شريط الأخبار

القضية الفلسطينية بين التسوية والتصفية ..حسن نافعة

12:33 - 17 تموز / سبتمبر 2014

في مقالين متتاليين نشرا في هذا المكان أثناء الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل أخيراً على قطاع غزة وبعدها، وجهت التحية للشعب الفلسطيني الذي اعتبرته البطل الحقيقي والوحيد في ملحمة الصمود، وتمنيت على الفصائل الفلسطينية أن تكون على المستوى نفسه من الوعي والمسؤولية عند إدارتها الصراع في مرحلة توقف القتال. ولأن توحد الشعب الفلسطيني خلف المقاومة كان في تقديري هو العامل الأكثر حسماً في الحيلولة دون تمكين إسرائيل من تحقيق أي من أهدافها، فقد اعتبرت أن قدرة الفصائل الفلسطينية على المحافظة على تماسكها في مرحلة ما بعد توقف القتال، هي وحدها الكفيلة بوضع الشعب الفلسطيني على الطريق الصحيح نحو تسوية متوازنة. من هنا مطالبتي لكل الفصائل الفلسطينية بالعمل على تعميق المصالحة، ودعم حكومة الوحدة الوطنية، وبلورة رؤية موحدة لإدارة الصراع في مرحلة بالغة الدقة والحساسية من عمر القضية الفلسطينية. لكن يبدو أنني كنت واهماً ومبالغاً في التفاؤل، فكل المؤشرات التي يمكن رصدها حالياً تقول إن شروط المصالحة الحقيقية بين الفصائل الفلسطينية المتصارعة لم تكتمل بعد على أرض الواقع، ومن ثم فلا تزال وحدة الفصائل الفلسطينية وقدرتها على صياغة رؤية موحدة لإدارة الصراع مع إسرائيل حلماً بعيد المنال.

لم تكد أصوات المدافع الإسرائيلية تسكت حتى انطلقت أصوات الحناجر الفلسطينية تصرخ وتتبادل الاتهامات، وكأننا إزاء عملية تدمير ذاتي تتطوع، بوعي أو من دون وعي، بتقديم هدايا مجانية تسهل للعدو الإسرائيلي هدفه في الحصول في ميدان السياسة على ما عجز عن تحقيقه في ميدان القتال، فأثناء زيارته الأخيرة للقاهرة، وفي اجتماع مغلق لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، أدلى محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، بتصريحات يفهم منها عدم رضاه عن السياسات التي تنتهجها حركة حماس، ويحذرها من مغبة الاستمرار في هذه السياسات، ولم يتردد في توجيه أعنف الانتقادات لهذه الحركة التي اتهمها بعدم الجدية في تحقيق المصالحة الوطنية وبأنها تسعى لعرقلة عمل الحكومة الموحدة، بالإصرار على تشكيل حكومة ظل لا هدف لها سوى تكريس الانقسام وشل قدرة الحكومة الموحدة على العمل واتخاذ ما تتطلبه المرحلة من قرارات قد يكون بعضها مصيرياً. الأخطر أن عباس لم يكتف بتوجيه الاتهامات، لكنه ذهب إلى حد التهديد بإنهاء الشراكة مع حماس، مؤكدا أنه لن يقبل باستمرار هذه الشراكة «إلا إذا قبلت حماس بسلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد». وقد استدعت هذه الاتهامات بالطبع ردوداً من جانب قيادات حماس، تراوحت بين الرغبة في كيل الصاع صاعين والرد على الاتهامات باتهامات مضادة أكثر حدة، وبين الحرص على التهدئة والسعي لاحتواء الأزمة من جانب بعض العقلاء، وهم قليلون للأسف.

لست هنا في معرض توجيه اللوم لهذا الطرف أو ذاك، أو تحميله المسؤولية عما آلت إليه الأمور والأوضاع، فالواقع أن القضية الفلسطينية كانت وستظل أكبر وأنبل وأشرف من كل النخب والفصائل التي تدعي شرف مسؤولية الدفاع عنها، سواء كانت نخباً وفصائل وطنية فلسطينية أو قومية عربية أو دينية إسلامية. ولأن الحدود الفاصلة بين ما هو وطني وما هو قومي أو ديني تاهت معالمها تماماً في بلادنا، فمن الطبيعي أن يتفرق دم القضية الفلسطينية بين كل القبائل.

غير أن التاريخ يعلمنا أن كل شعب مسؤول عن حمل لواء قضيته الوطنية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشروع احتلال استيطاني، وهو وحده الذي يقرر أساليب النضال التي يراها مناسبة وصالحة لتمكينه من تحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال واستعادة الأرض المغتصبة أو المحتلة، لذا فحجم الدعم الذي يمكن شعباً صاحب قضية أن يتوقعه من الآخرين، لأسباب قومية أو دينية أو إنسانية أو حتى مصلحية، يتوقف في النهاية على طريقة هذا الشعب في الدفاع عن قضيته وكيفية إدارته الصراع مع العدو الذي يحتل أرضه. وقد شهدت كل حركات التحرر الوطني في العالم انقسامات حادة، وصلت إلى حد الاقتتال أحياناً، لكن كان هناك دائما «تيار رئيسي» نجح في النهاية في تهميش المتطرفين والمتخاذلين على السواء، وتمكن من توحيد أغلبية شعبه حول أسلوب النضال الذي اختاره إلى أن تحقق له النصر وحصل على الاستقلال الذي يتوق إليه. أما الحالة الفلسطينية، فتبدو شديدة الخصوصية، بالنظر إلى حدة الانقسامات التي تواجهها والتي تجسدها مقولة «المفاوضات العبثية» بالنسبة للبعض و «الصواريخ العبثية» بالنسبة للبعض الآخر. ففي سياق كهذا تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية محشورة بين تيار لا يؤمن، من حيث المبدأ، بالمفاوضات وسيلة للتوصل إلى تسوية عادلة ويستشهد بتعنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للتدليل على صحة موقفه، وآخر لا يؤمن بالمقاومة المسلحة وسيلة لتحرير الأرض المغتصبة، ويستشهد بما آلت إليه الأحوال في القطاع من حصار وتدمير.

في سياق كهذا، كان من الطبيعي أن نتفاءل بالمصالحة التي تمت بين السلطة وحماس قبيل العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، والتي أدت إلى الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية يفترض أن تدير الشؤون الفلسطينية في الضفة والقطاع وفقاً لما تقتضيه المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، بصرف النظر عن مصالح الفصائل. وتفاءلنا أكثر حين صمدت هذه الحكومة طوال حرب امتدت لأكثر من خمسين يوماً، سقط خلالها أعداد هائلة وغير مسبوقة من الشهداء والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، وتسببت في دمار غير مسبوق، أدى إلى تشريد ربع سكان القطاع وجعلهم بلا مأوى وبلا خدمات من أي نوع. ويبدو أن المراقبين والمحللين لم يلتفتوا بما فيه الكفاية إلى حقيقة أساسية، وهي أن الشعب الفلسطيني العظيم ليس فقط في قطاع غزة، ولكن أيضاً في الضفة الغربية، وفي الشتات، وفي الأرض المحتلة قبل 48، هو الذي صنع هذه الوحدة وفرض على كل الفصائل ضرورة احترامها، على الأقل طوال أيام القتال. لكن ما إن توقف القتال حتى «عادت ريما لعادتها القديمة»، كما يقول المثل العامي في مصر، وراح الانقسام يطفو من جديد داخل صفوف الفصائل الفلسطينية. ولأن القابلية للانقسام، وهي نزعة ذات ميول انتحارية متجذرة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، فسوف يتعين على كل القوى الفلسطينية أن تبحث لها عن علاج في ظرف تاريخي لم يعد يحتمل أي خلاف، وينطوي على تحديات حقيقية تنذر بتصفية القضية الفلسطينية تصفية تامة ربما خلال سنوات قليلة جداً.

فكثيرة هي القوى العربية والإقليمية والدولية التي تتربص بالقضية الفلسطينية وتسعى لتصفيتها لسبب أو لآخر، خصوصاً في ظل تنامي المخاطر الناجمة عن الإرهاب والتطرف الديني وما ينطويان عليه من فتن واحتمالات اندلاع حروب أهلية واسعة النطاق، وتلك حقيقة بات على كل القوى الفلسطينية أن تدركها بوضوح، فليس كل من تظاهر بالاهتمام بالقضية الفلسطينية أو بالغ في الدفاع عنها عبر الخطب الرنانة، أو حتى قام بتقديم دعم مادي سخي للسلطة أو للمقاومة، مناصر حقيقي للقضية، فكل الأطراف الإقليمية والدولية تقوم بشكل إرادي أو لاإرادي بتوظيف القضية لدعم مصالحها في صراع محتدم على النفوذ في المنطقة. لذا ليس من مصلحة أي طرف فلسطيني «معايرة» الطرف الآخر في هذه اللحظة بما اقترفه في حقه أو في حق الشعب الفلسطيني من أخطاء، والأولى به أن يقوم بمراجعة صادقة مع النفس لمواقفه هو قبل أن يقوم بانتقاد مواقف الآخرين. وما لم تتوحد الفصائل الفلسطينية حول رؤية مشتركة لإدارة الصراع مع إسرائيل، تتمحور حول تحقيق الحد الأدنى من المصالح والأهداف الفلسطينية ممثلة في دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 وحل مشكلة اللاجئين وفقاً للقرارات الأممية، فلن تشهد المرحلة القادمة محاولات جادة لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية بقدر ما ستشهد إصراراً من جانب إسرائيل والقوى المتحالفة معها على تصفية نهائية لهذه القضية.

عندما يقول عباس إنه لا يستطيع أن يستمر في شراكة مع طرف لا يريد لحكومة الوحدة الوطنية أن تمارس عملها على الأرض، أظن أن لديه بعض الحق، وعندما يطلب مشعل ضمانات بعدم المساس بسلاح المقاومة، أظن أن لديه بعض الحق أيضاً، المهم أن يكون كل منهما صادق النية في ما يقول وليس مدفوعاً بالبحث عن ذريعة لتبرير تصرفات هي في جوهرها فصائلية وتعكس صراعاً على السلطة أكثر مما تعكس حرصاً على المصالح الوطنية. المطلوب إذن حكومة شراكة وطنية حقيقية تحافظ على سلاح المقاومة وتملك في الوقت نفسه من الصلاحيات ما يمكنها من التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية متفق عليها وطنياً. ولأن إسرائيل لن تقبل في جميع الأحوال بالحد الأدنى المطلوب فلسطينياً، فعلى السلطة الفلسطينية أن تدرك أن الحفاظ على سلاح المقاومة لا يدعم فقط موقفها التفاوضي، لكنه سيشكل البديل الذي يمكن الاعتماد عليه حين تنسد أمامها كل الطرق، وهي على وشك أن تصبح كذلك بالفعل.

 

انشر عبر