شريط الأخبار

مصالحة المأزومين!..ساري عرابي

10:30 - 29 تموز / أبريل 2014

بعض النقاشات التي دارت حول المصالحة بين فتح وحماس، قاربت هذه المصالحة من زاوية حكم السلطة وحسب، ويمكن أن ندرج في هذا الصنف من النقاشات كل تلك الحوارات التي تحدثت عن التداول السلمي على السلطة، والقبول بنتائج العملية الديمقراطية، والبحث فيما بعد المصالحة من حيث إمكان التنافس بين فتح وحماس على المؤسسات السلطوية المتعددة، أو إمكان اشتراكهما في قائمة انتخابية واحدة.

عناوين هذه النقاشات وتفاصيلها، تعطي انطباعًا وكأنها تدور في إطار دولة ناجزة، تبحث قواها المجتمعية عن الحلول الأمثل لإدارة السلطة، وكأن الخلاف انحصر فقط في أشكال وأدوات تداول الحكم، لأن هذه الدولة قد أنجزت مشروعها التحرري، وفلسفتها ورؤيتها لنفسها والعالم، ونهضت ببنية مستقلة عن الاحتلال السابق! بحيث يصير الخلاف حول التداول على السلطة غاية في الشكلانية والبساطة!

حتى بعض تلك النقاشات التي تقرأ المصالحة على ضوء أزمتي فتح وحماس، فإنها لا تلبث أن تقفز إلى مناقشة مسألة الحكم وكأن المشكلة بين هذين الفصيلين قد اقتصرت على هذه المسألة، وكأن المشروع التحرري لم يعد قائمًا، ولا حتى في صيغه الدنيا!

أما أزمة فتح، فهي في بلوغ مفاوضاتها حائطًا مسدودًا وصلبًا كان يراه المبصرون منذ طرح مشروع الحل المرحلي في صيغه الأولى في بداية السبعينات من القرن الماضي، وعلى الأرجح فإن فتح وقيادتها قد أدركت قبل وقت طويل أن المفاوضات قد صارت غاية في ذاتها، وأن مشروع السلطة لا يمكن أن يتحول إلى دولة مستقلة قائمة مكتفية بذاتها على كامل ما احتل من فلسطين عام 67 وعاصمتها القدس ما استمرت الظروف الدولية والإقليمية على حالها، وفي أحسن الأحوال فإن الممكن الأعظم الذي قد يتيحه الاحتلال هو في استبدال اسم الدولة باسم السلطة مع بقاء المسمى كما هو! إلا أن الاستمرار في هذا الواقع لم يعد ممكنًا بنفس السهولة التي اعتادتها فتح، ومن هنا بدت المصالحة فكرة جيدة لفتح ولبعض الدول الإقليمية والدولية للتغطية على هذا الأزمة في سبيل استمرار هذه السلطة.

وأما أزمة حركة حماس فتتمثلت بانحصارها تنظيميًا في قطاع غزة بعدما تمكن التنسيق الأمني في الضفة الغربية من ضرب بنى الحركة التنظيمية وشل قدرتها تمامًا، إضافة إلى اعتبارات موضوعية وذاتية أخرى كانت تدفع بتضخيم الإقليم الغزي في حركة حماس على نحو لم يكن يراعي طبيعة الصراع الوجودي مع العدو، وانفتاح هذا الصراع - وفي ظل وضع إقليمي غير مستقر- على احتمالات بالغة الخطورة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يسمح لحركة مقاومة بأن تركز مختارة وجودها في مكان واحد، مطمئنة إلى قوتها المستجدة وتحولات إقليمية عابرة تعاملت معها الحركة وكأنها مقيمة.

 وإذا كان الإقليم الغزي في الحركة قد استفاد من ذلك منفردًا بالصورة التي قاربت من مطابقة الحركة وسياساتها على مقاسه، فإن إقليم الحركة في الخارج ذهبت محاولته للاستفادة من التحولات الإقليمية إلى الحد الذي أفقد الحركة تحالفاتها السابقة، ولم يمهلها لتشكيل تحالفات جديدة على أساس دعم المقاومة، بعدما استعجل الانقلاب في مصر إسقاط حكم الدكتور محمد مرسي، حتى كادت أن تقتصر تحالفات الحركة الإقليمية مع دولتين (قطر وتركيا) لا يمكن اعتبارهما منسجمتين بالقدر المطلوب مع طبيعة الحركة المقاومة لأسباب معروفة ويطول شرحها.

 وهذا التصوير المختصر وغير الوافي لأزمة الحركة، جعل من التخلص من حكم غزة في هذه الفترة، بعد الحصار الوحشي المطبق الذي فرضته عليها سلطات الانقلاب في مصر، هو الممكن الوحيد، لأن في انهيار هذا الحكم بفعل الحصار ضربة لكامل الحركة التي تعلقت بحكم من ظروفها في الضفة والخارج بوجود الحركة في غزة.

إلا أن هذه الأزمات كلها، بشكلها الحالي، نتاج وجود السلطة أساسًا، وهي السلطة التي نتجت عن طرح الدولة أمام مشروع التحرر الوطني، أي فتح الباب للمساومة مع العدو قبل اكتمال مشروع التحرير، فتحولت القضية من مشروع تحرر إلى البحث عن دولة كي تقودها نخبة فلسطينية، وفي حال وجدت الدولة، أو أي كيان ذو طابع دولاتي، حتى لو لم ينجز المشروع التحرري، فإن القضية تكون قد أنجرت، لأنها تحولت من مشروع شعب وأرض، إلى مشروع نخبة وجدت ضالتها أخيرًا!  

صار قيام السلطة الفلسطينية أمرًا واقعًا، وتكرس كعقبة ثورية، امتحن حركة حماس بقسوة، عبرته الحركة نازفة حتى أنقذتها انتفاضة الأقصى التي أعادت لها عافيتها، وبعد أكثر من عشر سنوات من المعاناة دخلت حماس مشروع السلطة، لمنع هذه السلطة من الانحدار أكثر بالقضية تحت شعار (الشرعية وصندوق الانتخابات)، ولمنعها من المس بمكتسبات المقاومة التي تحصلت في انتفاضة الأقصى متركزة في قطاع غزة، وهو اعتبار يمكن تفهمه وتلمس الوجاهة فيه، وإن لم يكن هذا وحده كافيًا لاعتبار الدخول في السلطة خيارًا صائبًا، ورفعت الحركة شعار (يد تبني ويد تقاوم)، وهي وإذ عجزت عن البناء والمقاومة في الضفة لأسباب لا ينبغي أن تحتاج شرحًا، فإنها على الأقل تمكنت طوال سنوات حكمها في قطاع غزة من مراكمة قدرات قتالية وأمنية ولوجستية عالية بالنسبة إلى ظروفها كحركة مقاومة محاصرة، ولم تكتف بذلك إذ خاضت عدة مواجهات وحروب كتفًا إلى كتف مع بقية فصائل المقاومة التي وفرت حماسُ لها بيئة مريحة للتدريب والإعداد، وهي إنجازات لا ينكرها إلا جاحد، إلا أنها أيضًا ليست كافية لاعتبار خوض هذه التجربة خيارًا صائبًا، إذ أن دراسة هذه التجربة الطويلة بمآلاتها الراهنة لا تختزل في جانب واحد من الاعتبارات والنجاحات يجري التركيز عليها وإهمال غيرها.

ومع أن أي حركة مقاومة، عرضة لأزمات قاسية قد تعصف باستقرارها التنظيمي وقدراتها الميدانية ومكانتها السياسية، لأن هذا من المقتضيات البدهية للصراع مع الاحتلال المدجج الغاشم، فإن الأزمات الراهنة لكل من فتح وحماس هي نتاج السلطة التي خلقتها فتح، والتي شاركت فيها حماس لاحقًا بصفتها حركة مقاومة، وهو الأمر الذي لا يصلح تجاوزه في أي نقاش، وهي أزمات لم تكن غائبة عن وعي حماس القَبْلي، أي قبل المشاركة في الانتخابات، على الأقل لدى بعض دوائرها وصناع القرار وأصحاب الرأي فيها، فليس صحيحًا أن الحركة تفاجأت بالنتيجة وتداعيات الفوز وتشكيل الحكومة على النحو الذي يجري تصويره حتى من طرف حماس نفسها.

وطالما أن الأزمة أساسًا في تقديم الدولة على التحرير، وفي وجود السلطة، وفي بنية حركة فتح، ثم في اختيارات حركة حماس التنظيمية والسياسية، والتي أفضت إلى أزمات حماس التنظيمية والسياسية، فإن الواجب على هذه الفصائل، وعلى كوادرها ومناصريها، مناقشة جوهر هذه الأزمات، أي تقديم مقاربة وطنية نضالية بخصوص كيان السلطة الفلسطينية، وهو ما لا يظهر حتى الآن من اتفاق المصالحة، ولا يبدو أن إنجاز هكذا مقاربة سهل طالما أن الأمر لا يتعلق بحماس وحدها، ولكن أساسًا بفتح التي تماهت مع مشروع السلطة، إذ أن المصالحة في أحسن أحوالها تبدو وكأنها حل لمشكلة حصلت في غزة، ثم ترتيب لإعادة تدوير المشكلة، أي ترتيب للانتخابات وللتنافس على قيادة السلطة من جديد، بمعنى أننا سنكون إزاء إشكال جديد بين الفصيلين، بصرف النظر عن الفائز، إلا إذا تنازل أحد الطرفين عن برنامجه.

وفيما يخص الأزمة الذاتية لكل من فتح وحماس، ولأن كل المحاولات الإصلاحية أو الاحتجاجية في فتح آلت إلى نتائج بائسة دائمًا، ومأساوية في بعض الأحيان، فإن المعول على حركة حماس التي بقيت أكثر تماسكًا، وأقل تعرضًا لآفات الاستزلام والانتفاع وصراعات مراكز النفوذ والإقليمية، وأبعد عن الخضوع لإكراهات الواقع ودور السلطة الوظيفي، في أن تجري مراجعات واسعة، جادة وصادقة وجريئة، تستدرك فيها على كل اختياراتها طوال الفترة الماضية، سواء فيما تعلق بأوضاعها التنظيمية الداخلية، أو في مواقفها وعلاقاتها الإقليمية، أو في تجربة الدخول في السلطة منذ لحظة قرار المشاركة في الانتخابات إلى تشكيل الحكومة وإجراء المصالحة، وقوفًا عند عجزها في الضفة، وتدهور مكانة إقليمها الخارجي، وضعف بنيتها المؤسسية، وأن تضع النقاط على الحروف من حيث حجم الدور الذاتي بالنسبة للظرف الموضوعي في هذه الإخفاقات، وتحمل كل طرف فيها مسؤوليته عما دفع نحوه من اختيارات ومواقف تنظيمية وسياسية.

هذه المراجعة متصلة بالضرورة، بخيارات حماس ما بعد المصالحة، لأن المشكلة الجوهرية البنوية المتمثلة بالسلطة ودورها الوظيفي، وموقعها الدولي والإقليمي، لم تحل، ولا يبدو أنها خاضعة لنقاش جدي، ما يفتح الباب على صراع جديد في حال أجريت الانتخابات، سواء فازت حماس فيها أو لم تفز، شاركت أو قاطعت، إلا إذا قدمت تنازلات كافية سبق لها الصمود في وجهها طوال السنوات الماضية.

يبدو أن هذه المصالحة هي المتاح في ظل الأزمة الوطنية العامة، وأزمة كل من الفصيلين، ولا شك أن ترميم الشرخ المجتمعي الذي نجم عن الانقسام مطلب في حد ذاته، وكذلك تخليص حماس من أزمة الحكم في غزة والتي استحكمت من بعد الانقلاب في مصر، لكن هذا لا يعني أنها بشكلها الحالي، أي المصالحة، هي الحل الأحسن، ما يوجب مساءلة عن الأسباب الذاتية التي آلت بنا إلي هذا الممكن الوحيد، ويفرض على حماس العمل على نقل المصالحة واقاعًا وفعلاً من أن تكون حلاً لمشكلة حصلت في غزة، إلى إنهاء آثار الانقسام في الضفة أيضًا، فحتى لو لم تكن ممارسات السلطة، أصلاً، في الضفة ناشئة عن الانقسام، فإن تداعيات هذا الانقسام طالت الضفة وبقسوة بالغة.

انشر عبر