شريط الأخبار

أزمة التواصل الثقافي بين مشرق الوطن العربي ومغربه .. علي عقلة عرسان

03:44 - 18 تشرين أول / أكتوبر 2013

قال أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي 398م ـ 458 هـ / 1007م ـ 1066م  صاحب المحْكَم والمخصَّص "الأَزْمة: الشدّة والقَحْط"، وربما كان حال التواصل الثقافي بين مشرق الوطن العربي ومغربه في شدة ولكنه بحمد الله ليس في قحط. وفي لسان العرب "تَأَزَّمَ القومُ إذا أَطالوا الإِقامة بِدارهم"، وفي هذا نوع من حصار الذات والعزلة والتضييق، وفيه أيضاً معنى الخمول والخمود والسكون.. كأنما الإقامة الطويلة في المكان توهن الهمة وتفسد النفس ويأسن معها ماءُ الروح، وهذا شأن الفرد والجماعة والقطر والأمة التي لا تنفتح على الأمم، وهو شأن بشري يشبه فساد الماء من طول ركود..

والحركة لا تقتصر على تحريك أطراف الجسد أو تفعيل قواه وقدراته على التحرك وتحريك شيء في مدى المكان، بل تتعدى ذلك إلى حركة العقل واضطراب القلب وتوهج الروح في أثناء عروجها معارج الرقي والوجد والتوق على أجنحة الخيال أو التخييل في فتح وإبداع وإمتاع، والحركة توثب الهمة، واندياح الإرادة فعلاً يوقظ همة وإرادة ويؤدي إلى رد فعل في مجاله ومن نوعه أحياناً وهذا يخلق مجال سلب وإيجاب، ويولد طاقة، ويحرض على اقتدار وتغيير ويقدم الكثير من المعطيات والاحتمالات، من المشهود الملموس والمحسوس الفياض وما هو منتظر الحدوث بقوة الأمر الواقع أو الفعل ورد الفعل.. وقد يكون تكاملاً أو لوناً مضافاً في قوس قزح ثقافي وحضاري يزين الوجود ويغني الذات والحياة، وقد يكون اختلافاً وتضاداً وتصادماً وصراعاً وتهافتاً.. وفي كل هذا عند العقلاء على الخصوص: رأي على رأي وقول على قول وفعل على فعل.. وثراء يزيد الكائن البشري ثراء نفس وروح، ويزيد الرصيد الثقافي لأمة من الأمم.

الحياة حركة، والحركة تحمل التغيير والتجديد والتجدد.. وفي الحركة نقض معمار السكون، وهي في لون من ألوانها عصفٌ فكري تقدح شرارتَه المثاقفةُ في قراءة أو حوار أو سماع أو مشاهدة، وهي في لون آخر نار يوريها إبداع يومض في فضاء روح، فيحيي نفوساً أذبلتها الشدة وكاد يميتها القحط.

وقد سعى فقهاء العرب والمسلمين قديماً إلى الاستماع للعلماء مفضلين السماع والتواصل المباشر على القراءة.. لحكمة.. فيها استنهاض همة وانتفاع بمعرفة الطبيعة والبيئة والناس، وسياحة تجدد ديباجة الروح، ومشاهدة تغني التجربة، وتواصل وتفاعل يثريان العقل والقلب والبصيرة، وينضجان الحكمة. والحكمة نتاج تجربة وتبصر وتأمل وتدبر وتحصيل ومشقة تضني الأجسام وتعلي الهمم..

وإذا كانت النفوس كبارًاً   

تعبت في مرادها الأجسام

كما قال أبو الطيب المتنبي.

وفي فعل السفر الهادف الذي نُدب إليه أهل الهمة: سعة اطلاع، وعمق معرفة، وعلم وفقه يثريهما السماع والمشاهدة ويتيحهما وينضجهما اجتماع فيه رأي ورؤية.. ومد عقول وجزرها يتجلى في مجادلات بالتي هي أحسن تنتج ما هو أحلى وأغنى. وذاك كله يقارب وجهات النظر، ويورث شفافية الروح، وقد يفتح أبواب كشف المحجوب على قلوب.. وفيه تجدد وتواصل خلاقان، وترسيخ لوحدة الأمة وإثراء لشخصيتها الثقافية من خلال تعدد ألوان الطيف في الفضاء الواحد وجعلها أنصع وأعمق وأجمل وأروع..

في ذلك الفعل، فعل السفر، قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:

ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ

 

 

مِن راحَة،ٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ

سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ

 

 

وَاِنصَب، فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ

إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ

 

 

إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ

وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ ما اِفتَرَسَت

 

 

وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ

وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً

 

 

لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ

وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ

 

 

وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ

فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ

 

 

وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ

         

وقد حقق ذلك المطلب وبلغ الشأو فيه، من بين من حققه، مغاربة كثر فيهم أندلسيون ـ والأندلس كثيرا ما يدخل في بلاد المغرب كما هو معروف ـ حيث قاموا برحلات إلى الشرق كان من دوافعها: الحج، والمجاورة، وطلب الإجازة، وسياحة المعرفة، والحنين للأصول، ونصرة الأشقاء، والذود عن المقدسات، والمرابطة في أرض تحتاج إلى المرابطين.

وبين جناحي وطننا العربي.. أو بين أذين قلب واحد وبطينه، بدا تأثير ذلك جلياً في إنتاج فلسفي وفقهي ولغوي وأدبي، لمشارقة ومغاربة. ومن المغاربة الذين استغرقهم فعل السفر من عاد إلى المغرب بإجازة وجراب علم ومكانة عالية ومنهم من رابط في المشرق وجاهد واجتهد وأفاد فانتفعت الأمة بعلمه، ورفع راية هناك ما زالت تردد ذكره وتذكر منشأه وفضله. وشكل ذلك السعي في عصور القوافل جسورَ اتصال سالكة بين مغرب ومشرق عربيين يشكو أبناؤهما اليوم بؤس التواصل وأزمات في مجالاته، على الرغم من دخول العالم عصر الفضاء والهندسة الوراثية والمعلوماتية وثورة الاتصالات والمواصلات ودخولهما النسبي فيه. وهم لا يشكون فقط من ضعف الاتصال والتفاعل والتواصل الناتج عن أسباب كثيرة ومثيرة تدخل في لبابها سياسات وتطرح علينا جميعاً تحديات، بل يشكون أيضاً من مواقف مسبقة وإهمال متعمَّد وأحكام لا ترقى إلى الموضوعية والإنصاف، وتعالٍ لا يُستحب في أهل العلم والأدب على الخصوص ويتراشقون تهماً في هذا المجال.

هناك أزمة إذن بين جناحي الوطن العربي يختلف أهل الرأي في شدتها وحدتها وأسبابها ولكن معظمهم لا ينكرون وجودها، والذين يردونها لأسباب كثيرة منها الاستعمار والأمية وتقطيع أوصال الوطن العربي وبعد المسافة وقلة الحيلة وغياب الوسيلة ونقص الإمكانيات وغياب المؤسسات.. إلخ، إنما يلامسون سطح المشكلة ويلتمسون مسوغات وذراع لا يسدها مجرد الكلام فيها. ومن يقلل من شأنها يحكم من موقع خاص وينطلق من تفاؤل مستحب، ولكنه يجاوز الواقع ولا تعالج الأزمات بالقفز فوقها..فلا بد من تشخيص ورؤية وإرادة وقرار وخطط وبرامج وإمكانيات وعزم ووجود أطر بشرية مؤمنة بالمهمة وقادرة على العمل لكي تنطلق عملية التأسيس لبناء جسور زاخرة بالحركة في الاتجاهين وفهم متبادل أفقياً وشاقولياً. وأرى أن الإقرار بوجود الأزمة يشكل مدخلاً لا بد منه من مداخل مواجهتها ومعالجتها وإيجاد حلول لها.. مثلها مثل التوبة لا بد من أن يسبقها اعتراف.

الأزمة قائمة، وسعتها أو حدتها أو شدتها موضع اختلاف.. وذلك يوجب البحث في وجوهها وأسبابها وما يمكن الوصول إليه من حلول لها، وحتى لو كانت شديدة من وجهة نظر بعض المتابعين والمهتمين فشدتها حَيْنئذ مدخل انفراجها، وقد جاء في مأثور الحديث: "اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفَرِجي"..

وجوه الأزمة وأسبابها:

أزمة التواصل والاتصال الثقافي بين مشرق الوطن العربي ومغربه أزمة مركبة، وليدة أزمنة متأخرة من تاريخ الأمة، ولها وجوه وأسباب تتداخل أحياناً تداخلاً عضوياً يجعل الفصل بينها صعباً وتعسفياً لدرجة يصعب معها الفصل بينها، ولذا نقاربها في إطار تداخل وجوهها وأسبابها.. ونذكر في هذا المجال أنها:

1 ـ أزمة نشأت عن التبعية الثقافية العربية للمركزية الثقافية الغربية، وأدت إلى حالة تشبه الفصام في الشخصية العربية، وإلى تقليد للقوة الاستعمارية الغالبة، والمغلوب يقلد الغالب كما يقول ابن خلدون.. وما زالت تلك الحالة تؤثر تأثيراً قوياً. وأرى أن جهداً ثقافياً غير عادي لعقل نقدي يعي ذاته ويتمايز عن الآخر لا بد من أن ينصب على الإنتاج في القرنين التاسع عشر والعشرين للوقوف على مدى تغلغل توجهات ثقافية استعمارية فيما يسمى " حركة التنوير العربية"، أثرت سلبياً في حركة التواصل العربي "مشرقاً ومغرباً" من جهة، وأسست لمواقف وأحكام سلبية وعزلة وقطيعة وعداء أحياناً بين أقطارها ومثقفيها من جهة أخرى.

وجاءت التأثيرات مع المشاريع الاستعمارية الغربية مع حركة التنوير الأوربية ـ الفرنسية منها خاصة ـ وهي حركة دعت إلى إعمال العقل والعلمانية والنهضة الأوربية وأججت الشعور القومي بحماسة وساهمت في تنافس استعماري بالغ القسوة والضرر على بلدان وشعوب ومصالح تعرضت للغزو الأوربي، وأوجدت صراعاً على النفوذ بين القوميات الأوربية، ومن ثم أسست عملياً لنشوء عُصابية قومية شوفينية ما لبثت أن طغت واستفحلت وقادت إلى حروب دامية.. ودعت تلك الحركة إلى استعمار دول وشعوب والهيمنة عليها وإذلالها ونهب ثرواتها. وقد تأثر الوطن العربي تأثراً سلبياً بذلك المد ذي القوة العسكرية الغاشمة، والنهضة العلمية، والرسيس الصليبي المقيت.. وماست الحملات الاستعمارية الأوربية منذ حملة نابليون على مصر 1798م الروح العدوانية الدموية، وأشاعت إحساساً بالتخلف والقهر، وحرضت على ردود فعل منها ردود فعل إيجابية تمثلت باكتساب المعرفة العلمية. وأشاد المأخوذون بحركة التنوير الأوربية من العرب حتى بالظلم والممارسات الظلامية والنهب والوحشية التي نفذها الاستعمار في وطننا العربي مشرقاً ومغرباً.

واستهدف الاستعمار الأوربي فيما استهدَف: اللغة العربية والإسلام والثقافة العربية، وأطلق حملة قوية انسحبت على التراث العربي ـ الإسلامي وعصر التدوين والرواة بغية الوصول إلى التشكيك بتدوين القرآن والحديث الشريف. وحين ترسخت أفكار ووجهات نظر ومواقف وثقافة غربية في عقول وكتابات وإبداعات عربية.. توجهت، بحكم الواقع والخطط الاستعمارية والمناخ العام الذي فرضه الاحتلال، توجهت إلى المساهمة في إثارة ضغائن، وإضعاف أواصر التواصل بين أبناء الأمة من جهة والنيل من وحدة المشهد الثقافي العربي من جهة أخرى، فضلاً عن صدور أفعال وأحكام أدت إلى المزيد من تمزيق الأوصال وإحداث القطيعة وإشاعة حساسيات لها ما يسوغها أحياناً، وعاش هذا المأزق أشقاء في الجناح الغربي من الوطن بتأثير مشابه للتأثير الذي غزا بعض أبناء الجناح الشرقي منه، وضخموها تحت استثمار الاحتلال لها، فأصبحت نظرات سلبية وشكوكاً وما يشبه المتاريس بين مغاربة ومشارقة.. ولا أقول المشارقة والمغاربة، تفاقمها حركة الاتصال شبه المعدومة الرامية إلى تقطع جسور التواصل وانغلاق معظم قنواته. وأرى أن من ثمرات تلك المرحلة ومن ثمرات التبعية الثقافية للمركزية الثقافية الغربية: الدويلات والتجزئة والجغرافية السياسية الرسمية والحدود والسياسات والمشاريع الخطيرة التي أسسها الاستعمار في وطننا العربي ورسخها، ولم يرثها كثير من العرب فقط بل عضوا عليها بالنواجذ واستنفروا قواهم للدفاع عنها وأصبحت " قدرهم المكتوب على الجبين"!! وشكل ذلك بداية تضخم القطرية الضيقة على حساب الرؤية القومية والمصلحة العربية العليا، إلى أن جاء وقت أصبحت فيه القطرية صيغة اعتراضية على القومية وعلى أي شكل من أشكال التضامن العربي حتى في أدنى حالاته ومستوياته، وعلى العمل العربي المشترك والمواثيق والصيغ التي حكمته.. وقد دفعنا ثمن ذلك غالياً في فلسطين والعراق الذي وصلته حملة بوش الصليبية الجديدة فدمرته تدميراً وحولت التواصل التاريخي بين أبنائه إلى مسارات دم ودمار وفوضى " يسميها بناءة أو خلاقة" وإلى انعدام الأمن من جوع وخوف، وشيوع فتنة تستنزف الدم وتذر قرنيها بين أبناء الأمة الواحدة والعقيدة الواحدة والطائفة الواحدة؟. 

لقد كان بعض أتباع حركة التنوير الأوربية والمأخوذين برموزها الكبار من العرب دعاة مستلبين، يرددون مقولاتها ويخدمون خططها وأهدافها، بقصد أو من دون قصد، ويتغاضون عن الدعوة الاستعمارية التي حملتها، أو أنهم لم يكونوا يرونها فـ " حبّك الشيء يعمي ويُصم"، وكيف كانوا يسوغون ممارسات الاستعمار، ويساهمون في تنفيذ برامجه وخدمة مصالحه.. ويغرسون آراءه ونظرياته ونظراته وتوجهاته ومواقفه في العقول، ويتغاضون عن ممارساته ضد أبناء شعبهم العربي. بحماية وتمويل وتشجيع وترويج مكشوف. وحركة التنوير الأوربية على أهميتها لأوربا إلا أنها، عند التدقيق في تفاصيلها وأفعالها وممارساتها وخططها، حركة استعمارية متعصبة قومياً دعت إلى الهيمنة الغربية على بلدان عربية وإسلامية، وأعلنت عداء للإسلام وتشكيكاً بالقرآن ابتداء من التشكيك بالرواة وعصر التدوين التي قادها الدكتور طه حسين حين بشر بذلك مردداً آراء المستشرقين الاستعماريين في كتابه"الشعر الجاهلي" .. وكان ذلك التوجه قد ظهر في أجلى صوره ابتداء من عام 1882م في مصر حيث تولى فلهم سبيتا ووليم ولكوكس وسلدون ولمور مواقع منها إدارة دار الكتب المصرية والقضاء ورئاسة منابر ثقافية إسلامية منها مجلة الأزهر الشريف، ودعوا من مواقع مؤثرة إلى نبذ اللغة العربية وإلى الكتابة بالعامية المصرية والحرف اللاتيني فتلك حسب قولهم لغة علم والعربية لغة تخلف وليست لغة علم؟ كما دعوا إلى الفرعونية وقطع صلة مصر بالوطن العربي فهي أوربية.. وتلك الحملة في دعوتها وممارساتها ومنطلقاتها حملة صليبية جديدة ذات أبعاد ثقافية تستهدف القرآن والتراث وتضاف  إلى حملات الغزو الصليبي لبلاد الشام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.. وقد أنتجت ما أنتجته مما نعاني من تأثيره الكارثي في وطننا وحياتنا وثقافتنا حتى يوم اليوم.

وعندما نعود إلى أعمال وأسماء فرنسية لامعة في عصر الأنوار مثل شاتوبريان ولامارتين نجد نماذج من ذلك التفكير.. وفكتور هيجو قال عندما كانت جيوش فرنسا تبطش بالمدنيين الجزائريين: " الحضارة تسحق المتوحشين أعداء الحضارة".

2ـ أزمة مع الذات في دواخلها، تتجلى في أسئلة أنواع ثلاثة من الناس:

أ /2 ـ سؤال المفارق أو المنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، ينشدُ حداثة ليملك ذاتاً يقول له "حداثيون" إنه لن يملكها إلا إذا قطع" مع الماضي والتراث والآخر الشريك في الهوية والانتماء والمصير؟! فالمطلوب هو إحداث قطيعة مع اللغة العربية الأم " حامل التخلف"، ومع القرآن " حامل الإرهاب"، ومع العروبة والإسلام " حاملي شوفينية العصر" على حد تعبير سياسيين ومثقفين غربيين على رأسهم جورج W بوش، يعادون أمتنا العربية، ومعهم من يشايع مشروعهم وعداءهم لأمتنا العربية من مثقفي الوطن العربي وأبنائه وأنموذجهم فؤاد عجمي؟! وهي قطيعة معرفية مع الوطن باتساعه الجغرافي والسكاني والاجتماعي وعمقه التاريخي وأحلام التواصل والتفاعل والوحدة، ليصبح المنبتّ والمنغلق المحاصَر من بعد.. شجرة مجتثة الساق ذابلة الأوراق لا ينفعها مطر ولا تبشر بثمر، أوهى من خيوطَ عنكبوت تطفو على بعد أشبار من سطح الأرض، تعبث بها النسائم الخفاف لا الرياح الهوج.. ويحصل من بعد على حداثة يقول بعض المروجين لها إنها تشترط لغتها، وتشترط منظومات قيمها ومنطقَ العقل الذي صنعها، أي تستدعي ثقافتها وتشترط تلك الثقافة، ومن ثمة  لا بدّ من التنازل عن كل ـ أو معظم ـ مقومات ثقافتنا ولغتنا، وعن جزء غير يسير من تكوّن عقلنا "البدوي"، إذا أردنا أن نكتسب الحداثة وندخل عالمها الذي هو جواز سفرنا إلى عالم اليوم..!؟

إن في تقديم شرط الحداثة على هذا النحو، وإشاعة قول سدنتها من الغربيين ومن يُنفخ في أوداجهم فيصرخون بقولها ذاك من العرب، إن في ذلك حقاً يراد به باطلاً، وباطلاً يتزيّا بزيّ الحق؛ ونحن على أبواب مجاوزة عالم ما بعد الحداثة، فكيف ونحن لم ندخل عالم الحداثة باقتدار بعد، فماذا نترك وماذا نبقي لنا منَّا لنكون، كما يريد لنا البعض أن نكون ؟!

القضية ـ التحدي ـ في هذا المجال تتصل بامتلاك العلم والتَقَانَة العالية، لإنتاج صناعات مدنية وعسكرية متطورة توفر لنا مقومات القوة واستقلالية القرار والخروج من شرانق الموت والحصار والمصادرة، وبالاستخدام الناجح لتلك المعطيات جميعاً وتوظيفها لتحقيق التطور المدني والتقدم الحضاري في المجتمع العربي، مع امتلاك مقومات الهوية والأصالة.. وهذا يستدعي تنمية بشرية " علمية وتقنية معرفية وثقافية" من جهة وتنمية شاملة في مجالات البنى الأخرى كافة. ولا أرى رأي من يقول إن الحداثة تشترط لغتها وقيمها وسلوك أهلها والانقطاع عن كل ما عداها، إنها تحتاج إلى معرفة لغة وأكثر ولكن ليس على حساب اللغة الأم.

نحن بأمس الحاجة إلى التحديث والتطوير والتنمية، ومن ثم إلى تعميق الوعي المعرفي والتقدم العلمي والتقني الذي يؤدي إلى ذلك.. أي إلى تفعيل الوظيفة الاجتماعية للعلم التي يقول بعض الباحثين إنها: ((نشاط للإنتاج يمتاز بالعمل الذي يؤدي إلى التدرج في سيطرة الإنسان على الطبيعة، وذلك بفضل تطور الاستعمالات المرتبطة بالتخصص المتزايد للوظائف، فمصدر التطور التقني المتعلق بالجنس البشري هو قدرته على الخلق والاختراع، الذي يرتكز دائماً على الوظيفة الرمزية واللغات في معناها الواسع.)) وفي توصيف آخر.. إنها: (( نشاطات تبادل لا يلتقي خلالها الرجال لينتجوا بل ليخلقوا شعوراً موحداً وقيماً توحّد المجتمع الذي يعطي معنى وتوجيهاً للنشاطات الإنسانية.)). فالنقلة النوعية هي إذن في العمل والسلوك والتفكير، في العلاقات الاجتماعية والإنتاج والاستهلاك، وفي النظرة إلى الحياة ودور الإنسان ومكانته فيها، تلك التي يحدثها توظيف التقدم العلمي والتقني والمعرفي توظيفاً اجتماعياً يدفع باتجاه النمو والتطور والتجديد.

ولا يُشتَرَط لإتمام ذلك، أو يُفتَرَض لإحداثه، إنجاز قطيعة مع بُنى الذات والماضي، قطيعة في البعد الماضوي للتكوين الفردي والجمعي، لا سيما مع مقومات العقيدة والتراث والموروث،  تلبية لمقولات بعض الحداثيين واشتراطاتهم وفرضياتهم، لا سيما ما يقدمه المفهوم الملازم للحداثة الأوربية في سياقها التاريخي وتاريخها الناتج عن ذلك السياق.

 لسنا مع الحداثة بالمفهوم الفوضوي الذي واكب نشأتها في بداية القرن العشرين وطالب بتدمير القائم والموروث والتراث ليكون جديد وتجديد.. الحداثة أطوار عدة وآخر أطوارها حداثة ما بعد المعلوماتية والهندسة الوراثية والاستنساخ والعلوم الفضائية. الحداثة تقدم علمي وتقني ومعلوماتي ومفهومي ومعرفي وإنساني تحققه أمم من دون التخلي عن لغاتها وهوياتها وعقائدها وقيمها وشخصيتها الثقافية ومصالحها، وتبلغ ذلك بالعلم والعقل والمهارة والإبداع وحيوية الذات الفردية والجماعية،.. ولا يُشترَط في الإنسان أن يحقق ذلك بخلع جلده ولغته ويعيش حالة اغتراب في لغة أخرى ومجتمع آخر، ولكن ذينك التحصيل والترقي يحتاجان إلى تعلم لغات.. وذلك مما يحث عليه الدين والعقل والشرع ويستدعيه العصر.. (( فمن تعلم لغة قوم أمن شرهم)).. وأتقن علمهم وأغنى ذاته ولغته وأمته بما كسبه وأدركه من علوم وتقنيات ومعلومات ومعارف.. وذلك لا يشترط لغة وهوية وانقطاع صلات وجذور.. وهو مما يدركه الطالب المهتم، وما ينبغي أن تحث عليه دولنا وتضع له سياسات وخططاً وبرامج وتقيم له مؤسسات وترصد له إمكانيات مالية، وتشجع عليه وتضع الحوافز للعاملين في حقوله وتوفر لهم فرص التعلم وتطوير الذات والقدرات والخبرات ومناخ العمل والإبداع وشروطهما، وتحميهم من جوع وخوف.

دمشق

                                  علي عقلة عرسان

انشر عبر