شريط الأخبار

الديكتاتور يُبعث من جديد.. د. وليد القططي

10:10 - 08 تشرين ثاني / فبراير 2014


بقلم د. وليد القططي


جسدت شخصية الديكتاتور في كثير من الأعمال الأدبية والفنية العربية ولا سيما المصرية منها. ففى رواية للأديب المصري احمد رمضان باسم( رائحة مولانا) صدرت حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ولكنها ألفت بين عامى2008-2010 أي قبل ثورة 25يناير2011.


وموضوع الرواية هو صناعة الديكتاتور, وأحداث الرواية تدور زمن الحملة الفرنسية على مصر, ومكانها  إحدى القرى المصرية الرمزية التي يحكمها ديكتاتور بعد أن انقلب  على ديكتاتور سبقه, وتنتهي الأحداث بموته وبثورة تقضى على خليفته قبل أن يهنئ بالجلوس على كرسيه ولكنها تمهد الطريق لديكتاتور آخر, وكان قدر القرية الا تنعم بحكم ديمقراطي.


 وفى المسرح جُسدت شخصية الديكتاتور فى مسرحية ( الزعيم ) لعادل إمام, وتدور أحداث المسرحية حول أحد الحكام الديكتاتوريين في إحدى الدول العربية, وعن أحد أفراد الشعب الذي يشبه تماما الزعيم ويدعى (زينهم) الذي يأمر الديكتاتور باعتقاله , وقبل تنفيذ ذلك يموت الحاكم فتقوم الحاشية التي تستفيد من وجود الحاكم بتقديم ( زينهم ) على أنه هو الحاكم لكي يضمنوا بقاءهم في السلطة.


وفي فيلم ( البداية ) للمخرج صلاح أبو سيف يناقش الفيلم فكرة أن التسلط صفة أساسية في الجنس البشري حيث بدأ الفيلم بمقولة " حاولت أن أقدم فيلماً خياليا ولكني وجدته يأخذ شكلاً من واقع الحياة يظهر ذلك التسلط في مجموعة بشرية سقطت طائرتهم في واحة صحراء مصر بينهم الفلاح والعامل والمثقف والعالم ورجل الأعمال والانتهازي الذي يفرض سلطته على موارد الواحة ممارساً حكماً استبدادياً شمولياً على هذه المجموعة من البشر مرتكزا على سلاحه واتباعه وذكائه وجبروته.


 ولعل فيلم ( شيُء من الخوف ) للمخرج حسين كمال يجّسد شخصية الطاغية بشكل واضح وجلي من خلال شخصية ( عتريس ) الذي يفرض سلطته على أهالي القرية بالخوف ويفرض عليهم الإتاوات حتى تتحداه ( فؤادة ) التي كان يريد عتريس أن يتزوجها فترفض وتتمرد مما شجع أهل القرية على الثورة على ديكتاتور القرية فيتضح لهم مدى ضعفه بعد تخلي أتباعه وانفضاضهم من حوله , فيثورن عليه ويقتلونه.


 وإذا أعدنا النظر في هذه الأعمال الأدبية والفنية الرائعة من خلال رؤيتنا للأحداث نجد أنها تجسيٌد مبدع لما حدث في الماضي ولما يحدث في بعض البلدان العربية في الحاضر فرواية ( رائحة مولانا ) التي تصور تعاقب الطغاة المستبدين على الحكم وتشابههم رغم اختلاف أسمائهم فصفاتهم واحدة من حيث اقترابهم من تأليه أنفسهم , والزعم بأن إرادتهم هي إرادة الشعب , وامتلاك الحقيقة المطلقة , والكبر, والغرور , والعلو , والعناء , والإصرار على الباطل والاستخفاف بشعوبهم , إضافة لصفات السيكوباتية ( العدوانية ضد المجتمع ) , والنرجسية ( حب الذات والإعجاب بها ) , والميكافيلية ( مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ).


ومسرحية ( الزعيم ) تصور شخصيات الحاشية المحيطة بالديكتاتور ,. والتي من مصلحتها بقاء الديكتاتور , وعندما يموت تصنع ديكتاتوريا آخر , وتعيد إنتاج الطاغية , ومن الفئات التي تشترك في هذه الجريمة المنافقون والفاسدون والانتهازيون والمصفقّون والطبالون والزمارون الذين يأخذون اليوم أسماء الخبراء الإستراتيجيين والمفكرين والمثقفين والفنانين ونخب ثورية مزيفة ورؤساء أحزاب كرتونية ممن رضوا على أنفسهم الاشتراك في جوقة إعادة إنتاج النظام القديم في ثوب جديد , وبعث الديكتاتور القديم في قناع جديد يخفي ملامحه القديمة حتى يتم تسويقه من جديد للشعب المتعب من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي , والتدهور الاقتصادي , والانفلات الأمني , والثورة , والثورة المضادة.


وفيلم ( البداية ) بين طبيعة العلاقة التي تصنع الديكتاتور وتُعيد بعثه من جديد , وذلك كما وضحتها مدرسة ( التحليل النفسي ) فيما عُرف بالعلاقة ( السادومازوخية ) بين الديكتاتور المستبد والشعب المستضعف , وهي علاقة تبادلية تفاعلية فلا وجود للديكتاتور المستبد إلا بوجود شعب يقبل أن يُستعبد , وربما قريب من ذلك مفهوم ( القابلية للاستعمار ) عند مالك بن نبي  أو ما أطلق عليه على شريعتي   ( القابلية للاستحمار ). وأن هذه العلاقة تنتهي بمجرد أن يرفض الشعب هذه العلاقة ويثور عليها.


وهذه العلاقة تظهر بوضوح أكثر في فيلم ( شيء من الخوف ) التي عبّر عنها الشاعر الفلسطيني المبدع ( تميم البرغوثي ) بقوله ( لا وجود للطاغية إلا في مخيلة مرؤوسيه ) فعندما تغيرت هذه المخيلة بشكل ايجابي انتهى حكم الديكتاتور الطاغية , لأن الشعوب الخانعة العاجزة هي التي تصنع طغاتها وتحولهم إلى إنصاف آلهة , ولذلك قال فرعون عندما استخف قومه فأطاعوه (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ) وما أشبه الواقع اليوم بهذا الأعمال الفنية والأدبية المبدعة , حيث يُروج لإعادة إنتاج الطاغية وإعادة تصنيع النظام القديم , فالديكتاتور يُبعث من جديد تحت مبررات إنقاذ الشعب وعودة الاستقرار السياسي ونهضة البلاد الاقتصادية , والقضاء على الإرهاب , ومحاربة التطرف , وإصلاح ما أفسدته الثورة.


 ويُروج للديكتاتور الجديد بأنه مبعوث العناية الإلهية والزعيم الملهم والمخلص المنفذ والقائد العبقري... إلى غير ذلك من قاموس النفاق السياسي والارتزاق الفكري والاستحمار الطوعي.. وللرد على ذلك نختم بما قاله الفيلسوف المصري المعاصر إمام عبدالفتاح إمام في كتابه ( الطاغية ) " فحتى لو فرضنا أن للطاغية ايجابيات هامة فما قيمة هذه الايجابيات إذا كان ثمنها تدمير الإنسان وتحطيم قيمه وتحويل الشعب إلى جماجم وهياكل عظيمة تسير في الشارع منزوعة النخاع. وشخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز واللاجدوى ".

انشر عبر