شريط الأخبار

قد ينجح هذه المرة..هآرتس.. بقلم: ايلي فودا

06:53 - 14 حزيران / فبراير 2014

بقلم: ايلي فودا

          (المضمون: الظروف ملائمة لتحقيق اتفاق لحل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. وتفويت الفرصة قد يؤدي الى تفاقم المقاطعة الدولية، تصعيد حملة نزع الشرعية وربما انتفاضة فلسطينية اخرى - المصدر).

 

          النشاط الحثيث في الساحة السياسية وخارجها يدل على انه خلف الكواليس تجري مفاوضات ليس فقط على الامور الاجرائية بل والجوهرية. فمنذ اتفاقات اوسلو في ايلول 1993، بذلت جهود كبيرة على ايجاد حل للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني ولكنها فشلت هذه المرة. وفي ضوء التاريخ البشع في العقدين الاخيرين، ما هو الاحتمال في أن تنتهي المحادثات الحالية باتفاق؟

 

          التقدير القائم في جهاز الامن في اسرائيل كان أن تغيير الوضع الراهن السياسي ليس مرغوبا فيه في ضوء الربيع العربي الذي يعتبر كشتاء اسلامي. وقد أخلى هذا الفهم مكانه لفهم يقول ان ضعف أنظمة الدول العربية بالذات يخلق لاسرائيل فرصة لدفع مصالحها في ظروف مريحة نسبيا. فانهيار سوريا وانشغال مصر في شؤونها الداخلية يضعفان السند التقليدي الذي يمكن لهاتين الدولتين ان تمنحاه للفلسطينيين.

 

          ومع ذلك ليس مؤكدا أن تكون الفرصة الناشئة لحل النزاع في أعقاب الربيع العربي ستتحقق بالفعل. فأحد الاسباب الاساسية لفشل المفاوضات في الماضي كان حقيقة انه في طرف واحد او في طرفي النزاع لم يكن زعماء شرعيون ذوو رؤيا واقلاع وقدرة على اتخاذ القرار. ليس واضحا اذا كان بنيامين نتنياهو ومحمود عباس قادرين على اتخاذ القرارات التاريخية.ولكن نتنياهو مسنود من أغلبية مريحة في الكنيست، وحتى اذا ما واجه مصاعب في الائتلاف الحالي فان بوسعه أن يشكل ائتلاف بديلا مع حزب العمل يدفع باتفاق السلام الى الامام.

 

          مسألة شرعية محمود عباس اكثر حدة في ضوء التحدي الذي تطرحه حماس في غزة وبقدر ما في الضفة ايضا، ولكن ضعف المنظمة بعد سقوط الاخوان المسلمين في مص ومظلة التأييد من الجامعة العربية، كفيلان بتعزيز شرعية عباس. فضلا عن ذلك، فان اتفاقا يعتبر نزيها في الجمهور الفلسطيني ويضمن دولة مستقلة، سيحظى بالتأييد.

 

          سبب آخر لتفويت الفرص والاخفاقات في الماضي يرتبط بالوسيط. فهذا الدور محفوظ بشكل عام للولايات المتحدة وان كان الاتحاد الاوروبي او احدى الدول العربية حاولوا بين الحين والاخر القيام بهذا الدور. ويبدي وزير الخارجية الامريكي الحالي، جون كيري، تصميما غير عادي على حل النزاع ويذكر بذلك بهنري كيسنجر الذي حظي بعدة انجازات معتبر في فترة ولايته – ثلاثة اتفاقات فصل للقوات مع مصر وسوريا في عامي 1974 – 1975، وضعت الاساس لاتفاق السلام بين اسرائيل ومصر.

 

          لا يمكن للدور الامريكي أن يتلخص بخدمات  الوساطة او بنقل الرسائل مثلما جرى احيانا في مفاوضات سابقة بل يتطلب عرض خطط، ممارسة ضغوط، ضمان امتيازات، منح "جزرات"، وغيرها من تقنيات محفوظة للوسيط الفاعل. المشكلة هي أن تاريخ النزاع يفيد بان الوسط لا يمكنه أن يرغب في السلام أكثر من طرفي النزاع. بمعنى أنه اذا لم يقتنع الطرفان بنفسيهما بانهما معنيان باتفاق (مثلما كان مع مصر ومع الاردن) فان الاتفاق لن يوقع حتى لو كان الوسيط (مهووسا).

          يحاول معارضو الاتفق عرقلته بدعوى (او بذريعة) ان الفجوات بين الطرفين عميقة للغاية. فالتصريحات الحماسية في وسائل الاعلام في محاولة للتأثير على المفاوضات تساهم في تعزيز هذا الاحساس. ولكن نظرة تاريخية الى النزاع تفيد بان الفجوات تقلصت بشكل كبير في كل المسائل الجوهرية. وفضلا عن ذلك فان الطرفين لا يعرفان فقط كل الاقتراحات التي طرحت في العقود الاخيرة بل ان كل طرف يعرف ايضا مجال المرونة والخطوط الحمراء للطرف الاخر.

          واضح للجانب الفلسطيني مثلا بان اسرائيل لن تسمح بدخول عدد كبير من اللاجئين الى اراضيها، اما في الطرف الاسرائيلي فواضح ان القدس لن تبقى موحدة تحت سيادة اسرائيلية. بمعنى ان الخطوط الهيكلية لانهاء النزاع والتي ستكون مشابهة على نحو شبه مؤكد لصيغة كلينتون في العام 2000 باتت واضحة ايضا حتى لو كان الطرفان بعيدين عن التوافق على التفاصيل.

          خير نصف رغيف خبز من لا شيء، يقول المثل البريطاني الذي اقتبس في مشروع تقسيم لجنة بيل في 1937. وقد ورد في التقرير بان "التقسيم معناه انه لن يحصل اي طرف على كل ما يريد. ولكن في تفكير اعمق سيصل الطرفان الى الاعتراف بان فضائل التقسيم تفوق نواقصه. ناهيك عن انه لا يعرض على اي طرف ما يريد فانه يعرض على كل طرف ما يريد بالاساس، بمعنى الحرية والامن". في 1937، عندما عرض 80 في المئة من الرغيف على الفلسطينيين رفضوا. وبعد نحو 80 سنة، فان منطق مشروع التقسيم لا يزال ساري المفعول بالنسبة لاسرائيل، ولا سيما عندما تحصل على معظم الرغيف.

          لقد خلقت الملابسات الاقليمية، التدخل الامريكي المكثف والظروف السياسية في اسرائيل وفي فلسطين فرصة فريدة من نوعها لحل النزاع. وحتى التوقيع على اتفق اطار فقط سيكون مثابة اختراق. فمثل هذا الاتفاق سيلزم حكومات اسرائيل بتحقيق حل يقوم على اساس فكرة الدولتين التي هي على اي حال مصلحة اسرائيلية. وفقط الاعتراف بوجود الفرصة والسعي المصمم على تحقيقها سيؤدي الى اتفاق.  اما تفويت الفرصة – ولا سيما اذا ما وجه الذنب نحو اسرائيل – فمن شأنه ان يؤدي الى تفاقم المقاطعات الدولية، تصعيد حملة نزع الشرعية بل وربما انتفاضة فلسطينية اضافية. 

انشر عبر