك من هول أعداد الضحايا الذين سقطوا من المدنيين وجلهم من الأطفال والنساء والمسنين، علاوة على الدمار الهائل الذي لحق بالممتلكات المدنية الخاصة منها والعامة. إن الاحتلال وهمجية ممارساته لم تزد الغزيين إلا تشبت في الأرض، وكلما استحدث آليات ليفل من قدرتهم على الصمود، ابتدعوا هم آليات تنبع من عشقهم للوطن تضاعف من تعزيز مقومات صمودهم، وكانت دوماً أعينهم تصبوا لأمل طالما اعتبروه دافعهم، وهو تحرير ديارهم المغتصبة.

إلا أن الإشكالية الكبرى التي عادةً ما تواجه الأمل والحلم الفلسطيني هي ممارسات القيادة السياسية الفلسطينية غير المسؤولة التي لم ترتق يوماً إلى عظم هذا الشعب وتضحياته، بل لم تحسن يوماً ترجمة عذاباته إلى نصر حقيقي. على العكس من ذلك فإن أفعال هذه القيادة متراكمة السوء والتي توجتها بانقسام مقيت قسم الوطن وقصم ظهر المواطن بتداعياته الخطيرة على واقع الغزيين بشكل خاص تضاعفت معه ظاهرتي البطالة والفقر لدرجة تعطيل طاقات الشباب وإهدارها وحرمان المجتمع منها، كيف لا ومعظم الشباب الغزيين وفي مقدمتهم خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا تنقضي ثمرة شبابهم في صراع مع البطالة، التي تحولهم من وقود للتنمية إلى عنصر سلبي خطر في المجتمع كنتاج طبيعي لتداعياتها الكارثية. هذا علاوة على امتداد تداعيات الانقسام إلى كل تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين وللمشروع الفلسطيني برمته. عليه فلن يزيل الاحتلال من قسموا الوطن وعشش في عقولهم وجرى في دمائهم إعلاء الأنا والحزبية على مصلحة الوطن، لن يزيل الاحتلال حكومة وفاق أضحي الوطن معها أكثر انقساماً وغاب معها التنسيق الضعيف الذي كان بين بعض الوزارات في الضفة وغزة قبل تشكيلها.

إن الأخبار التي تتوارد عن هجرة الغزيين وبغض النظر عن صحة الأعداد وحجم الظاهرة، فهي موجودة وأكبر مما هي عليه في أي وقت مضى، والخطير أن المهاجر يدفع مبالغ كبيرة ويتعرض لمخاطر كثيرة تتعادل فيها نسب الموت والحياة في طريقه إلى البلد المراد بالهجرة، فكيف لو فُتح الباب على مصرعيه أو كانت الهجرة بدون ثمن ومخاطر؟؟؟.

تقديم الدروس في حب الوطن والأهل، الحديث عن مميزات الصبر والصابرين الرباط والمرابطين، النصائح بأن الغربة قاسية ومَن طلع من داره بنقل مقداره، وصف الطريق إلى المكان المراد بالهجرة بأنه معبد بالموت، التشكيك في وطنية المهاجر، التعلل بالاحتلال والحصار كسبب رئيسي للهجرة، وملاحقة المهربين ومسهلي الهجرة، هذا كله لن يحل المشكلة سيما أن طالب الهجرة  أصبح يحيا الغربة في وطنه وأضحى مهاجراً في عقله وروحه حتى ولو لم يتمكن فعلياً من الهجرة.

إن دافع هؤلاء المهاجرين ليس خوفهم من الاحتلال وعدوانه ولا ضيق العيش وغياب ملذات الحياة، بل غياب الأمل بغدٍ أفضل سيما مع وجود هذه القيادات المنفلتة وطنياً والتي مازالت حبيسة صراعاتها ومناكفاتها السياسية، ولم يوحدها كل الدمار والدم الذي سال في مذبحة غزة بالأمس القريب. فحال الفلسطينيين يقول مع هكذا قيادة لن يكون هناك أمل لا بتحسين أوضاع ولا تحرير أوطان، ومازال الأمل يتلاشى تتلاشى معه القدرة على الصمود، ويصبح الناس يبحثون عما يحقق لهم آمالهم الشخصية بالعيش الكريم، سيما أن أملهم الأعظم لن يتحقق بدوام تصدر المشهد مثل هذه القيادات.

هذه بالطبع ليست دعوة للهجرة ولا تبرير لها وأجزم أنه لن تعادل بقعة في رحاب أرض الله الواسعة ذرة تراب من أرض غزة فأرواحنا معلقة بها رغم ضنك العيش، ولكنها مشكلة قائمة وتوصيفها بالشكل السليم يجعلنا نُفصل لها حلول عملية سليمة، والهدف هو الحفاظ على شبابنا بالبقاء في أحضان وطنهم الذي هو بأمس الحاجة لطاقاتهم بدلاً من الموت في أحضان المتوسط.

انشر عبر