شريط الأخبار

كُشف وجه طهران الحقيقي.. اسرائيل اليوم

03:19 - 07 تموز / مارس 2014

بقلم: يوآف ليمور

          (المضمون: ما زالت الادارة الايرانية تسلح أعداء اسرائيل بسلاح يرمي الى تهديد ملايين الاسرائيليين؛ وما زالت اسرائيل تبحث عن دليل دامغ يُبين أن ايران ما زالت تشتغل بتهريب وسائل القتال والارهاب - المصدر).

 

          كان من الصعب تفويت تنفس الصعداء الذي سُمع في مقر قيادة السيطرة البحرية منذ أن جاء بلاغ أنه وجدت قذائف صاروخية في السفينة التي تم ضبطها في عرض البحر. فقد تلخصت شهور عمل في ثانية واحدة سجلت فيها اسرائيل لنفسها انجازا آخر في المعركة التي لا نهاية لها التي تجري تحت الارض لمواجهة الارهاب.

 

          قبل ذلك ببضعة ايام حضرت القيادة العليا للجيش الاسرائيلي عند رئيس الوزراء. وكانت العملية في ذروتها وكان يُتناقش في قرار هل تُرسل القوة البحرية من ايلات الى الجنوب الى عمق البحر الاحمر للهجوم على السفينة المشتبه بها. في الماضي هاجمت قوات من الوحدة البحرية سفنا مشابهة وعادت احيانا بأيد فارغة. وأضيف الى ذلك ايضا المخاوف الطبيعية التي نبعت من المسافة البعيدة عن سواحل اسرائيل التي سيتم فيها اللقاء، ومن الصعوبات الموضوعية التي تنبع من الابحار في مسار ضيق غريب يشمل لقاءات غير مرغوب فيها مع جهات اجنبية بعضها معادٍ.

 

          وأزال رئيس "أمان" أفيف كوخافي علامات السؤال وقد أوضح أن الاستخبارات تملك معلومات وثيقة عن أن السفينة المريبة فيها صواريخ متجهة الى غزة. وأُعطيت الموافقة بعد ذلك وخرجت سفينتا صواريخ لسلاح البحرية – وعليهما قوات ووسائل قتالية للوحدة البحرية 13 – نحو الجنوب على مبعدة عدة ايام إبحار، الى نقطة اللقاء التي خطط لها مسبقا جنوبي الميناء الذي تقصد اليه سفينة السلاح في بورت  سودان. وقد عمل الجيش الاسرائيلي في الماضي في مثل هذه المسافات في عدد قليل جدا من الحالات، ومن المؤكد أنه يحتاج في عملية جد معقدة الى تغطية جوية واسعة والى قوات تخليص والى الكثير من منظومات القيادة والسيطرة والاتصال.

 

          كان هذا النشاط هو الجزء الاصعب من العملية، فقد كان الاستيلاء نفسه سهلا وسريعا. في الساعة الخامسة والنصف صباحا دعت قوة الوحدة البحرية السفينة المشتبه بها فأسرع الضابط المناوب الى ايقاظ الربان الذي كان ينام في غرفته. وحينما صعد الى متن السفينة تبين للربان أنه محاط به فقد كانت عن جانبي السفينة سفن الصواريخ، وكانت القوارب الحربية للوحدة البحرية ملاصقة لجوانب السفينة وكانت مروحية تحلق في أعلى. وأدرك الربان فورا أنه لا أمل له فأمر رجاله بتمكين مقاتلي الوحدة البحرية من الصعود الى متن السفينة.

 

          وجُمع كل رجال الفريق وساءلهم ناس الوحدة 504 من الجيش الاسرائيلي وفي موازاة ذلك بدأ فريق من الوحدة البحرية تفتيش الحاويات. وتبين بعد وقت قصير أن يقين رئيس "أمان" كان حقا فقد وجد في عدد من الحاويات قذائف صاروخية من طراز إم 302 يبلغ مداها 90 كم. وسيتبين العدد الدقيق للقذائف الصاروخية في يوم الاحد فقط بعد أن ترسو السفينة في ميناء ايلات وتُفتح جميع الحاولات وتُفحص، لكن كانت القوة تقدر وذلك صحيح الى أمس أن الحاولات فيها نحو من 30 قذيفة صاروخية من صنع سوري.

 

       وراء هجوم الابتسامات

 

          في اسرائيل يعرفون هذه القذائف الصاروخية جيدا لا من التقارير الاستخبارية والمهنية فقط. فقد أطلقت ثلاث قذائف كهذه على اسرائيل في حرب لبنان الثانية وقعت واحدة منها بالقرب من الخضيرة، والثانية في متنزه العلوم جنوبي حيفا والثالثة (التي لم تنفجر) في العفولة. والحديث عن قذائف صاروخية ثقيلة نسبيا لكل واحدة منها رأس حربي يزن نحوا من 150 كغم. ويملك حزب الله آلاف القذائف كهذه وطلبت المنظمات الارهابية في غزة التسلح بها لادخال ملايين آخرين من الاسرائيليين – في غوش دان والقدس وفي ديمونة ايضا – في مدى الاصابة في المعركة القادمة.

 

          إن حماس والجهاد الاسلامي مشغولان في الحقيقة ايضا بانتاج ذاتي لقذائف صاروخية من طراز إم 75 وباطالة مداها، لكن الحديث عن قذائف صاروخية اصغر كثيرا، و"استيراد" قذائف صاروخية معيارية محسنة كان يفترض أن يحسن كثيرا ردعهما وفتكهما في مواجهة اسرائيل.

 

          إن التي وقفت وراء مشروع التسلح هذا كما هي الحال دائما هي "قوة القدس" من حرس الثورة الايراني. فطهران مشغولة كما كانت في الماضي بصورة مكثفة بتسليح المنظمات الارهابية في لبنان وغزة، لكن ليس ذلك فقط: فتوجد بصمات واضحة جدا لها على وسائل قتالية تصل الى قوات عصابات وارهاب في العراق وافغانستان. وأصبح هذا النشاط يجري الآن تحت "هجوم ابتسامات" القيادة الجديدة في ايران، بخلاف ما كان في الماضي.

 

          صعب عليهم في قيادة جهاز الامن العليا أمس أن يقرروا هل كان الرئيس حسن روحاني مطلعا على الامر. ولا توجد علامات سؤال ألبتة عن الزعيم الروحي علي خامنئي، ومن الواضح أن هذه العملية ما كانت لتنفذ دون موافقته، لكن مشاركة روحاني ووزير خارجيته محمد ظريف ما زالت لغزا. ولا يعني هذا أنه يجب وقف التنفس: فقبل بضعة اسابيع خطب ظريف في مؤتمر وزراء الدفاع في ميونيخ وكذب فوق المنصة علنا. وكان يجلس حوله غير قليل من الاشخاص عرفوا أنه يكذب وفي مقدمتهم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، لكن لم يثر أحد منهم عليه. وقال وزير الدفاع موشيه يعلون آنذاك إن هذه شهادة اخرى على أن الغرب قد تعب.

 

       العالم يفضل التجاهل

 

          إن من كان محتاجا الى برهان آخر حصل عليه هذا الاسبوع. حظي وقف سفينة السلاح الى غزة بالقليل جدا من التعبير عنه في الرأي العام العالمي. فقد اشتغل الزعماء باوكرانيا ولم يكن عند أحد منهم اصغاء أو شهوة لشيء آخر من أمور الحرب التي لا نهاية لها في الشرق الاوسط، ولا يوجد كما قلنا آنفا من يريد أن يواجه بدهية أن الادارة الجديدة في طهران تتجه الى السلام. فقد اختار العالم الهدوء فأصبح الضجيج الذي تقوم به اسرائيل بالنسبة اليه شأنها الخاص.

 

          لو وجد في العالم غواصون على التفاصيل لتبين مبلغ اشتغال الايرانيين بالخداع. كانت عملية ارسال سفينة القذائف الصاروخية من أعقد وأبهظ ما بادر اليه حرس الثورة، وكان ذلك نتاج مسار استخلاص دروس طويل من اخفاقات سابقة.

 

          بعد أن تم وقف عدة سفن مشابهة أو اغراقها وتم الهجوم على مخزن يبدو بريئا في ظاهر الامر كانت تخزن فيه وسائل قتالية بالقرب من مطار الخرطوم، من الجو (بعملية نسبت الى اسرائيل)، بحث الايرانيون عن طريقة أكثر احكاما لتهريب وسائل قتالية الى غزة، طريقة تبقيهم في ظاهر الامر خارج الدائرة ولا تورطهم مع اصدقائهم الجدد في الغرب.

 

          وكانت الطريقة التي اختيرت هي العمل في مسار يناقض المنطق في الظاهر. لأنه اذا كان اكثر السلاح الايراني ينقل غربا من طهران الى سوريا (ومنها الى لبنان في الاكثر)، فقد نقل السلاح في هذه المرة الى الشرق من سوريا الى ايران. وتبين بعد ذلك أن تحميل القذائف الصاروخية في دمشق كان النقطة الحرجة في العملية، فقد أوضح لاسرائيل أن شيئا ما يحدث وبدأ من هنا عمل النمل الاستخباري الذي كانت ذروته الاستيلاء على السفينة أول أمس.

 

          وفي ايران نقلت القذائف الصاروخية الى ميناء بندر عباس حيث حُملت في السفينة التي أبحرت تحت علم بنما. ومن هناك خرجت السفينة الى الشمال الى ميناء أم قصر في العراق لتضليل متتبعين محتملين ايضا وليُحمل عليها حاويات اخرى ايضا. وفي العراق تم تغيير اوراق الحمولة وكتب فيها أنه يوجد اسمنت في الحاويات الـ 150 فوق متن السفينة. وهذا ما تم ابلاغه لناس الفريق في السفينة الذين بين التحقيق معهم أنهم لم يعلموا بالحمولة الحقيقية التي ينقلونها.

 

          ربما كان يفترض أن تكون قصة الاسمنت غطاء النقل الى غزة ايضا. فالقطاع في ازمة مواد بناء وهو يرجو الاستيراد. ومن المؤكد أن هذه الشاحنات التي تأتي من الجنوب هي انبوب اوكسجين بيد أنه يصعب أن نرى مصر – تحت القيادة الحالية التي تحارب الاخوان المسلمين وفرعهم، أعني حماس في غزة – كيف تُمكن هذه الشحنة من الوصول الى القطاع بلا رقابة. ولهذا يعتقدون في اسرائيل أن القذائف الصاروخية كان يفترض أن تصل الى غزة في المستقبل فقط؛ وكان يفترض أن تبقى في المرحلة الحالية في مخبأ في السودان أو أن تنقل الى سيناء وأن تُسلم الى البدو هناك وديعة الى أن يحين الوقت المناسب لتهريبها الى غزة.

 

          كان واضحا لاسرائيل أنه ينبغي احباط التهريب قبل أن تصل الى السودان كي لا تتم المخاطرة باضاعة القذائف الصاروخية (وللاستمتاع بالطاقة الكامنة الدبلوماسية في الاستيلاء عليها وعرضها علنا). وإن استقرار الرأي على تنفيذ عملية ظاهرة مكّن من نظر نادر الى الحرب الرمادية التي تجري في كل يوم وراء الستار وتسمى المعركة بين المعارك بلغة الجيش الاسرائيلي.

 

          إن الحديث عن حرب مرهقة لا نهاية لها، هي استخبارية في أساسها وعملياتية في اطرافها، موجهة في الاساس على المنظمات الارهابية والمشروع الذري الايراني وافضت بحسب انباء منشورة مختلفة الى سلسلة هجمات اسرائيلية على سوريا وعلى حدود لبنان في المدة الاخيرة ايضا كانت ترمي الى منع نقل وسائل قتالية متقدمة الى حزب الله في لبنان. إن هذه الحرب، حرب رئيس هيئة الاركان بني غانتس، هي في الاساس حظ الاستخبارات وسلاح الجو وقد حظي سلاح البحرية أول أمس بالعناوين الصحفية حيث كانت العملية بالنسبة لقائد السلاح رام روتبرغ اغلاق دائرة مضاعفا: فقد قاد في 2002 حينما كان قائد الوحدة 13 مقاتليه للاستيلاء على سفينة السلاح المهمة الاولى التي ارسلتها ايران وهي "كارين إي"، والاستيلاء عليها.

 

          وقد جاء أول أمس في سفينة الصواريخ "حنيت"، التي أصيبت بصاروخ ساحل – بحر في حرب لبنان الثانية وهي حرب كان فيها روتبرغ نفسه رئيس قسم الاستخبارات البحرية وشريكا في التقصير في التعرف على التهديد لسفن السلاح.

 

          لكن الاستخبارات لها النصيب الأوفر من هذه الأحدوثة فقد كانت متابعة معقدة تشمل وسائل بصرية والكترونية وبشرية تحتوي على آلاف التفاصيل التي جمعت لتكون صورة واضحة منظمة ترجمت الى عملية "الكشف الكامل".

 

          كانت الاستخبارات شديدة الثقة بنفسها جدا بحيث كان للجانب الاعلامي نصيب مركزي من العملية. فقد أعدت خرائط المسارات التي وزعت على وسائل الاعلام قبل ذلك بايام كثيرة، وضُم الى السفن التي أبحرت الى الجنوب مصورو قسم متحدث الجيش الاسرائيلي ونشرت المواد في وقت الحقيقة تقريبا. ونبع ذلك الامر بالطبع من معرفة القيمة الاعلامية لتأثيم ايران في هذا الوقت بأنها تشارك في تهريب السلاح، لكن كان في ذلك ايضا جانب آخر، فقد استخلص الجيش الاسرائيلي بعد اربع سنوات تقريبا من الاستيلاء على "مرمرة"، استخلص الدروس وأدرك ان المعركة لا تجري على الارض فقط بل في وسائل الاعلام ايضا.

 

          مما خيب أمل اسرائيل أن هذا الجهد لم يؤت الثمرات المرجوة في وسائل الاعلام الدولية. فقد شبع العالم من شؤون ايران وهو ما أبقى لاسرائيل أن تقنع المقتنعين، وقد نجح هذا هنا على الأقل: فقد عاد الجيش الاسرائيلي الى الجانب الصحيح من العناوين الصحفية بعد فترة اصبح فيها كيس ملاكمة وطنيا، تقريبا.

 

          كان بين المُطرين اولئك الذين كانوا يوجهون الضربات الى الجيش قبل ايام بسبب رواتب ضباطه وعدد اصحاب الوظائف في صفوفه، دون أن يعلموا أن المخنثين ذوي النظارات، وأن عباقرة الحواسيب هم الذين أحدثوا هذه الأعجوبة، أعني المعلومات الاستخبارية التي مكّنت من العملية وضبطت القذائف الصاروخية التي كانت موجهة الى غزة ومن هناك الى مركز الدولة.

 

          أشك في أن يجد الجيش الاسرائيلي عزاءا في ذلك لا لأن طبيعة العناوين الصحفية أن تُنسى وأن يظهر النقد مرة اخرى قريبا، فقط. فقد أصبحت اهتمامات رئيس هيئة الاركان وضباطه موجهة الى العمليات التالية التي ستكون فيها ايران ايضا كما يمكن أن نفترض في مركز الهدف.

 

          إن الهدف الاسرائيلي واضح وهو أن تجد "مسدسا مدخنا" يُبين للعالم أن ايران تكذب على الجميع وأنها مستمرة على برنامجها الذري. وستحاول اسرائيل في طريقها الى هناك أن تُشهر بايران بكل طريقة ممكنة مع العلم بأنه تتوقع اخفاقات ايضا في صراع الأدمغة والقدرات هذا.

 

          ويبدو أن هذا هو الدرس الرئيس لاحداث الاسبوع الماضي. كانت العملية في البحر الاحمر نقطة واحدة فقط ظاهرة وناجحة في خط طويل لحرب اسرائيلية لايران وفروعها في سوريا ولبنان وغزة وامريكا اللاتينية والشرق الاقصى. وهذه الحرب بعيدة عن النهاية ومن المؤكد أنها بعيدة عن الحسم. وستشتمل على غير قليل من ليالي السهد بعيدا عن الوطن في محاولة لتأمين ليالٍ هادئة لنا في وطننا.

 

انشر عبر