شريط الأخبار

رذائلنا المسكوت عليها.. فهمي هويدي

07:25 - 15 تموز / يونيو 2014

شاءت المقادير أن تنفجر قضية التحرش في مصر مع بداية الرئاسة الجديدة، لكي تطلق جرسا قويا ينبه الجميع إلى أن في البلد مشكلة اجتماعية كثيرا ما تم تجاهلها، تحت وطأة الانشغال بالأمور السياسية والأمنية والمعيشية.

وقد أزعم أنها مما ينطبق عليه الوصف القرآني: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم». لست في مقام مديح ما جرى بطبيعة الحال، لكنني أحاول استخلاص ما هو إيجابي من المشهد، إعمالا للحكمة الصينية التي تدعو إلى تحويل الأزمة إلى فرصة.

قلت فيما سبق إن من «فضائل» جريمة التحرش التي حدثت يوم الأحد الماضي (8/6) في ميدان التحرير أنها بمثابة جرس أطلق لكي ينبهنا إلى الظاهرة المسكوت عليها. وأشرت توا إلى مصادفة التوقيت وتزامنه مع بداية الرئاسة الجديدة، بما من شأنه أن يستدعي ملف المشكلة الاجتماعية ضمن الملفات التي يجري وضعها على طاولة الرئيس في بداية عهده. وأهمية هذه النقطة تكمن في أن ذلك الملف لم يشر إليه أحد من الذين دأبوا طوال الأسابيع الأخيرة على وعظ الرئيس وإرشاده إلى ما ينبغي عمله وإلى أولويات جدول أعماله.

ثمة إيجابية أخرى لما جرى تتمثل في أنه يسمح لنا بأن نتطرق إلى ما هو سلبي في السلوك الاجتماعي لدى المصريين، وهو الباب الذي يتجنب كثيرون الخوض فيه، نظراً لحساسيته وتجنبا لمظنة الاتهام الذي يرمى به كل من غامر بالحديث في الموضوع.

وليست بعيدة عن أذهاننا الاتهامات التي تتردد في وسائل الإعلام وتنسب إلى كل ناقد لشيء في مصر بأنه ضالع في «إهانة الشعب المصري». ناهيك عن حساسية المصريين إزاء أي نقد وارتياحهم إزاء المديح وتضخيم الذات، مع التباهي المشهود بحكاية التاريخ الممتد لسبعة آلاف سنة، وكونها أم الدنيا التي أضيف إليها مؤخرا أنها «قدّ الدنيا».

في القرن الخامس عشر الميلادي تطرق تقي الدين المقريزي الذي يوصف بأنه مؤرخ الديار المصرية إلى أخلاق المصريين في كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» فقال إن «أبدانهم سخيفة سريعة التغير، قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستمالة والتنقل من شيء إلى شيء. والدّعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر، والرغبة في العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكذب والسعي إلى السلطان وذم الناس. وليست هذه الشرور عامة فيهم، فمنهم من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرأه من الشرور». وفي دراسة للدكتور إبراهيم البحراوي حول الشخصية المصرية، ذكر أن رؤية المقريزي تشكلت في ظل العصر المملوكي (القرن الخامس عشر). وهو العصر الذي سادت فيه المظالم الاجتماعية وحل فيه البطش بالناس. وقال إن الأخلاق السائدة التي رصدها المقريزي كانت وسائل المجتمع لاتقاء شرور الحكام والأقوياء وكسب العيش والبقاء.

فكرة تأثر الأخلاق بالاستبداد لها حضورها القوي فيما كتبه عبدالرحمن الكواكبي عن «طبائع الاستبداد» وذكر أنه «يرغم الأخيار على ألفة الرياء والنفاق»، كما أنه يدفع الناس إلى «التسفل»، بمعنى التخلق بأخلاق السفلة. وتحدث ابن خلدون في مقدمته عن تأثير البنية الجغرافية والمناخية على طباع الناس وخصالهم، فقسم العالم إلى سبعة أقاليم، وميز بين سكان التلال والسهول وبين أهل المناطق الحارة والرطبة، وسكان البلاد الباردة.

الملاحظة المهمة في هذا الصدد أن نقد الذات من علامات الشجاعة والثقة بالنفس، ومن أبواب تدارك العلل والتطلع إلى التعافي والتقدم، في حين أن الحساسية إزاء ذلك تنقص ولا تضيف فضلا عن أنها سبيل إلى خداع النفس والتعامي عن الحقيقة وغير ذلك مما يلجأ إليه الضعفاء لستر عوراتهم.

إن تسليط الأضواء على المثالب والرذائل لا يلغي وجود الفضائل. وربما لاحظت في كلام المقريزي بعد أن قال ما قاله بحق أخلاق المصريين فإنه نبه إلى أن الشرور التي ذكرها ليست عامة في المصريين، منوها إلى أن منهم من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرأه من الشرور.

لقد نفخنا كثيرا في أنفسنا، ودبجنا لأجل ذلك ما لا حصر له من المدائح والقصائد والأناشيد. وأرجو أن يتوافر لدينا قدر من الثقة وسعة الصدر يسمح لنا بالإنصات إلى الأصوات الأخرى التي قد تسمعنا ما لا يسرنا عن رذائلنا وما هو سلبي من أخلاقنا الاجتماعية، فنشجعها ولا نقمعها، ونستعين بما يقال لكي نرمم دارنا ونحصِّنها، خصوصا أن المجتمع المصري مرّ خلال العقود الأخيرة بظروف تكاد تماثل الاستبداد الذي عانت منه مصر تحت الحكم المملوكي في القرن الخامس عشر. ولنذكر أن الخليفة عمر بن الخطاب امتدح الناقدين له وشجعهم، وهو القائل: رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.. فهل من مبادر؟

(بوابة الشروق المصرية)

انشر عبر