شريط الأخبار

سيدي القاضي .. يديعوت

11:20 - 16 حزيران / مايو 2014


بقلم: ناحوم برنياع

(المضمون: ألم يكن القاضي الذي حكم على اهود اولمرت في قضية هولي لاند قاسيا أكثر مما ينبغي لقاض في اسلوبه وكلماته التي اختارها لوصف ما قام به اولمرت؟ البؤرة الاستيطانية معاليه رحبعام التي ادعت اسرائيل أنها أخلتها كان اخلاؤها إيهاما وحيلة لارضاء أطراف كثيرة منها المحكمة العليا الاسرائيلية والحكومات الاجنبية - المصدر).

قبل نحو من اربع سنوات في آب 2010، نشر دافيد روزان، قاضي المحكمة اللوائية في تل ابيب، حكمه في قضية تبييض الاموال في بنك العمال. وقد برأ روزان المتهمين وألقى على النيابة العامة تهما ثقيلة وكتب يقول: "كانت تصريحات الدولة كاذبة، وسلوك النيابة العامة فاضحا".

أدى ايتي هار – أور مراسل الصحيفة اليومية "كلكليست" تقريرا صحفيا في الوقت المناسب عن الردود في النيابة العامة. وقد قالت له مدعية عامة كبيرة: "الحديث عن حكم غير ذكي وغير قضائي وغير أساسي". وقال مدع عام كبير: "توجد اقوال في حكم روزان ليس لها أرجل، وأنا لا أعلم من أين أخذها". وأضافت مدعية عامة كبيرة اخرى قائلة: "أنا أحاسب نفسي لكن يجب على القاضي ايضا أن يحاسب نفسه".

وقد تمت محاسبة النفس، فالمدعية العامة التي انقض عليها القاضي رُفعت درجتها.

لا ترمي هذه الاقتباسات الى التشكيك في قدرة القاضي روزان على الحكم، فمعاذ الله أن أفعل ذلك. بل ترمي الى الاشارة الى ظاهرة اخرى وهي أن الردود على احكام المحاكم لا تختلف جوهريا عن الردود على احكام قاض في ملعب كرة قدم لأنه اذا حكم مؤيدا فريقي فهو عبقري واذا حكم عليه فان عندي رأيا قاطعا في أمه. حظي مناحيم بيغن بمجد حينما قال على أثر حكم المحكمة العليا في قضية بيت إيل: "يوجد قضاة في القدس". فقد قال الجميع إنه سياسي يحترم تفوق القضاء. ونسوا أنه قال جملته المجيدة هذه بعد أن رفضت المحكمة العليا بطريقة معوجة جدا الاستئنافات التي رفعت على سياسته. وكان قوله المبتهج في الحاصل العام اعلان نصر.

حينما برأ ثلاثة قضاة في المحكمة اللوائية في القدس اولمرت من أكثر التهم في قضية تلنسكي – ريشون تورز، كانت خيبة الأمل في المعسكر المضاد شديدة. ونجمت اشاعات عن افعال فاحشة وعن تحريف الحكم وعن مؤامرة وعن رشوة. ولم يكن للاشاعات أساس بالطبع لكنها منحت خائبي الأمل نصف عزاء. وتجري على خائبي الأمل لادانة اولمرت عملية مشابهة هذا الاسبوع، فهم يتهمون القاضي تهما باطلة.

والدرس الثاني هو فقدان اليقين في التوجه الى المحكمة. وعلى أساس المعطيات الاساسية كان احتمال إدانة اولمرت في قضية ريشون تورز عاليا، وكان احتمال إدانته في قضية هولي لاند منخفضا، هكذا قدروا في النيابة العامة وهكذا قدر المحامون. ووجد لهذه التقديرات صدى في كلام القاضي، فقد كتب في حكمه يقول إن اولمرت لم يفعل شيئا ليدفع بالمشروع قدما، فاذا ما أعطيت رشوة فقد أعطيت عبثا. وعلى رغم ذلك خرج من ريشون تورز منتصرا وخرج من هولي لاند بست سنوات سجن. كان يوجد رهان ما دائما في المواجهة في المحكمة، لكن تطور هاتين القضيتين يُذكرنا أكثر بالكازينو. إن المحامين الذين تحدثت اليهم يزعمون أن هذه ظاهرة واسعة تتصل بقضايا مدنية كما تتصل بقضايا جنائية، وكان استنتاجهم  أن التوجه الى صفقة قضائية أفضل من تسليم مصير الموكل للمحكمة. فلتكن صفقة بكل ثمن.

وقد فهمت شولا زاكين هذا أمس ايضا بعد أن أجاز لها القاضي الصفقة القضائية.

حينما استقر رأي رئيسة المحكمة اللوائية في تل ابيب دبورة برلينر على أن يكون قاض واحد في قضية هولي لاند، اعترضت النيابة العامة. فهم في النيابة العامة لم يكونوا يحبون روزان وخشوا ما سيفعله حينما يتولى القضية وحده. وقدر محامو اولمرت أنه اذا كان روزان سيئا للنيابة العامة فهو جيد لموكلهم فأرادوا روزان وحصلوا عليه. ويتعلق الدرس الثالث بالاسلوب. فان كثيرين زعزعهم الاسلوب الفظ الهجومي في تعليل الحكم. إن الوزير السابق روني بار أون الذي قال عدة جمل فظة في حياته صعب عليه أن يهضم كلمة "خائن" في الكلام الذي كتبه القاضي عن اولمرت. وأنا أعتقد أنه على حق لأن القاضي لا يمكنه أن يسلك سلوك واحد ممن يشعرون بالمرارة الذين يبثون هذا الشعور في طول الشبكات الاجتماعية وعرضها تحت اسم مختلق على نحو عام. فليس هو متصفح انترنت يريد أن يُدهش الرفاق بل عليه مسؤولية. لكن الاسلوب ليس هو الاساس مع عدم الارتياح كله.

الفساد هو المعيار

يقول القاضي روزان في مقدمة حكمه كلاما صحيحا عن الفساد في السلطة المحلية، وعن ثقافة السماسرة وعن العلاقات المتشعبة بينهم وبين الجهاز البلدي. ومشروع هولي لاند مثال ممتاز لا بسبب قبحه وبسبب أنه ينتصب ليراه كل من يعيش في القدس أو يزورها. إن المفارقة السافرة في قضية هولي لاند هي أن القائم بالمشروع هيلل شيرمي لم يكن محتاجا الى المال فهو مليونير كبير بفضل ميراث ضخم حصل عليه. فلم يكن باعثه مالي. وكان للمشروع برغم قبحه احتمال جيد أن يحصل على كل الرخص المطلوبة باستقامة دون رشوة ودون مدفوعات.

استأجرت شيرمي سمسارا لأن الجميع يستأجرون، فالفساد هو المعيار وهو التوقع وهو القانون. وهذا فظيع.

قرأت ثم عدت فقرأت ما كتبه القاضي عن المتهم رقم 8. وأسفت لحظة لأن محققي الشرطة لم يضبطوا اولمرت مع نصف مليون شيكل في يده بقطع ورقية معلمة لأن ذلك كان سيسهل علي أن أراه مجرما كبيرا بل ربما خائنا، اجل خائنا، كما كتب القاضي. لكن الادانة متملصة فهي تعتمد على قياس منطقي لا على أدلة. شهد ديخنر بأنه حول مالا الى الأخ يوسي لكن المال لم يترك آثارا. وقال الأخ يوسي إنه تلقى مالا ثم تراجع عن ذلك. ومن المنطق أن نفرض أن وغدا محنكا مثل ديخنر لم يحتفظ بفعل الصدقة الذي فعله لنفسه بل حدث عنه الشقيق اهود. لكن الشقيق اهود لم يهب لمساعدة المشروع الذي كان ديخنر يدفع به قدما ولم يتدخل.

أنا أعرف يوسي اولمرت، بالصدفة. ومن المؤسف جدا أنه فتى ذو مطامح تبلغ عنان السماء مع قدرة محدودة وميل واضح الى توريط نفسه وتدميرها. وبحسب ما أعلمه فان الشقيقين ليست بينهما علاقة. وتبين أن اهود اولمرت لم ينجح نجاحا مميزا لا مع هذا الشقيق ولا مع أمينة سره الاسطورية ولا مع اصدقائه من وسائل الاعلام.

يصعب علي أن أصدق أن اهود اولمرت كان شديد الاخلاص لأخيه الفاشل، وأنه كان شديد الغرور الى حد الفساد الذي يعرض للخطر كل ما فعل في حياته كي يملأ جيوب أخيه بالمال. لكن لنقدر أن القاضي قاس قياسا صحيحا، أفلم يكن يجب أن يخفف الشك شيئا ما الجزم الذي اتجه به الى تحديد العقوبة؟ إن ست سنوات هي زمان كثير بالنسبة لاستنتاج ولد من القياس المنطقي.        

أيهما أعظم ذنبا المُغري أم المغرَى؟ إن شموئيل ديخنر وهو وغد كبير أغرى القائم بالمشروع وأغرى مهندس البلدية وأغرى ساسة وأغرى رجال اعمال. وصب القاضي غضبه على الذين تم إغراءهم.

ومن المثير أن نعلم ما الذي يعتقده في القصة التي وردت في سفر التكوين الفصل الثالث.

"كانت الحية أدهى من كل حيوانات البر"، قيل هناك. وقد أغرت حواء بالعدوان على أمر الله وبأن تذوق شجرة المعرفة. وقد حدد الله للجميع عقوبات، أما الحية فأن تمشي على بطنها وتأكل التراب، وأما حواء فأن تلد أبناءها بالعناء وأن يكون اشتياقها الى زوجها وأن يحكمها؛ وأما آدم فأن يأكل خبزه بعرق جبينه.

ويمكن أن نتجادل أيهم كانت عقوبته أشد الحية أم حواء أم آدم. لكن يُخيل الينا أنه لو كان القاضي روزان هو الله لألقى على آدم وحواء كل العقوبات التي حصلا عليها ولأمرهما مع ذلك أن يزحفا على بطنيهما وأن يأكلا التراب ولأعفى الحية من العقاب مع التوبيخ.

من الأزل الى الأبد

حينما نتجه شمالا من الخليل الى بيت لحم، في الشارع 60، يتحول اللون الاخضر القوي لكروم العنب الى الرمادي الفضي لاشجار الزيتون. وتبسط النساء بسطات على جانب الشارع فيها الخيار والبندورة وبواكير العنب. والزبائن مستوطنون ومحليون. وتحترق سيارة فلسطينية في مفترق الـ "غوش" نتيجة تفجر المحرك، ويعلو دخان اسود يغطي مساري السير كما هي الحال في عملية تفجيرية ولا يتأثر أحد سوى صاحب السيارة الذي يحاول أن ينقذ شيئا ما مما بقي في صندوق السيارة الخلفي. ولا جيش ولا شرطة لا منا ولا منهم وكأنه قد أصبحت نشأت الدولة ذات الشعبين والوجودين ساخرة بجوها الربيعي من خطب الساسة من الطرفين. لكن كأنما.

نسافر من افرات الى الشرق نحو جبل هورودوس ويتحول المنظر الطبيعي الى الصفرة دفعة واحدة. إن الموقع في الشبكة لمجلس "يشع" الذي يدعو الشباب الى الانضمام الى البؤرة الاستيطانية غير القانونية معاليه رحبعام يعد برؤية إزهار أزهار مدهش في الشتاء. وقد انقضى الشتاء وبقيت الاشواك الآن فقط. نشأت معاليه رحبعام في 2001، بين نوكديم، وهي المستوطنة التي يسكنها وزير الخارجية ليبرمان، وكفار إلداد، وهي المستوطنة التي يسكنها نائب وزير الخارجية الذي ترك عمله، زئيف إلكين. ولم يمنع عدم قانونيتها حكومات اسرائيل من أن تنفق ملايين في ذلك المكان.

استعدت الدولة أول أمس لاخلاء معاليه رحبعام كما جاء في نشرات الاخبار وصُور في التلفاز ايضا. وأغلق جنود المفترقات ونُقلت قوات شرطة كبيرة من القوات الخاصة وحرس الحدود الى ذلك المكان. وجيء الى هناك برافعة وجرافة كبيرة للرفع والهدم. ووجد هناك بالطبع ايضا ممثلو البؤرة الاستيطانية وممثلاتها الذين بكوا الهدم والطرد وعنف رجال الشرطة ووعدوا برد صهيوني ملائم؛ ووجد الشباب الذين كان أحدهم يلبس قميص كهانا أصفر، والذين أحرقوا الاطارات ورفعوا علم اسرائيل وعلوا فوق السقف ورفضوا النزول.

بيد أن كل ذلك كان خدعة وسرابا فهم لم يخلوا البؤرة الاستيطانية بل أحلوها، فان وزير الدفاع استجاب للضغط من اليمين وأجاز للبؤرة الاستيطانية ما يسمى خطا أزرق وهو الخطوة الحاسمة نحو تحويلها الى مستوطنة دائمة. وكانت المباني الثمانية التي أخليت ترمي الى احداث ساتر دخان يرضي المحكمة العليا ويُسكت النقد من قبل حكومات اجنبية. في اثناء التفاوض الفاشل مع الفلسطينيين صدرت من آن لآخر تصريحات من وزارة الاسكان عن خطط لبناء آلاف البيوت في المستوطنات. وقال الوزير اوري اريئيل إنه لم يعلم بذلك. والآن وقد انهارت المحادثات أصبح أمر الساعة هو ضبط النفس ويمكن التصريحات أن تستريح.

بنيت بيوت معاليه رحبعام الاولى مجتمعة بالقرب من الباب الرئيس. وأصبحت يوجد عدد من الفيلات الحمراء السقوف مهيأة لسقوط الثلج، الى جانب فيلات ذات سقوف مسطحة استعدادا لبناء طبقة اخرى. ويوجد كنيس ونادٍ وأخذ يُبنى حوض تطهر تنفق عليه وزارة الاديان. وما زال أكثر العائلات تسكن في اكواخ من الصفيح أو في كرفانات. وتتقدم الكرفانات الى الامام الى التلال المجاورة. وكلما ابتعدنا جنوبا وشرقا الى مشارف صحراء يهودا أصبح البناء أكثر تفرقا.

إن المباني الثمانية التي هُدمت فيها خمسة مبان سكنية بعضها مسكون فقط. والوداع للمعدات التي جمعت من المباني لأن كل شيء حمل بحذر في حاويات، وكذلك الكلاب ايضا.

إن رؤساء المستوطنين في احاديث مسجلة، راضون، فقد حصلوا على صندوق المال كله. والادارة المدنية والشرطة راضيتان فقد تمت المهمة دون صور قاسية. وجرب وزير الدفاع الذي لا يفرح أبدا لحظة رضا نادرة فقد أثبت أنه يلتزم بالرسمية ويطيع أوامر المحكمة العليا، وأنه سياسي ايضا وهو يظهر للعالم أن اسرائيل تجري القانون على المستوطنين، وأنه يميني وأنه يحلل بؤرا استيطانية اخرى؛ وأنه سياسي نحو الداخل فهو يحشد قوة من كتلة المستوطنين في الليكود. فقد صاد اربعة عصافير دون طلقة واحدة. إن الناس يخطئون في شأن بوغي، فهو بخلاف الاشاعات ليس بليد الاحساس تماما.

انشر عبر