شريط الأخبار

كيري وصفقة الصواريخ الاسرائيلية الى الهند..معاريف.. بقلم: عمير ربابورت

06:55 - 14 تموز / فبراير 2014

 

          (المضمون: امريكا تنافس اسرائيل على سوق السلاح في آسيا القصوى التي تزدهر بالاقتصاد وبالتوترات الجغرافية السياسية ايضا - المصدر).

 

          اعتزمت الهند مؤخرا التوقيع على صفقة كبرى لشراء صواريخ "سبايك" من شركة رفائيل وقد اتفق على كل شيء: الصواريخ الاسرائيلية، المعروفة في الجيش الاسرائيلي بلقب "غيل" اجتازت في الهند سلسلة من التجارب والجيش الهندي العظيم أوشك على أن يشتري عدد هائل من صواريخ "سبايك" مقابل ملايين الدولارات.

 

          غير أنه تماما في اللحظة الاخيرة طرأت انعطافة مفاجئة: وزير الخارجية الامريكي جون كيري، وفي اعقابه كل القيادة في الادارة الامريكية، بدأوا يتدخلون ويمارسون على الهنود ضغطا سياسيا كي يقطعوا كل الاوراق التي اعدوها مع الاسرائيليين وبدلا من ذلك يشتروا صواريخ "جبلين" الامريكية. وقدم الامريكيون وعدا مغريا: اشراك الهنود في تطوير الصاروخ المضاد للدبابات الامريكي التالي فقط اذا ما اشتروا "جبلين" من الجيل الحالي، بدلا من "سبايك".

 

          وينبع تدخل القيادة الامريكية من التقليص في وزارة الدفاع الامريكية. وكنتيجة لذلك، فان الادارة تفعل كل ما في وسعها كي توفر عملا للصناعات الامريكية الكبرى كي لا "تجف" نقصا للرزق.

 

          في ضوء هذا التدخل، ليس واضحا بعد اذا كان الهنود سيتراجعون عن الصفقة مع اسرائيل. ولكن القضية التي يكشف النقاب عنها هنا لاول مرة هي مجرد طرف الجبل الجليدي لتغييرات دراماتيكية في عادات استهلاك السلاح في العالم. فمئات من كبار رجالات الامن الاسرائيليين، بدءاً بوزير الدفاع نفسه، ودونه ممن تدفقوا في الاسبوع الاخير الى المعرضين الامنيين الكبيرين في آسيا، معرض دفيكسبو في نيودلهي الهند والصالون الجوي في سنغافورة. يفهمون ما لا يعرفه معظم الاسرائيليين: لقرارات دول مثل الهند يوجد تأثير هائل على الاقتصاد الاسرائيلي وعلى الامن الاسرائيلي، وهو من المتوقع ان يزداد أكثر فأكثر.

 

          من أجل فهم العلاقة التي بين القرارات التي تتخذ في الشرق وبين الاقتصاد والامن الاسرائيليين من المهم أن نعرف ان نموذج تطوير السلاح الاسرائيلي يقوم على التصدير. فكجيش لدولة صغيرة، لا يمكن للجيش الاسرائيلي أن يسمح لنفسه بان يتزود بكل الوسائل القتالية التي ينزع اليها خيال القيادات العسكرية. ومن أجل ان يتم في اسرائيل تطوير امور اكثر مما يمكن للجيش الاسرائيلي ان يسمح لنفسه به، فان مديرية تطوير الوسائل القتالية في وزارة الدفاع "مفات" تطور جزء من الوسائل بالتعاون مع دول أجنبية ولكن صديقة. واضافة الى ذلك، فقد اقامت وزارة الدفاع قسما للمساعدة في التصدير الامني "سِبت".

          وبشكل عام تتيح المبيعات للخارج للصناعات الامنية تمويل كلفة التطوير الهائلة (واحيانا تباع للجيش الاسرائيلي وسائل باسعار خاسرة ايضا فقط كي يكون ممكنا ان يقولوا في الخارج ان الجيش الاسرائيلي يستخدم هذه الوسائل). ولكن تنشأ احيانا اوضاع سخيفة: دول اجنبية تتزود بوسائل لا يمكن للجيش الاسرائيلي ان يسمح لنفسه بها.

          لقد نما حجم التصدير الامني في العقد الاخير لدرجة انه بلغ 7 مليار دولار في السنة – نحو ربع اجمالي تصدير التكنولوجيا الاسرائيلية. وحجم التصدير الامني عالٍ لدرجة أن اكثر من 80 في المئة من انتاج الصناعات الامنية الاسرائيلية الاربعة (الصناعة الجوية، البيت، رفائي و تعس) مخصص للجيوش الاجنبية وليس للجيش الاسرائيلي. ولا تتضمن المعطيات التصدير الهائل لوسائل الحماية والدفاع التي تعتبر مدنية ومنتجات صناعة "السايبر" الاسرائيلية، وان كان لا يمكن دوما القول بالقطع أي منتج هو "امني" وأيهم "مدني".

          حتى قبل بضع سنوات توزع التصدير الامني الاسرائيلي الى ثلاثة اجزاء متساوية جدا: الولايات المتحدة، اوروبا وباقي العالم. ولكن في السنوات الاخيرة، والتي حصلت فيها قفزة في التصدير الامني، كان اساس المبيعات الى جنوب شرق آسيا ودول معينة في الاتحاد السوفييتي سابقا. وفيتنام هي الاخرى تعتبر من ناحية اسرائيل سوق باحتمالات كامنة. ولكن من بين كل الدول من آسيا، فان الدولة التي تعتبر الزبون الاكبر بشكل خاص للتصدير الامني الاسرائيلي هي الهند.

          وعلى حد قول شيرلي بن شطريت، نائب مدير عام التسويق في الصناعة الجوية، الذي ترأس في الماضي مكاتب الشركة في سنغافورة، فان ميل تعزيز السوق الامنية في آسيا سيتعاظم فقط. ومن التقديرات التي تبلورت في الصناعة الجوية يتبين أن الميل سيؤدي الى ان تكون ميزانيات الدفاع في آسيا أعلى في العام 2020 بمعدل 53 في المئة مقارنة بالعام 2012. وفي نفس الوقت فان ميزانيات الدفاع في الولايات المتحدة وفي اوروبا، والتي تقلصت منذ الان ستكون أدنى بعد ست سنوات بـ 20 في المئة مقارنة بالميزانيات في تلك الدول في 2012.

          وتعود اسباب التغييرات الى اسباب اقتصادية وجغراسية سياسية ايضا. فالاقتصادات في الشرق تتفجر بينما اسواق الغرب تنطفىء، ودول حلف الناتو باتت تعبة من الحروب وتعاني من فائض عتاد بعد الخروج من العراق وافغانستان بينما في آسيا فان الوضع آخذ في السخونة فقط. فالنزاع الهندي الباكستاني ساخن اكثر من أي وقت مضى، ولكن النزاعات على جزر ومناطق سيطرة في بحر الصين، حيث اكتشفت في السنوات الاخيرة مقدرات هائلة من الطاقة آخذة فقط بالتعاظم كلما رسخت الصين مكانتها كقوة عظمى عالمية رائدة وتحاول ضم المزيد من المناطق لنفسها.

          "الوضع يؤثر على كل آسيا"، يقول بن شطريت. "حددنا كهدف سلسلة من الدول في الشرق الاقصى، بما فيها اليابان التي تنفتح على السوق الاسرائيلية وحتى الفلبين قررت بشكل مفاجيء ميزانية تعاظم سنوية بمبلغ 1.8 مليار دولار.

          لا يمكن كشف كل شيء عن العلاقات الامنية مع دول آسيا، ولكن حقيقة أن الهند واسرائيل مثلا شريكتان في تطوير مركبة قتالية مستقبلية – مشروع "ركيع" الذي سيرث في العقد القادم دبابة المركفا الاسطورية – يتحدث من تلقاء نفسه.

          عند مدخل مصنع "ملم" للصناعة الجوية في بئر السبع (المصنع الذي ينتج ضمن امور اخرى صواريخ حيتس) تعلق يافطة مع آية "اشكروا الرب على الخير". احد من العاملين ليس واثقا من أن خلفية ذلك دينية أم أنها ترتبط بحقيقة ان "ملم"، مثل الصناعة الجوية كلها تدين بازدهارها لشبه القارة الهندية الهائلة. حتى العام 1992 لم تكن على الاطلاق علاقات دبلوماسية بين اسرائيل والهند، ولكنها الآن تتنافس على كل عطاء للدولة لأي دولة لا تعتبر عدوة لها. اسعار الصينيين منخفضة مثلما في كل مجال آخر، وحتى لو لم تكن النوعية لامعة فغير مرة تشكل البضائع الصينية منافسة حقيقية أو على الاقل تخفض الاسعار العالمية.

          في سنغافورة القصة مختلفة فالدولة تزدهر مع ناتج خام 60 ألف دولار للفرد، ترى نفسها كجزيرة صغيرة محوطة بالاعداء. أيبدو لكم معروفا؟ ربما، ولكن السنغافوريين لن يتحدثوا أبدا بشكل علني عن علاقاتهم مع اسرائيل.

          سنغافورة هي دولة صغيرة تتصرف كقوة عظمى. فالمظاهرة التي بدأت في الصالون الجوي هي استعراض للقوة والدولة التي تعتبر "دكتاتورية متنورة" يوجد لها سجل مفتوح ويد تسجل: اذا كان السنغافوريون يستدعون شخصية امنية ما الى الصالون الجوي، كاستعراض للقوة الوطنية لديهم، فلا احتمال في أن ترفض.

          لا غرو اذا أن وزير الدفاع موشيه يعلون، مدير عام وزارة الدفاع دان هرئيل، وعشرات آخرون من الشخصيات الاساسية في المؤسسة الامنية الاسرائيلية، بما في ذلك كل قيادة الصناعة الامنية، قضوا هذا الاسبوع وقتهم في صالون سنغافورة.

          هل توشك اسرائيل على فقدان الاسواق الامنية لآسيا والتي تساهم لها جدا في اقتصادها وأمنها؟ رئيس الوزراء لا يحث صناعات امنية، ولكن السمعة، وكذا العلاقات الامنية والشخصية تحفظ الصناعات الامنية الاسرائيلية في الصورة حتى في سلسلة العطاءات الحالية. في اسرائيل يتوقعون التوقيع على عدة صفقات جديدة مع الهند بعد الانتخابات التي ستجرى في حزيران هناك، رغم الجهد الامريكي لاحباط صفقة "سبايك".

          ومع ذلك، فان الارض في السوق الامنيةلاسرائيل تهتز عندما قلص الجيش الاسرائيلي في الخلفية بشكل كبير الطلبات من الصناعات الامنية. وفي ضوء التقليصات في اسرائيل والدول الغربية، هبط حجم العامليت في "البيت" في السنة الاخيرة من 18 ألف الى 12 ألف. رفائيل، صناعات اخرى وكذا الجيش الاسرائيلي نفسه يوجدون حقا هذه الايام في ذروة موجة اقالات هامة. اذا ما تقلص تيار المليارات من الشرق، فان الضربة ستكون أليمة بأضعاف.

          ولا يزال، توجد بشائر طيبة ايضا: من محادثات مع جهات هندية يتضح أنهم لا يميلون الى الثقة بالامريكيين. وهم لا يزالون يتذكرون لهم الحظر  الذي ألغي بشكل حاد في ضوء الحاجة الامريكية للسيولة النقدية ويخشون غير قليل من أن يُدخل الامريكيون لهم "أحصنة طروادة" مع المنتوج العسكري. هذا الخوف ظهر في اعقاب كشف الاساليب التي لا تكل ولا تمل لوكالة الاستخبارات الامريكية التي تتجسس بكل وسيلة حتى على كبار اصدقاء الولايات المتحدة.

          وعلى حد قول اوريول، فان ما يوجد الآن على جدول الاعمال هو تغيير دراماتيكي في سياسة الهند: ليس شراء منتج اجنبي في ظل التعهد بشراء مقابل بل تنفيذ صفقات سلاح بتعاون كامل من الصناعة الامنية الهندية في ظل نقل جزء هام من الانتاج الى الهند. ويقول اوريول إن هذا ليس مطلبا مدحوضا. "فكل الدول تتخذ اسلوبا مشابها: هكذا يكون لنا منذ سنين سلسلة طويلة من التعاون مع شركات امريكية لتنفيذ مبيعات في الولايات المتحدة. نحن نفهم السياسة الامنية الجديدة. وأقمنا منذ الآن عدة تعاونات هامة مع شركات هندية".

 

انشر عبر