شريط الأخبار

قراءة اسرائيلية للأحداث في سوريا ومصر وتأثيراتها على دولة الكيان

09:05 - 10 تموز / أبريل 2014

أطلس للدراسات

مراكز الأبحاث والدراسات ذات العلاقة بالجهات الأمنية والسياسية في دولة الكيان تسخر جهوداً كبيرة وتتابع عن كثب ما يحدث في المنطقة العربية والاسلامية من تطورات وتبدلات في ضوء حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، وتقدم قراءات وتحليلات معمقة لكافة التطورات الحاصلة والمتلاحقة، واستشراف مختلف السيناريوهات المستقبلية لمساعدة صانعي القرار في تقديم الرؤى وطرح الخيارات وصياغة التوجهات السياسية والامنية للتعامل مع مختلف المفاجئات المتوقعة.

هنا سنتوقف مع خلاصة بحثين معمقين صدرا حديثاً: الاولى بعنوان "سوريا – حرب أهلية بلا حسم" لكل من شلومو بروم، بنديتا بيرتي ومارك هيلر، والأخرى بعنوان "التحولات في مصر" لأفرايم كام، وجميعهم من الباحثين المتخصصين في مركز دراسات الامن القومي. الدراسة الاولى تحاول استشراف مآلات الحرب الداخلية الجارية في سوريا وتأثيراتها في إسرائيل، أما الثانية فقد قدمت قراءة معمقة ومنهجية للتحولات الجارية في مصر وأثرها على العلاقة مع اسرائيل. نحن هنا سنتوقف عن الجزء الأخير من كل دراسة، المتعلق بالتأثيرات على إسرائيل.

 

سيناريوهات الحرب في سوريا وتأثيراتها في إسرائيل

كلما طال أمد الحرب الاهلية ستضعف قدرة سوريا، وحتى قبل الحرب لم يكن لسوريا قدرة على الدخول في مواجهة مباشرة مع اسرائيل. ومن جهة أخرى يلحظ ضعف سيطرة النظام على أجزاء واسعة من أراضي الدولة، وسيادة الفوضى بالقرب من حدود هضبة الجولان، حيث تعمل مجموعات متمردين بعضها جهادية سلفية ولها ايديولوجية معادية لإسرائيل شديدة، ومن الممكن أن توجه سلاحها على اسرائيل، لمحاولة جرها في الحرب الأهلية.

استخدام النظام للسلاح الكيماوي شهادة على ضعف وعيه لأن هذا مكن من تجريده من هذا السلاح، وهو أمر ذو أهمية كبيرة لإسرائيل، ومع هذا فإن الفوضى في سوريا تزيد من مخاطر انتقال سلاح متقدم آخر الى مجموعات متطرفة تشكل تهديداً لإسرائيل، كحزب الله أو مجموعات جهادية من صفوف المعارضة، وسيكون لانتقال سلاح كيميائي معنى خطير جداً، بل قد ينتقل سلاح بيولوجي إلى هذه الجماعات.

 قد تتعب الأطراف المتحاربة في سوريا على مر الزمن وتدفع الى محادثات تفضي الى تغيير نظام بصورة تطورية في الدولة. لكن احتمال التطور في هذا الاتجاه في السنة القريبة قليل جداً، وذلك بسبب الطبيعة الطائفية والجهادية المتزايدة للمواجهة العسكرية، ولأن كل واحد من الطرفين سيكون مستعداً لمحادثة الآخر حينما تكون يده هي العليا ولا يكون للطرف المقابل خيار سوى الاستسلام.

الافتراض الأقوى أن الحرب الاهلية ستطول زمناً طويلاً، وأن يبقى احتمال تدخل خارجي يرجح الكفة الى هنا أو هناك ضئيلاً، ولذلك سيتحقق واحد من سيناريوهات أربعة ليس من الممكن تقدير احتمالها النسبي:

1. سيناريو الصومال: وهو أن تستمر الحرب الأهلية دون نهاية واضحة، وتفضي بسوريا الى واقع فوضى دولة فاشلة.

2. سيناريو "سايكس بيكو": أن تنحل سوريا لعدد من الدول الصغيرة هي دولة علوية في محور دمشق – المنطقة الساحلية؛ ودولة سنية في الشمال والجنوب والشرق؛ ودولة كردية في شمال شرق سوريا.

3. انتصار النظام بعد حرب استنزاف تدوم عدة سنوات.

4. انتصار المتمردين بعد حرب استنزاف تدوم عدة سنوات.

وسيكون لكل واحد من هذه السيناريوهات الاربعة آثار على إسرائيل، وليست كلها مهددة وسلبية بالضرورة.

إن تحقق "سيناريو الصومال" سيزيد من التهديدات لإسرائيل، وبخاصة من قبل مجموعات غير متحكم بها؛ فمن جهة ستختفي تماماً تقريبا قدرة سوريا الدولة على محاربة اسرائيل، ومن جهة أخرى ستقوى التهديدات الأخرى من قبل لاعبين ليسوا دولاً ويقوى احتمال سقوط سلاح متقدم في أيديها.

وفي إطار "سايكس بيكو" سينشأ واقع مريح لإسرائيل وسيكون في كل دولة صغيرة سلطة مركزية تستطيع اسرائيل أن تحصر سياستها فيها، ومن جهة ثانية ستكون كل واحدة من هذه الدويلات ضعيفة ولن تستطيع أن تهدد إسرائيل، بل يمكن أن تستطيع اسرائيل بناء علاقات طيبة بعدد منها.

ستبقى سوريا ضعيفة زمناً طويلاً حتى لو انتصر النظام بعد سنوات قتال، ولهذا لن ينشأ تهديد عسكري مباشر لإسرائيل، وإلى ذلك سيتضاءل في هذا السيناريو إمكان وقوع وسائل قتالية في أيدي مجموعات غير متحكم ترى اسرائيل عدواً، ولهذا يفترض أن تكون عودة سلطة مركزية الى سوريا صالحة لإسرائيل، ويتوقع أن يكون في هذا السيناريو أيضاً آثار سلبية على إسرائيل، وفي الصعيد الاقليمي أيضاً لأن انتصار النظام سيرى أنه انتصار لمحور المقاومة الذي تقوده إيران، بل إن تعلق النظام السوري بإيران وحزب الله سيقوى قياساً بالسنوات التي سبقت الحرب الأهلية.

وسينشيء انتصار المتمردين دولة سورية ضعيفة لها سلطة سنية، ولن تكون هذه الدولة تهديداً عسكريا من دولة لإسرائيل، ومن المحتمل إلى ذلك أن يضعف في هذا السيناريو المحور الذي تقوده إيران لأن النظام السوري الجديد سيكون عدواً لإيران وحزب الله لتأييدهما نظام الأسد، لكن من الممكن أن تُمكن سوريا آنذاك لمجموعات ارهابية معادية لإسرائيل أن تعمل من ارضها، ولا سيما إذا أصبح النظام الجديد اسلامياً وضمت اليه عناصر سلفية.

اختارت حكومة إسرائيل الى الآن سياسة الامتناع عن التدخل فيما يجري في سوريا، ويوجد منطق كبير في هذه السياسة لأن لإسرائيل في الحقيقة قوة كبيرة على التأثير فيما يجري في سوريا، لكن ليس من الممكن أن تتحكم بنتائج تدخلها، ولهذا يفضل عدم التدخل، ولا سيما في وضع أكثر السيناريوهات المحتملة فيه لها معاني سلبية بالنسبة لإسرائيل، وينبغي الحفاظ في ضمن ذلك على سياسة تصريح حذرة لمحاولة منع نشوء تصور تدخل اسرائيلي.

أحدث الوضع في سوريا تهديدات تجب مواجهتها، وعلى اسرائيل أن تستعد أيضاً لتهديدات أخرى قد تنشأ في السيناريوهات المستقبلية، إن ازدياد تهديدات الأمن الجاري يوجب تقوية النظام الدفاعي في هضبة الجولان وقد استعملت خطوات في هذا الاتجاه من قبل، ويطلب الاستعداد أيضاً لإمكانية وقوع سلاح متقدم في أيدي جهات معادية لإسرائيل، وقد وضعت إسرائيل أمام النظام السوري خطوطاً حمراء واضحة تتعلق بنقل سلاح متقدم الى حزب الله؛ وكان عدد من الهجمات الجوية نفذت في سوريا ونسبت إلى اسرائيل كما يبدو رداً على تجاوز هذه الخطوط الحمراء.

لكن ثمة حاجة الى الاستمرار على تطوير خطوط عمل تتعلق باحتمال وقوع سلاح متقدم، ومنه سلاح كيميائي، في أيدي مجموعات متمردين سنية ذات أيديولوجية معادية لإسرائيل متطرفة، ويجب أن تكون اسرائيل مستعدة لتدخل عسكري محدود ومؤقت في داخل سوريا رداً على نشوء أوضاع كهذه.

وتقلق هذه السيناريوهات أيضاً الولايات المتحدة وجهات غربية أخرى، فثمة حاجة إلى انشاء حوار معها في هذه الشؤون، بل الى السعي الى صوغ خطط عمل مشتركة.

وفي مقابل ذلك؛ تتيح السيناريوهات المختلفة فرصاً لإسرائيل أيضاً؛ فضعف سوريا العسكري يمكن إسرائيل من أن تجعل لحرب شاملة مع سوريا احتمالاً منخفضاً جداً في السنوات القريبة على الأقل، وأن تستغل الموارد لإجراء إصلاحات ضرورية في الجيش وأن تأخذ ذلك في الحسبان في تقديرات بناء الموازنة الوطنية العامة، وكذلك تستطيع اسرائيل أن تستغل الوضع لبناء جسر وأساس للتحادث مع عدد من اللاعبين الجدد في الساحة السورية، وحتى بين المتمردين كالطائفة الكردية في سوريا مثلاً التي ليس لها ما يدعوها الى معاداة اسرائيل بصورة جوهرية.

الوضع في سوريا ينشيء أساساً لتعاون أقوى بين اسرائيل ودول في الشرق الأوسط، منها تركيا (مع كل صعاب إعادة التطبيع مع إدارة أردوغان)، ودول أخرى تحاذي سوريا ودول الخليج أيضاً، وتستطيع اسرائيل أن تساعد الأردن على مواجهة الآثار الباهظة للحرب الأهلية في سوريا، وأن تضيف بذلك لبنة أخرى للعلاقات الاستراتيجية بها.

 

التحولات في مصر وأثرها على العلاقة مع اسرائيل

إن حكم الاخوان المسلمين في الحقيقة لم يفض الى تغييرات جوهرية وإلى إساءة كبيرة للعلاقات بين مصر واسرائيل، لكنه قام في أساس هذه العلاقات موقف أساسي للمنظمة معادٍ لإسرائيل، وهي التي رفض عدد من قادتها حقها في الوجود ورأوها عدواً وضاءلوا العلاقات بها الى أدنى قدر تتطلبه مصالح مصر، ولا سيما في مجال التنسيق العسكري.

إن الانقلاب في مصر لم يجلب الى الحكم محبي إسرائيل، لكنه أبعد عنها أولئك الذين تحفظوا من العلاقة بها لأسباب أيديولوجية، ويعرف الجيش الفائدة التي يأتي بها لمصر توثيق التعاون والتنسيق مع اسرائيل، وطرأ توسيع على رؤية المصالح المشتركة بين الدولتين ولا سيما في المجال الأمني، وكانت النتيجة أن إسرائيل تحاول أن تساعد مصر على تعزيز سيطرتها في سيناء، ويشمل ذلك موافقتها على توسيع الوجود العسكري المصري في سيناء على نحو يتجاوز ما تقرر في اتفاق السلام.

وعلى حسب أنباء منشورة واضحة فقد ساعدت اسرائيل في النشاط العسكري المصري في سيناء في مواجهة بؤر الجهاديين، وفي صعيد آخر تحاول اسرائيل أن تساعد على تفهم وجهة النظر المصرية في واشنطن لمنع المس بعلاقات النظام المصري الجديد بالولايات المتحدة، ولا شك في الحاصل العام أن اسرائيل واحدة من الرابحات الرئيسة من تغيير النظام في مصر.

انشر عبر