شريط الأخبار

اوباما في لقاء مع السعودية:مثل فقير على الباب - اسرائيل اليوم

05:37 - 04 تموز / أبريل 2014

بقلم: البروفيسور ابراهام بن تسفي

 (المضمون: التقى براك اوباما عبد الله ملك السعودية وجاء بوعود كثيرة شهدت أكثر من كل شيء على فشل زعامة رئيس الولايات المتحدة المستمر - المصدر).

 

          قبل 69 سنة، في 14 شباط 1945، أجرى الرئيس المريض فرانكلين روزفلت واحدا من آخر لقاءاته السياسية في اطار "قمة الثلاثة الكبار"، التي عقدت في يالطا في شبه جزيرة القرم.

 

          وأصبح ذلك اللقاء الذي تم على متن المدمرة "كوينسي" في البحيرة المرة في مصر، أصبح رمزا ذا معنى تاريخي لا بسبب الشراكة الاستراتيجية التي صيغت فيه بين الرئيس الذاوي والملك السعودي إبن سعود فقط. كان المعنى الرئيس للقاء بين روزفلت وابن سعود يكمن في استخذاء امريكي غير مفهوم للحاكم السعودي نقش عميقا في ذاكرة الأمة الجماعية. والصورة الرسمية للقمة هي التي تحسن أن تشير أكثر من كل شيء الى نوع العلاقات التي شُكلت وصيغت بين واشنطن والرياض.

 

          في تلك الصورة يبدو المفوض الامريكي في العاصمة السعودية، كولونيل قوات الانزال البحري وليام إيدي وهو يركع عند أقدام الملك السعودي (الغارق في مقعده مبتسما مستريحا)، وكل سحنته تدل على المهانة والاستسلام. فلا شك أنه يوجد أمامنا تعبير نقي خالص عن استراتيجية المراودة الامريكية لارادة العربية السعودية الخيرة حتى منذ الايام الاولى. وستصبح هذه المراودة بعد ذلك سمة واضحة للدبلوماسية الامريكية في هذه المنطقة.

 

          وقد اشتمل اللقاء مع الصورة ايضا – وهو الذي كان بمبادرة الرئيس الامريكي – على قضية مصير ومستقبل الشعب الذي نجا من معسكرات الموت النازية. فبعد صمت البيت الابيض الهادر في اثناء الحرب الذي سيصم فترة رئاسة روزفلت وصمة لا تُمحى، صحا روزفلت آخر الامر ليقوم بعملية وطلب دعم الملك السعودي لاقتراح انشاء دولة يهودية في ارض اسرائيل. ورد إبن سعود على نحو أدهش روزفلت بهجوم شديد على الشعب اليهودي. فقد أعلن في ضمن ما أعلن أنهم يفضلون الموت على أن يفقدوا ارضهم لليهود. وكان "الحل" الوحيد الذي اقترحه الحاكم السعودي بأدبه الجم أن يُسكن اللاجئون والمقتلعون اليهود في دول المحور العلماني – الايطالي بعد انتهاء المعارك. وعلى كل حال بقيت ارض اسرائيل خارج مجال التفكير من وجهة نظر إبن سعود.

 

       رفض سعودي لاجراء يبني الثقة

 

          مرت سبعة عقود تقريبا منذ كانت تلك القمة السريالية على متن "كوينسي"، وشهدنا مرة اخرى ركوعا – وإن يكن مجازيا هذه المرة – لرئيس امريكي هو براك اوباما أمام ملك سعودي هو عبد الله. برغم أن الشريك السعودي كان يطعم راعيه الامريكي المُرار منذ خمسينيات القرن الماضي (قيادة قطيعة النفط مع الغرب خلال حرب يوم الغفران؛ وعدم الاستعداد للتعاون مع السلطات الامريكية على محاربة الارهاب الاسلامي؛ والرفض المستمر لاصدار تأشيرات دخول لمواطنين امريكيين من أصل يهودي)، ووجد الراعي الامريكي نفسه مرة بعد اخرى في موقع الدفاع عن النفس في وجه الرياض.

 

          من الساخر أن الشيء الذي برز بروزا خاصا في اللقاء بين اوباما وعبد الله كان على الخصوص الرسالة التي لم ينقلها ساكن البيت الابيض فيه. فقد بقي العدوان المستمر على حقوق الانسان (وعدم وجود حرية دينية وسياسية) من قبل السلطات السعودية، بقي خارج اعمال القمة برغم أن الرئيس الليبرالي يتمدح على الدوام – حتى لو كان ذلك في مستوى الخطابة – بحساسيته بذلك الموضوع الذي عبر عنه في خطبه أكثر من مرة.

 

          حينما تقوم في مركز التفكير الرئاسي مصالح استراتيجية واقتصادية (برغم أن تعلق الولايات المتحدة بالنفط السعودي أخذ يقل)، فلماذا يُحرج المضيف السعودي بالحديث عن خلفية اخلاقية وتُعكر بذلك العلاقات المشحونة أصلا بين الشريكين. وعم يُتحدث؟ تتعلق دعاوى الرياض بأن واشنطن تخلت في واقع الامر عن المحور السني المعتدل في حين توحي بالتردد والضعف والميل الى تمايز خطير. ومع ذلك وبرغم أنه لا اعتراض على أن الرئيس اوباما أظهر ضعفا باحجامه عن مد يد المساعدة الحقيقي للنواة الموالية للغرب في معسكر المتمردين على نظام الاسد، ينبغي أن نذكر أن مملكة النفط هي التي شوشت على الخطة الاقليمية الاولى التي صاغتها الادارة في 2009.

 

          تذكرون أن سياسة البيت الابيض الابتدائية كانت تقوم على الطموح الى انشاء حلف سني وثيق في الشرق الاوسط يعمل على صد ايران ومنع نشوء فراغ خطير في الخليج في الفترة التي تلي الانسحاب الامريكي من العراق. وإن استعداد اسرائيل لتجميد البناء في المستوطنات مدة عشرة أشهر كان يفترض من وجهة نظر اوباما أن يكون حافزا ضروريا للاعبات مركزيات في المنطقة كالعربية السعودية. وأمل بذلك أن يُزاد في عمق علاقتهم بواشنطن. كان يفترض أن يفسروا تجميد البناء بأنه شهادة على قدرة الادارة الامريكية على استعمال ضغط فعال على اسرائيل والتقدم نحو تسوية في الصعيد الفلسطيني. لكن تبين سريعا أن قرار التجميد لم يسهم في تحقيق رؤيا منظومة الصد العربية (على صورة "حلف بغداد" في خمسينيات القرن الماضي). فقد رفضت المملكة السعودية تأييد الخطة الجديدة (التي طمح اوباما الى أن تكون لبنة مركزية في نطاق خططه الاقليمية). إن الرياض اذا مصممة على رفضها تنفيذ اجراء يبني ثقة ما مع اسرائيل وتهاوت الخطة سريعا الى هاوية نسيان الربيع العربي.

 

          وفي نهاية الامر، وحتى لو كان من الممكن أن نتفهم قلق العربية السعودية بازاء زيادة قوة المعسكر الاصولي المؤيد لايران، وبازاء ما يبدو أنه مسار انسحاب امريكي من المجال الدولي (والذي يشكل تهديدا استراتيجيا للاستقرار والنظام في ساحة الخليج)، يصعب أن نتفهم وقوف زعيم القوة العظمى الامريكية مثل فقير على الباب أمام الملك السعودي العجوز الغاضب.

 

          وعد الرئيس في جملة ما وعد بأن يزيد المساعدة السرية للقسم الموالي للغرب من المتمردين في سوريا، بل وعد بأن يمدهم بمنظومات دفاع جوي. وأضيف الى ذلك التزامه الذي لا لبس فيه بأن يدير التفاوض في التسوية النهائية للقضية الايرانية في صرامة وذلك دون أن يتجاهل لحظة واحدة مواقف الرياض الانتقادية في هذا الشأن ومخاوفها من تحسن مكانة ايران الاستراتيجية وتحولها الى دولة على شفا القدرة الذرية المهددة.

 

          ولم يبق في هذه المرحلة سوى أن ننتظر لنرى هل سيكون مصير هذه الوعود كمصير الالتزام الامريكي باستعمال القوة العسكرية في مواجهة الرئيس الاسد بعد أن تجاوز الخط الاحمر في صعيد السلاح الكيميائي؛ وهل سيستمر مسار تهاوي العصر الامريكي؛ وماذا ستكون تأثيراته في اللاعبات المركزيات في منطقة الشرق الاوسط وفي مقدمتها العربية السعودية ومصر؟.

 

انشر عبر