شريط الأخبار

نعم للانسحاب من طرف واحد- هآرتس

12:00 - 08 آب / مايو 2014

بقلم: آري شبيط

(المضمون: إن أهم مهمة تواجه اسرائيل في سنتها الـ 67 هي أن تبادر الى اجراء من طرف واحد طويل ومُحكم ومنسق وتدريجي وخلاق يفضي الى السلام ايضا بعد زمن - المصدر).

كان الانسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان مختلفا جدا عن الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة. فقد خرجنا من لبنان (في صيف 2000) على نحو متسرع متعجل، بموافقة الامم المتحدة، أما غزة فخرجنا منها (في 2005) بصورة منظمة مرتبة دون حصول على تأييد المجتمع الدولي. وقد أنهينا الاحتلال الشمالي لأن الحكومة أدركت أن الجمهور لم يعد مستعدا لدفع ثمن الدماء الذي يصاحب السيطرة على الشريط الامني، أما الاحتلال الجنوبي فأنهيناه لأن الحكومة أدركت أن العالم لم يعد مستعدا لقبول استيطان اليهود في قطاع غزة.

أفضى الانسحاب الاول الى التخلي عن حلفائنا المسيحيين والشيعة، واضطرنا الانسحاب الثاني الى أن نقسوا على أبناء شعبنا المستوطنين، وقد كان التحديان مختلفين وكانت المشكلات مختلفة. فكما كان اهود باراك واريئيل شارون مختلفين بعضهما عن بعض كان الانسحابان اللذان بادرا اليهما ونفذاهما كذلك ايضا.

لكنهما كانا متشابهين ايضا، ففي الحالين نبع ذلك الاجراء القاسي من ادراك أن وضع دولة اسرائيل يائس تقريبا، وعليها أن تغير موضعتها في وقت قصير بعمل جذري. ونبع الاجراء المركب في الحالين من ادراك أنه لا يوجد شريك عربي في السلام وأن استمرار الاحتلال يأكلنا من الداخلي ويُفنينا من الخارج. فقد كان الانفصال عن لبنان وعن غزة قائمين على تقدير أن اسرائيل بتقليص المساحة التي تحكمها ستصبح أكثر شرعية وأقوى.

لم يكن باراك وشارون فتيي أزهار. ولم ينشد كلاهما في جوقي جيش الخلاص. فقد كان رئيس الوزراء العاشر ورئيس الوزراء الحادي عشر قائدين عسكريين صارمين ينفيان الاوهام عن أنفسهما. لكن في وقت ما خلص المقاتل من الوحدة 101 والمقاتل من دورية هيئة القيادة العامة ايضا الى استنتاج أن السيطرة على شعب آخر والسيطرة على ارض معادية قد استنفدتا أنفسهما. وينبغي لاستمرار الصهيونية وتأمين مستقبل الوطن القومي اليهودي أن تُمنح دولة اسرائيل حدودا قانونية تستطيع حماية نفسها منها.

إنتهى انسحاب باراك وانسحاب شارون ايضا الى أسى عميق. ففي لبنان كان حزب الله هو المنتصر الأكبر، وفي غزة كانت حماس هي المنتصرة الكبرى. وفي الشمال أفضى الانسحاب الى انشاء قاعدة صواريخ شيعية، وأفضى في الجنوب الى انشاء قاعدة صواريخ للاخوان المسلمين. وفي الحالين تحقق سيناريوها الشر. فلم تعد لبنان لتصبح سويسرا الشرق الاوسط، ولم تتحول غزة الى سنغافورة الشرق الاوسط. وساءت سمعة الفعل من طرف واحد سريعا. وصُنفت محاولتا باراك وشارون الشجاعتان لرسم حدود على أنهما فشل.

لكن نظرة دقيقة تُظهر صورة مختلفة. فقد أفضى الانسحاب في الشمال في الحقيقة الى حرب هناك لكنها انتهت الى تهدئة (تُف، تُف، تُف). وأفضى الانسحاب في الجنوب في الحقيقة الى معركة في الجنوب لكنها أحدثت ردعا (تُك، تُك، تُك). وحينما أثمر الانسحابان من طرف واحد ايضا سيناريوهين قاسيين، لم تكن النتيجة كارثة، فقد تبين أننا نستطيع مواجهة الصواريخ لكن لا رد عندنا على اضاعة الاكثرية الاسرائيلية، وثبت أننا نستطيع ضرب حزب الله وحماس لكن فقدان الشرعية الدولية تُعرض وجودنا القومي للخطر.

ولهذا فان الانسحاب من طرف واحد برغم كل محدوديته ما زال هو أخف الاضرار بين جميع الامكانات المطروحة للبحث. ويجب أن ينفصل الاسرائيليون والفلسطينيون حتى من غير اتفاق موقع عليه مع عدم وجود سلام اسرائيلي فلسطيني، لكن ينبغي في هذه المرة العمل بصورة أذكى مما حدث في المرتين السابقتين ومن الواجب التعلم من أخطاء الماضي (وقد كانت) ومن الواجب انتهاز فرص الحاضر (وهي موجودة) لضمان المستقبل. إن أهم مهمة تواجه اسرائيل في سنتها الـ 67 هي أن تبادر الى اجراء من طرف واحد طويل ومُحكم ومنسق وتدريجي وخلاق يفضي الى السلام ايضا بعد زمن.

انشر عبر