شريط الأخبار

الله أكبر.. وبؤسنا الروحي.. علي عقلة عرسان

09:49 - 15 تشرين أول / أكتوبر 2013

كل عام وأنتم بخير

في صبيحة يوم أمس الثلاثاء، اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك، ارتفعت في أرجاء العالم الإسلامي كله " الله أكبر ولله الحمد" مع التهليل والدعاء والصلاة على النبي وآله والابتهاج بالعيد والفرح بالنصر، وكانت تلك الصيحة صوت المبتهجين بفتح مكة يوم دخلوها وهم فرحٌ غامر بنصر الله لهم على المشركين وتمكنهم من أداء فرائضهم والطواف حول الكعبة بأمن وأمان، وكانت من قبل أولى عبارات المسلمين المستضعفين في مكة يواجهون بها من يرفع صوته بالقول" أعلُ هُبل" رب أرباب قريش وغيره من أصنام العرب وأوثانهم، إذ كان رد المسلمين على من أخذته حمية الجاهلية والعزة بالإثم: " الله أعلى وأجلّ" و" الله أكبر.. الله أكبر.". كما كانت تلك العبارة تقرباً لله في العبادات والأضحيات والنذُر، وشعاراً ورمزاً وصيحة من صيحات الجهاد الحق، وإشارة الهجوم في الحرب، ودعوة للحشد واستنفار الهمم أو للصمود عند تكاثر الأعداء على المسلمين، وهي صرخة المظلوم بوجه الظلم والظلاَّم، ودعوة الإنسان حين تعجزه الحيلة والوسيلة لرد الحيف والقهر وسطوة العدو الغاشم.. ولكنها لم تكن في يوم من الأيام صوت الطغيان وذبح الإنسان للإنسان عدواناً وظلماً وتجنياً على الدين والعدالة والإرادة الإلهية التي أعلت شأن الحياة وحرمت قتل الإنسان بغير ذنب أو فساد في الأرض وجعلت ذلك بحكم من يقتل الناس جميعاً.

نحن منذ بدايات الأزمة السورية الخانقة نسمع ونشهد، في مواقع ومواقف كثيرة، استخدامات ناشزة لهذه العبارة التي تسكن أعماقنا وتهز مشاعرنا بقوة، تجعلها تنبو عما هو عليه استخدامها ودلالاتها وتأثيرها في نفوس متلقيها عبر التاريخ الإسلامي، ونجدها تحشر ويعلو بها الصوت في غير ما يرضي الله سبحانه وتعالى من أفعال وأقوال تصب في الظلم والفتنة أو تحرض عليهما. واليوم في عيد الأضحى المبارك نسمع ما كنا نسمعه منذ بداية الأزمة السورية على الخصوص وونشهد فظائع ترتكب مع علو النداء بها، وأخرى ترتكب من دون اكتراث بها أو ترديد لها وحتى باحتجاج عليها.. فالقتل والتدمير والظلم والاستبداد والقهر والجهل ودخول معمعان الفتنة على أرضيات فكرية وتنظيمية وعقائدية مقيتة هي الفتنة وما يشعل نارها وينشر ظلمتها في الآفاق.. أصبح ديدن فئات وسمة من سمات المرحلة التي لا يمكن أن نصفها بغير البؤس الشامل والحقد الأعمى اللذين يجتاحان الأمكنة والناس في زمان كرهه الناس.

إن مقاربة المخارج من ذلك البؤس الروحي والفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي، بهدف وضع حدٍ للعمَه والغلو والتعصب والتطرف والمزادات المفتوحة من انتهازيين مردوا على العقل والخلُق والضمير والقانون وعلى المرجعيات المعتبرة من أي نوع كانت.. إن مقاربة المخارج تبدو مقاربة عقيمة ومضيعة للوقت، على الرغم من التفاؤل الحذر الذي أضحى يرافق تلك المقاربة، فما بالك بالركون إليها وهو لا يجعل صاحبه ينام إلى على ألواح الصبار؟!.. في السياسة إفلاس وبؤس شامل لا يكاد ينجو منهما أحد في كل المواقع، فلا سياسة تأخذ بإعلاء مصلحة الشعب وكلمته ورغبته فوق رؤى الساسة ومصالحهم وأشيئهم الصغيرة التي تتحكم أحياناً بكبار الأمور المصيرية.. وفي الجبهات العسكرية قتل متجدد بلا حسم، وأقوال عالمية كثيرة مرموقة تقول بانسداد أفق الحسم العسكري، ولكنها مدخولة بانعدام المصداقية لبعض أهلها ممن يقولون بذلك فهناك من يصب الزيت على النار ويمول العسكرة والقتل والحرب وتدحرج كرة النار، وهناك من ينطبق عليهم بالمقابل القول: "لا حياة لمن تنادي" ممن يعنيهم أو يجب أن يعنيهم أمر النار التي تحرقهم ويشعلون؟! ولا يوجد في هذا الاقتتال انتصار أصلاً على خصم بل هناك انتصار على القيم والبراءة والطفولة والوطن والشعب وعلى إشراقة المستقبل وبوارق الأمل في العيون.. وثقافياً يلوك بائسون من هنا وهناك أقوالاً وأفكاراً ويجترون نظريات عتيقة برؤى تجعلهم مثل غرابيل قديمة، أقوال وأفكار ونظريات ورؤى لم تتغير ولم تتطور ولم تنمُ بمواكبة واعية للحدث الدامي المتنامي "تأثيراً وتعبيراً ودلالات" منذ بداية الأزمة الكارثة في سورية، وبعض تلك الأفكار والنظريات يعود إلى ستالينية ورثها أقزام عن عمالقة في مجالها فتراهم يتعملقون بادعاء ما زال هو الداء ينشره إعلام هو أصل كل داء، وبعضها يعود إلى مفاهيم ورؤى وفقهيات ذات أبعاد إسلامية نمت على هوامش النصوص أحياناً وضاقت بها المتون، ولم تأخذ جدياً وعملياً بأحد أهم مرجعيات التشريع والمفاهيم الفقهية وأعني " الإجماع".. وقد ألبست تلك الرؤى أثواباً غربية لضرورات خاصة لم تنجح بأن تكون عصرية بالمعنى الذي يفيد الناس ويماشي التطور، ورفع أهلها السيف فوق الرقاب والهامات وهم في مهامه الحيف، فضلَّ منهم فريق واكتوى فريق آخر منهم بالنار التي أوقدها أو أوقدت له، وألحق الجميع بأنفسهم وبوطنهم وبالناس كوارث أهون منها العار.. وبين هذين التوجيهين تلاوين من "تيارات وتوجهات" يركب موجتها تجارُ مواقف وأدعياء معرفة ونضال، وهم إلى المرتوقة أقرب منهم إلى أي صنف آخر من صنوف الرجال، شأنهم في ذلك شأن تجار الأزمات والحروب والسياسات.. وتكاد سمة الضياع والتخبط وانعدام النضج السياسي والاجتماعي والثقافي تسيطر على مجمل توجهات أولئك جميعاً مع ما يضاف إلى ذلك من تبعية يمليها التمويل واتفاقيات التشغيل، لكنهم من عجب يزعمون عكس ما هم عليه ويشهرون الاتهامات والأسلحة بوجه المخالفين عدا عن التشويه والإلغاء، ويقول بعضهم بقبول الآخرين "شفاهاً" لكن كيف يكون ذلك وعلى أي وجه بينما الإلغاء قائم.. وذاك ادعاء تكشف زيفه الممارسات وساحات المواجهات الدامية أو الملغَّمة بألف لغم ولغم؟! وفي الجهة المقابلة رؤى سياسية تعتمد ما تسميه "الثوابت المبدئية والوطنية والقومية"، وتكاد تأخذ بعصموية مكشوف خطلها ومن ثم بطلانها، فمن بين أولئك من يقول بقومية عربية ولا يقارب الإسلام الذي يشكل أحد أهم مقومات الهوية القومية، كما يفعل الإسلاميون بشأن القومية.. وبعضهم يقول بعلمانية مارسها إلحاداً مكشوفاً وحرباً على الدين والمتدينين تحت تأثير المفاهيم الشيوعية للعلمانية، مجافياً بذلك المفاهيم الموضوعية والمنهجية للعلمانية التي ولدت بعد صلح ويستفاليا في النصف الأول من القرن السابع عشر ونشأت في الغرب وما زالت تنمو وهي لا تجعل الحاكمية للدين والكنيسة ولكنها لا تحارب الدين ولا تلاحق المتدينين، وبعضهم يقول بالدولة المدنية التي لا يتورع عن نخرها وتشويهها بالممارسات التي تنم عن تعصب وتخلف وفساد وإفساد، وبعضهم يقول بالديمقراطية.. ولكن تلك الديمقراطية بوصفها "أقل أنظمة الحكم سوءاً في العالم" تغدو من خلال ممارستهم لها تحت يافطات: " الديمقراطية المركزية، الديمقراطية الشعبية، الديمقراطية البرلمانية.. الديمقراطية الطبقية "الطقطقية"؟!.. إلخ، تغدو أسوأ أو من أسوأ أنظمة الحكم في العالم من حيث التطبيق والممارسة والنتائج التي تعود على الشعب وضعاف الناس على الخصوص ومن تشترى أصواتهم بالمال سواء عن طريق الشركات الراسمالية ىالكبرى كما في الدول الكبرى ومثالها شركة إنرون الأميركية ونجاح الرئيس جورج W بوش أو من خلال من يشترون أصوات الناس الفقراء بالغذاء أو بالمال على الطريقة السورية القديمة: " هات الهوية وخذ مية"، هذا يوم كانت المئة ليرة سورية ذات قيمة شرائية.

نحن أمام البؤس المتشح بأردية ملونة، لكنها على تعدد ألوانها وتنوع أقمشتها وتمايز تفاصيلها لا تخفي ذلك البؤس ولا بأي شكل من الأشكال.. ويبدو أننا سنبقى أمام البؤس والموت والنفاق والانتهازية ما دام هناك ساسة وأيديولجيون ومثقفون وحزبيون ومقاتلون ومتطرفون تتحكم بهم المصالح الخاصة والرؤى الضيقة وتأخذهم جميعاً العزة بالنفس ويعتبرون أفراد الشعب مطايا لأهدافهم ومصالحهم فإننا لن نصل إلى تحقيق أي هدف مما نتطلع إلى تحقيقه من أهداف، لا سيما وقف الاقتتال وحقن الدم وحفظ الوطن والاحتكام إلى العقل والمنطق.. فعلى الرغم من كل المآسي التي نعاني منها والخسائر التي لحقت بالبلد.. مازال هناك من يردد ما كان من شعارات في الأسبوع الأول للأزمة: " اسمع بشار ما في حوار"، ومن يشترط شروطاً لحضور جنيف تجاوزها العالم كله، كأنه لم يسمع ما أجمعت عليه الدول، وما زال هناك من يقدم لغة السلاح في كل المواقع ولا يحركه يحركه الدم والموت والحصار والتشرد وما لحق ببعض السوريين من إعاقات وعاهات دائمة وما لحق بهم جميعاً من إهانات.. الحكم يريد والمعارضة تريد والشعب يريد، ولا تلتقي الإرادات في مصب واحد يشكل تيار الحياة ويجددها في سورية الحضارة والعروبة والإسلام والتعدد بأشكاله.         

 نحن في البؤس ما نزال، بؤس الحال وبؤس المآل، ومن يترتب عليهم القيام بمراجعات شجاعة وبناءة وبمبادرات إيجابية خلاقة.. لا يقومون بذلك المرتجى المنقذ إما لعجز مقيم وإما لجاهلية عصرية جهلاء وجهل بما يبني ويعلي الشأن العام والخاص للوطن والشعب والأمة، وإما لغايات في نفس يوسف أخفاها؟! نحن في البؤس ولا نقوم بمراجعات علمية موضوعية ومنهجية لنصحح ما غرقنا فيه من خطأ جراء اتباع الهوامش والمهمِّشين وترك الأصول والمتون في الكتاب والسنة والشرع والفقه وفي التشريع والقانون، ولا نقوم بما ينبغي لنعيد للمفاهيم الدينية والقومية والوطنية والإنسانية اعتبارها على أسس من الفهم السليم والتطبيق الصحيح والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية، ونقدم للأجيال الصاعدة، ابتداء ممن هم في سن الطفولة وصولاً إلى سن هم في سن البلوغ، مروراً بالمراهقة وإشكالاتها ومخاطرها، ما يقيم الثقافة على عمق معنى ومبنى وسلامة انتماء، وممارسة علمية ـ  عملية في مجتمع يجد الإنسان فيه عملاً وأملاً وأمناً وحياة اجتماعية سليمة على أسس من الأصالة والانتماء والمعرفة والعلم والقيم والتربية السليمة التي هي أساس تكوين المجتمعات وتقدمها وبقائها.. وبدلاً من أن نلتفت إلى عمق المآسي فيحكمنا الواقع وألم الناس وحاجاتهم وما  يهدد مستقبل الوطن والشعب.. نلتفت إلى ما يرضي فلاناً ويبقى علاناً.. وكأننا ملك لفلان وعلان ممن يبعوننا في السوق يومياً ثم يطلبون أجورهم منا فقد تعبوا حتى سوقونا وقبضوا ثمننا؟!

بؤس على بؤس في تجليات أحوال ومواقف وممارسات وأقوال، لا سيما في مجالي السياسة والاقتتال والأحوال المعيشية للناس من خلال ذلك كله.. يشجعنا على/بل يدفعنا إلى أن نراهن على أن يدخل من يتولون الكلام والتقرير باسم الشعب السوري انتخابات نزيهة بعيدة كلياً عن أي ضغط أو تشويه أو تجيير أو مرض اجتماعي طائفي أو عرقي أو عصبوي وبعيداً عن تدخل المال السياسي والسقم الإعلامي والتدخل الأمني.. لنرى من منهم يقبله الشعب ويعطيه ثقته.. بل نمضي إلى أبعد من ذلك قياساً على بعض الأشخاص والتنظيمات والحالات، حيث نراهن على قدرة أن يأتي من يدعي أن الشعب معه وأنه يتكلم باسم سورية والسوريين، أن يكون في البلد وحده ويتجول بين الناس ويرى منهم ما يتوقع وما لا يتوقع من مواقف وآراء وتصرفات قد يبلغ شططها حدوداً تليق بشططه في الادعاء.

نحن في البؤس، نردد في هذا الموسم العظيم " الله أكبر.. الله أكبر"، لكن كل منا يرددها بطريقته ويحملها على نفسه أو يحمِّلها ما في نفسه.. ويبقى الله سبحانه وتعالى براء مما نحمله في أنفسنا وما نحمِّله لتلك العبارة الجميلة الجليلة ذات الأبعاد الروحية والدينية والتاريخية والاجتماعية الكبيرة.

دمشق في 15/10/2013

علي عقلة عرسان

 

انشر عبر