شريط الأخبار

البرميل السوري / يديعوت

04:16 - 02 تشرين أول / مايو 2014

بقلم: فرانشسكا بوري - حلب

 

(المضمون: وصف للحال الفظيعة التي يحيا فيها السكان المدنيون في حلب تحت قصف دائم من قبل النظام السوري ببراميل المتفجرات - المصدر).

 

"نحن رقم فقط بالنسبة اليكم"، اشتكى أمامي فتى سوري أصر على أن يقرأ علي قائمة قتلى القصف الاخير في حلب. وعدهم واحدا واحدا، ذاكرا لي قصص الموتى واحدة بعد اخرى، وهو لا يعلم أنهم ما عادوا حتى رقما بالنسبة إلينا. هكذا يكون الحال حينما لم تعدد الامم المتحدة تعد الجثث منذ اربعة اشهر، منذ بلغ عدد القتلى في سوريا الى 150 ألفا. ويُبينون هناك أنه يصعب كثيرا تحديث القائمة، وليست المصادر موثوقا بها بقدر كاف.

 

 برزت الآن في ميدان القتل في حلب ذخيرة وحشية بصورة مميزة وبدائية وفتاكة معا. إن براميل متفجرة مليئة بالـ تي.إن.تي والمحروقات تلقى على المواطنين من ارتفاع منخفض: اثنين أو ثلاثة أو اربعة دفعة واحدة. هكذا يموتون هنا اليوم في اكبر المدن السورية دون انذار. بتفجير يأتي من لا مكان مثل عمل خاطف ومثل صفعة عاصفة. ويمتليء الهواء بالنار والدم والشظايا والدخان. وتأتي بعد ذلك الصرخات وبقايا لحم البشر والاولاد الذين يتحولون الى فحم.

 

بعد انقضاء عشرين شهر قتال ما زالوا يسمون هذه المدينة حلب، لكن الحقيقة أنها اصبحت برزدن. فلم تعد حلب موجودة في مساحة كيلومترات كثيرة، وفي كل يوم تتحول اجزاء اخرى منها الى انقاض. لكنها لم تُهجر تماما بخلاف ما يمكن اعتقاده: "فالتحول الى لاجيء ترف لا يستطيع كل واحد أن يبيحه لنفسه"، يُبين لي مترجمي. فهو لا يقدر مثلا على دفع 150 دولارا ليهربوه في سيارة الى الحدود التركية، ومن المؤكد أنه لا يملك 100 دولار عن كل رأس كي يرشو شرطي ويجتاز الاسلاك مع زوجته وابنائه الثلاثة.

 

كان يسكن في حلب الى الحرب 2 مليون ساكن وما زال يختبيء فيها عشرات آلاف المواطنين المرهقين وهم 80 ألف فقط بحسب التقديرات الاخيرة. وهم يمضغون الورق المقوى لمحاربة الجوع. ونظراتهم ميتة ومتعبة ومرهقة لكن أعينهم تنظر طول الوقت الى أعلى، الى السماء. كان القصف الى ما قبل بضعة اشهر يأتي من طائرات حربية مرتين أو ثلاث كل اسبوع فكانت الطائرات تقصف وتختفي، لكن  المروحيات الآن هي التي تحلق فوق المدينة دون أن تغادر. وهي تلقي براميل المتفجرات بمعدل مرتين كل ساعة حتى خمسين مرة كل يوم. وقد ألقي 6 آلاف برميل كهذا الى الآن بحسب معطيات المعارضة السورية وقتلت آلاف البشر في حلب وحدها التي منيت من بداية الحرب بـ 20 ألف قتيل. وأضيف نحو من 30 ولدا الى هذه القائمة أول أمس حينما سقط برميل على مدرسة في المدينة وأثبت مرة اخرى أنه لا يفرق بين عاجزين ومقاتلين. وأثبت الجيش السوري من جهته أنه وجد الذخيرة الكاملة لحرب طويلة، فهي رخيصة وسهلة التركيب وقاتلة مع ذلك.

 

مات ولد ممسكا بدمية دب

 

في تقريري السابق من حلب لصحيفة "يديعوت" في تشرين الثاني الاخير تحدثت عن مدينة تم تخريبها حتى أساسها. ووصفت اولادا وضعت جلودهم على عظامهم بصعوبة فقط، يأكلون الحشيش ويشربون ماء المطر. وكتبت عن مستشفيات المخدر الوحيد فيها هو مداعبة الممرضة، وعن أسقف مليئة بمقطعي الاعضاء. وأصبحت ادرك الآن أنني لم اكن اعرف ما هي الحرب حتى ذلك الوقت. وأدرك الآن أنه يمكن التخريب دائما أكثر.

 

في كانون الاول الاخير بدأت قوات الاسد هجوما مضادا على المتمردين في المدينة. وأصبحت المنطقة الصناعية، الشيخ نجار، التي استضافت قبل نصف سنة المجلس الثوري السوري – وهو الجسم المؤقت الذي انشيء في حلب على أمل افتتاح المدارس من جديد وغرس الاشجار والعودة الى الحياة العادية – اصبحت موقع معارك. ومر نصف سنة وحينما نمر من المنطقة الصناعية نحو مركز المدينة، في محاولة لأن نجد ملجأ في داخل الاحياء السكنية، ما زلنا نحتاج الى أن نهرب من راجمات الصواريخ وصواريخ الـ آر.بي.جي ورصاص بنادق كلاشينكوف وقنابل. والحظ هو الملجأ الوحيد.

 

ليس عند المتمردين كثير يفعلونه في مواجهة كل ذلك. فهم مسلحون بصعوبة باسلحة خفيفة ضئيلة حصلوا عليها من السعودية وقطر. والسلاح الثقيل الوحيد الذي يملكونه هو آلات اطلاق نار قديمة تسمى "دوشكا". وتطلق هذه الخردة وهي من صنع الاتحاد السوفييتي رشقات لا لاسقاط طائرات العدو، فهي غير قادرة على ذلك، بل لتحذير السكان من أن مروحية وفيها برميل متفجرات توشك أن تأتي من الفور حقا في غضون بضع ثوان.

 

وحينما يسمعون ضجيج الدوشكا يجري الجميع وحينها يأتي الانفجار الضخم. في أحد التفجيرات الاخيرة بعد أن انقشع الدخان، رأيت امرأة تلبس تنورة نجحت في النجاة، تسير بما بقي من قوتها نحوي. وبعد ذلك رأيت رجلا يحمل جثة ويغشى عليه. ورأيت ولدا كنت قد رأيته قبل ذلك في الشارع ملقى وقد فارق الحياة وما زالت دميته على صورة دب في يديه.

 

إن الثواني الاولى بعد القاء البرميل هي الاقسى. فنحن نسمع في ذلك الوقت صيحات الاستغاثة من خلال الدخان تحت الانقاض تقول: "ساعدني، ساعدني". ويندفع أبناء العائلة الدهشون الى الانقاض لتخليص أعزائهم وفورا تظهر تلك المروحية مرة اخرى ويهرب الجميع مرة اخرى ويسقطون ويقومون ويصرخون. وفورا يأتي انفجار آخر ويرتفع الدخان مرة اخرى. ويتم التخليص بأيد مجردة فلا توجد معاول حفر ولا جرافات ولا كهرباء ايضا بل يحفرون في ضوء الهواتف الخلوية القليلة التي تعمل، وفي ضوء القداحة الى أن يجدوا ناجين أو جثثا تنظر اليك من بين انقاض المباني نظرة صامتة.

 

إن الهدف الوحيد هنا هو البقاء. مروحيات وطائرات ومروحيات مرة اخرى، ولا توقف. ولا يبقى لك في المساء سوى أن تنزوي في ركن صغير في بيت أو فيما بقي منه وتدعو الله. وتذيع قناة التلفاز المحلية "حلب اليوم" في شريط سيار عدد القتلى في الحوادث الاخيرة، ويمكن أن تشاهد من النافذة بريق الانفجارات. وأنظر في الساعة في ضغط وعصبية أنتظر الفجر. لكن هذا هو التعود على حياة مختلفة. لأن الفرق الوحيد بين الليل والنهار هو أنه لا يوجد مكان تهرب اليه في ساعات الظلام فالحرب في الليل في حلب تقتلك. إنهم لا يحاربون هنا بل يموتون بالقصف ببساطة.

 

جهاد خمسة نجوم

 

يصعب جدا أن نفهم ما يحدث في حلب، فالصحفيون القليلون الذين ما زالوا موجودين هنا هم هدف يفضله المتمردون من القاعدة. فقد اختطف عشرون منا وهم في الأسر وليست هذه بالضبط ظروفا تُمكن من جمع معلومات بسهولة، لكن هذا سبب واحد فقط لصعوبة فهم ما يحدث هنا. وهناك سبب لا يقل اهمية وهو أنه حينما يحاول السوريون أن يجيبوا عن اسئلتك يقولون جملة أو جملة ونصف لكنهم آنذاك ينفجرون في بكاء مُر ويصرخون "لماذا؟"، فيصبحون فجأة هم السائلين ولا يزيدون كلمة اخرى، ويكونون يائسين تماما. إن الناجين من حلب يعانقونك ويبكون على كتفيك الى أن يأتي تفجير برميل المتفجرات التالي والى أن يسمع ضجيج "الدوشكات" القديمة.

 

السوريون وحيدون. فهم وحدهم، وحدهم تماما. في الاسبوع الماضي ظهروا في العناوين الصحفية مرة اخرى في العالم على إثر الانباء عن استعمال السلاح الكيميائي في ريف دمشق، لكن الاكثرين يقتلون بسلاح تقليدي، وهذا لا يهم أحدا. فقد 9 ملايين مواطن بيوتهم في المعارك "العادية" وهم نصف عدد السكان السوريين تقريبا. ويوجد 3.5 مليون انسان في اماكن يصعب مساعدتهم فيها بحسب تعريفات الامم المتحدة. وفي نهاية السنة وبسبب العسر المتزايد أصدر الأئمة فتوى تبيح للسكان أكل القطط والكلاب من اجل البقاء.

 

 إن الطعام الاساسي حاجة نادرة. وقد دخلت سوريا في الايام الاخيرة عدة قوافل انسانية لكن لا أحد في حلب حصل على شيء من المساعدة لا على أرز ولا سكر ولا حليب ولا شيء. ولا يرى هنا شيء مع ختم اجنبي من دولة اخرى. إلا اذا حظيت بأن تنضم الى مجموعة من المتمردين ولا يهم من أية منظمة، وحينها لن يعوزك الطعام ألبتة. أنظروا مثلا الى الاسلاميين ولا سيما اولئك الذين جاءوا الى هنا من اوروبا مع اللحية والآيباد. إنهم يمجدون في الفيس بوك القتال في سوريا ويقولون إن الحديث عن "جهاد خمسة نجوم"، ويعدون المجندين الجدد بأن الحال مترفة هنا لا كما هي في مالي حيث يوجد الرمل والكوليرا فقط.

 

ليس النقص في الطعام أمرا عارضا. ففي شباط اتخذ مجلس الامن قرارا يحظر التشويش على تدفق المساعدة الانسانية، لكن ذلك لم يؤثر في الاسد. فقد حظر الرئيس السوري دخول القوافل من الحدود التركية التي يسيطر عليها المتمردون، وهو يضطرها الى الدخول من منطقة الحدود الجنوبية. ويزيد ذلك بحسب ما تقول منظمة حقوق الانسان "هيومن رايتس ووتش" الخطر على القوافل عشرة أضعاف والتكاليف ايضا، لكن الخلاصة الاخيرة واضحة وهي أن 90 بالمئة من معدات المساعدة تبقى في المناطق التي تسيطر عليها الادارة السورية بسبب القيود التي فرضها الرئيس.

 

 يُبين الموالون للاسد أن الحظر يرمي الى تأمين سلامة العاملين في المساعدة. لكن العاملين في الصليب الاحمر يروون قصة مختلفة تقول إن النظام احتجز كثيرين من اولئك الذين حاولوا الوصول الى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون ونكل بهم. ومن جهة اخرى اختطف رجال القاعدة عددا من اولئك الذين نجحوا في الوصول وهكذا فانه لا أحد من الطرفين بريء.

 

وحتى لو وصلت المساعدة الى هدفها فليس من المؤكد أن يحسن ذلك الوضع كثيرا. "إن كيلو أرز لن يُحدث الفرق هنا، فنحن نموت على كل حال"، يقول لي أحد العاملين في الصليب الاحمر. لكن ليس الجميع مشاركين في هذا التشاؤم واعتقاد أنه ما عاد هناك داع للنضال عن الحياة. فقد انشأ الشباب في حلب هنا مؤخرا سرايا انقاذ في الاحياء مزودة بمشاعل وقفازات وخوذات بلاستيكية وجرافة واحدة. وبعد كل قصف بالبراميل يجرون للبحث عن مصابين بين الانقاض لتخليصهم. وتشمل كل سرية 30 عضوا لكن الاعداد تتغير من لحظة لاخرى لأن بعض المنقذين يصبحون ضحايا اذا ما ألقي برميل ثان وهم موجودون في مكان القصف.

 

والى أين ينقلون المصابين؟ هذه ايضا نقطة مؤلمة. فقد بقي في المدينة مستشفيان فقط كان احدهما يقصف في الوقت الذي كنت فيه أكتب هذه السطور بالضبط. وليس فيهما على كل حال لا ادوية ولا وسائل مساعدة أولية، "وحتى لو عالجوك فانك تعود فورا لتصبح تحت تهديد المروحيات"، تقول لي بنت ثقبت يدها اليسرى كلها بالشظايا، وأرادت الجريحة الصغيرة أن تعرض علي ايضا ذراعها اليمنى المصابة هي ايضا لكن انفجرت بالقرب منا قذيفة راجمة صواريخ فهربت البنت فورا.

 

وفي قلبها سور

 

كانت حلب في ايدي المتمردين. وفي ايلول تلقت القاعدة الزمام من منظمة اخرى. لكن حروبا لا هوادة فيها داخلية بين الفصائل المختلفة مهدت طريق الاسد للسيطرة من جديد على مساحة كبيرة من المدينة. وكان المتمردون يحاولون منذ كانون الاول الاخير ان يصدوا تقدمه وطرق الامداد بين دمشق وحلب، ويتابع المحللون التطورات كل يوم – من يتقدم ومن ينسحب – ساعة بعد اخرى.

 

والصحيح الى الآن أن حلب مقسمة الى قسمين. فأما الغرب ففي ايدي المتمردين وأما الشرق ففي أيدي النظام. لكن الحقيقة هي أنه لا داعي ألبتة للحديث عن سلطة هنا، فحلب ليست ارضا لأحد. وهي مكان أسير في أيدي عصابات مخالفة للقانون بذلت كامل جهدها في السلب والابتزاز لا في الحكم. وتغيرت المصطلحات بحسب ذلك ايضا فلم يعد المواطنون يحدثونك عن "مناطق حُررت" بل اصبح الحديث الآن فقط عن حلب الغربية وحلب الشرقية.

 

إن المكان الوحيد الذي يُذكر بالسلطة هو نقطة العبور كراج الحجاز الموجودة بين جزئي حلب. وهي مكان مغادرة وقت الحرب. ويحاول من فقد بيته أن يأتي الى هنا ليمر الى الجانب الشرقي وهو الجانب الذي لا تقصف المروحيات فيه. وهنا فقط يمكن كثيرين من غرب المدينة أن يحرزوا شيئا من لقمة العيش بواسطة التجارة بالفواكه واللحم والخضراوات. ولأن الاسعار في الشرق مرتفعة جدا يبيعون عند المعبر كيلو واحد لشراء اثنين في الجانب الآخر. بيد أنهم في القاعدة لا يحبون هذا الاتصال بين جزئي المدينة ويمطرون نار القناصة. وكانوا قد منعوا في البداية مرور الطعام بل انشأوا مؤخرا سورا في ذلك المكان.

 

من المتناقضات أن المكان الوحيد الذي لم يقصف بعد في حلب هو مقر قيادة القاعدة. وفي سائر الاماكن في سوريا ايضا تؤدي مقرات قيادة المنظمة عملها. وكان يفترض بصورة مبدئية أن تكون هي الاهداف المشروعة الوحيدة للنظام والوحيدة التي يمكن أن يُزعم ان ضربها لن يسبب ضررا بيئيا كبيرا بالسكان المدنيين، لكنها جميعا ما زالت قائمة على حالها. ويُبينون في المعارضة أن الاسد يفضل أن يكون هذا هو الوضع لأن نشاط القاعدة – وهي الشيطان الاكبر – يمنح حربه شرعية ما في العالم. فليست له مصلحة في القضاء على المنظمة بل في اصابتها اصابة طفيفة فقط.

 

هكذا هي الحال في حلب وليس المقاتلون هم الذين يعانون بل المدنيون المساكين الذين يعيشون بين الجثث التي لن تُجمع أبدا ويأملون ألا يقع القصف التالي على رؤوسهم. وليس عندهم الكثير مما يفعلونه هنا سوى أن ينتظروا الى أن يموتوا هم انفسهم.

 

انشر عبر