شريط الأخبار

من قال ربيع عربي؟... يديعوت

01:50 - 30 تموز / أغسطس 2013

بقلم: سمدار بيري

(المضمون: إن رياح الثورة التي هبت على العالم العربي قد ضعفت وخفتت واحدة بعد اخرى وحل محلها خريف غضب مصحوب بعواصف عنف ودم. وقد استُبدل بنظم الحكم في بعض البلدان لكن جاء الاسلاميون المتطرفون ليحلوا محل العلمانيين - المصدر).

لولا الرد المزعزع وهو اقتلاع الأظفار في زنازين التحقيق، حينما أصبح أولاد صغار ضحايا تنكيل شبيحة النظام، فلربما تطورت الامور على نحو مختلف. كان رئيس سوريا بشار الاسد على يقين أصلا من أنه منيع في وجه رياح الثورة التي زعزعت العالم العربي. وقد آمن ايضا بأن الخوف سيصيب معارضيه بالشلل. وحينما دهش أن رأى الربيع العربي وصل إليه ايضا استقر رأيه على أن يعمل سريعا وعلى أن يردع كي يسمع المواطنون كيف تعمل السلطة ويحذروا. وقد أغضبه عمل قام به مجموعة من الاولاد أعمارهم بين العاشرة والثالثة عشرة من بلدة نائية جدا، بحيث مارس بالقوة جميع الأخطاء الممكنة. وأصبح العالم كله يرى النتائج منذ سنتين ونصف سنة.

حدث ذلك في شباط 2011. فقد خرجت مجموعة طلاب من مدرسة ابتدائية في البلدة الزراعية درعا على مبعدة 90 كم جنوبي غربي دمشق ليرشوا كتابات على جدران المباني الحكومية، بهدي من الربيع العربي الذي كان يهب في تلك الايام على تونس ومصر. وقد رش "اولاد درعا" الذين أصبحوا بعد ذلك رمز الانتفاضة في سوريا صبغا أسود ورددوا شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" وصوروا رجال شرطة مسلحين بهراوات حديدية وخراطيم غاز. وكانت تلك سابقة لأنه لم يتجرأ أحد حتى ذلك الحين على أن يتكلم في سوريا عن الرئيس الاسد واجهزة حكمه.

وفي ذلك اليوم نفسه جاءت الى البلدة قوات أمن معززة واعتقلت الاولاد وسجنتهم في موقع تحقيق. ولقيت جميع المحاولات التي قام بها الآباء ورؤساء العائلات المحلية للاقناع بأن الحديث في الحاصل عن لعبة اولاد، لقيت جدارا أصم. وقد أبقوا الاولاد البؤساء اسبوعين في غرف التحقيق. وكان يمكن سماع صرخاتهم من بعيد. وحينما تم الافراج عنهم عرضوا أصابع مقطعة الأطراف وتحدثوا عن اعمال اغتصاب وتعذيب مخيفة في كل ساعات النهار والليل. وخرجت عائلات درعا الخمس الكبريات للاحتجاج أمام مبنى الشرطة وكانت تلك هي التظاهرة التي بدأت رقصة الأشباح في سوريا.

ودهشوا في قصر الرئاسة. "نصحنا الاسد أن يزور درعا مع زوجته أسماء وأن يُهديء النفوس"، قال لي في هذا الاسبوع مدين الذي كان يؤدي عملا رفيعا في مكتب الرئيس وهرب الى اوروبا بعد ذلك. "قلنا له: قولوا لعائلات الاولاد إنه وقع عدم فهم وعِد بالتحقيق في الواقعة ومعاقبة المسؤولين. وبعد أن كشفت قناة "الجزيرة" عن القضية اهتمت وسائل الاعلام العالمية بأن تُذكر الرئيس بأن عنده في البيت ثلاثة اولاد أعمارهم كأعمار "اولاد درعا". لكن الاسد أصر على أنه "يجب التحقيق لبيان من الذي أرسل الاولاد". وأبلغنا، أعني مجموعة المستشارين الكبار في القصر، أنه كما "اقتلعنا أظفار الاولاد، يجب أن نقتلع من الجذور المنظمات الارهابية التي تتسلل الى سوريا بغرض زعزعة استقرار نظام الحكم".

ومن هنا بدأت كرة الثلج تدحرجها. فعزز الاسد قوات الامن في درعا وقويت المظاهرات ردا على ذلك. وفي المرحلة التالية أطلق الجيش النار على عشرين مزارعا فقتلهم وأرسل عشرات من سكان البلدة وفيهم أمهات الاولاد الذين اعتُقلوا الى موقع التحقيق نفسه. وبعد اسبوعين أدرك رئيس سوريا أن هذه الاجراءات قد تكلفه ثمنا باهظا. فأرسل الى درعا في محاولة لاعادة الهدوء موظفين التزموا برفع الأجور البائسة للسكان والعناية بالبنى التحتية المهملة وتعبيد شارع مطور الى دمشق لنقل شاحنات الفواكه والخضراوات. وفي مقابل ذلك أقال ممثلي النظام الذين كانوا يعملون في درعا حتى ذلك الحين. "لكن ذلك كان متأخرا جدا"، يزعم مدين. "واستُقبل وفد التعويض بمظاهرة غاضبة من آلاف السكان. وصاحوا: "لا نريد مالا، نريد احتراما من النظام". ومن هنا انتشرت الانتفاضة في جميع أنحاء سوريا مثل فيروس مُعدٍ".

وبذلك أصبح الربيع العربي "خريف الغضب" وحصل بعد ذلك على العنوان المتشائم "الشتاء الاسود". وتنحصر الأحداث كلها في كرامة المواطن الصغير الفقير الضعيف العاجز، وفي العلاقة بينه وبين القبضة الساحقة لنظام الحكم الاستبدادي. لم يطلبوا في سوريا أول الامر استبدال الزعيم وكذلك كان الامر في تونس ومصر ايضا: فقد كان الهدف استبدال الطريقة لا نظام الحكم؛ واعطاء المواطن قدرا أكبر من الاحترام وقدرا أكبر من الحرية.

من الخيمة الى جائزة نوبل

في المحطة الاولى تونس أحرق بائع الخضراوات محمد بوعزيزي نفسه حتى الموت في كانون الثاني 2011 بعد أن صادر مفتشون عربة بضاعته وبصقت شرطية في وجهه. وفي الاسكندرية في مصر ضرب رجال شرطة طالب الجامعة خالد سعيد حتى مات. وفي ليبيا اغتصب بلطجية اسلاميون نساءً شابات كُن يطُفن بلا محرم. وفي اليمن طرحوا في السجون مواطنين اجتمعوا في الساحة المركزية، وأُطلقت النار على الطاغية علي عبد الله صالح وأُصيب اصابة بالغة في محاولة اغتيال. وصنعت زعيمة الثورة في اليمن توكل كرمان التي نصبت خيمة احتجاج في وسط صنعاء ورفعت راية التمرد، صنعت تاريخا وفازت بجائزة نوبل للسلام.

وحصل الربيع العربي دفعة واحدة على اعتراف دولي ودخل في جدول اعمال الزعماء واجهزة الاستخبارات والباحثين والصحفيين في العالم كله، وتأثر أكثرهم بالصوت الجديد الذي يرتفع من الشوارع ويخيف الحكام. لكن في مرحلة ما فقدت المسيرة الألوان الناعمة المتفائلة وصارت لها ألوان قوية هي ألوان "التخلص" و"الانتفاض" والثورة المسلحة على المستبدين.

واكتسحت رياح الثورة اربع دول هي تونس ومصر وليبيا واليمن. ونجت منها نظم الحكم الملكية خاصة برغم أن جميع الاشارات وجميع البواعث على الانتفاض موجودة هناك ايضا وهي: التجاهل العام لحقوق المواطن، وحالة طواريء تبيح لقوات الامن أن تعتقل مواطنين أبرياء، وفساد في القيادة العليا، وكم أفواه في وسائل الاعلام وتمييز النساء. وبرغم ذلك لا توجد مظاهرات جماعية في المغرب؛ ولا توجد انتفاضة في السعودية؛ وينجح الملك عبد الله في الاردن في البقاء؛ وتمت في البحرين مظاهرات في ميدان اللؤلؤة لكن الأسرة المالكة نجحت في تسكين فورتها.

"ليس هذا عرضيا"، يُبين استاذ الجامعة سعيد عبد الله من الجامعة الامريكية في القاهرة. "فالملوك يتمتعون بصورة حُماة الدولة ويهتمون بأن تكون لهم صورة أبوية نجحوا بفضلها في تسكين الشارع في الوقت المناسب. وللملوك ايضا اجهزة موالية يعرف العاملون فيها أنه اذا سقط الملك فسيسقطون بعده فورا. ويدرك المستشارون الكثيرون المحيطون بالملك ايضا جيدا أن مصيرهم متعلق بربهم الكبير وهم يحرصون على تشمم وتحسس الارض. وقد أغلقوا الأفواه في المغرب بسن قوانين لمصلحة النساء. وفي الاردن استبدلوا اربع حكومات وأعلنوا مكافحة الفساد التي لم تنطلق في طريقها آخر الامر. وفي البحرين خرجوا في عملية دعاية وطنية ترمي الى إثبات أن الملك إبن القلة السنية يُحب الكثرة الشيعية في بلده.

"وفي السعودية كان الامر هو الأسهل: فقد سحب الملك عبد الله محفظته ورفع الأجور رفعا كبيرا وعين ثلاثين امرأة للبرلمان الملكي ووزع على الأزواج الشابة وعلى طلاب الجامعات وعلى المعدمين نفقات سمينة".

وفي كل مرة ظنوا فيها أنه سيكون غليان جندت الاجهزة نفسها لتنفيذ اعتقالات. وكانت الحجة أنهم يحاربون القاعدة. ولم يذكر أحد أنه يوجد في السعودية جيل شاب خائب الأمل وغاضب.

عُسر ويأس وطُغاة مستبدون

إن اقتصاد "الربيع" يتغير بحسب الاجراءات السياسية. ففي مصر مثلا استقر رأي ممثلي ثلاثة اتحادات صناعية دولية – "شل" و "جنرال موتورز" و "الكترو – لوكس" – على وقف عملها في يوم عزل الرئيس مرسي. وأُخرج آلاف المواطنين دفعة واحدة من سوق العمل التي أصابها في السنتين الاخيرتين انخفاض حاد. فحينما لا يكون الحكم مستقرا يهرب المستثمرون.

لا تكاد توجد صناعة في مصر ولا سياحة. والتصدير ينهار. ولا يوجد مال لثقافة الفراغ. ويُقدر خبراء أن الدولة لن تستقر أمورها في السنوات القريبة الثلاث. فالذي يريد أن يحافظ على ماله وليست عنده عاطفة الى بلده يهرب الى خارج البلاد. وعلى حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، يوجب تعمير الدول الاربع العربية التي تغير نظام الحكم فيها استثمارات تبلغ 360 مليار دولار في ثلاث سنوات. ويُحذر خبراء من أنه لا كلام عن هبات غير عادية وتبرعات بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.

وليس واضحا الى الآن ما الذي أشعل الميادين حقا: أهو الازمة الاقتصادية ويأس الجمهور أم القبضة الحديدية للمستبدين. قبل ثلاثة اسابيع من إغراق آلاف الشباب العلمانيين ميدان التحرير في القاهرة، تم في مصانع المحلة في أطراف العاصمة هياج طلب فيه آلاف العمال الحصول على رفع الأجور الذي وُعدوا به. وتابعت اجهزة الامن ذلك باعتقلت وحققت وأفرجت وأبلغت قصر الرئاسة وهدأت النفوس قائلة "إن الامور تحت السيطرة".

كان وائل غنيم، المسؤول الكبير في "غوغل" الذي اعتُبر بطل الثورة في مصر، موجودا في تلك الايام في إمارة دبي في الخليج العربي ونظم من هناك ايام المظاهرات الثلاثة الاولى. واعتُقل في طريقه الى التحرير وعُذب وسمع التهمة الثابتة وهي "أنت عميل للموساد". وحينما أُفرج عنه انفجر باكيا أمام كاميرات التلفاز وبعد ذلك جاء الى ميدان التحرير. وحينما حاول أن يخطب فوق منصة التكريم، منعوه لأجل الشيخ القرضاوي وهو الداعية الاسلامي الذي جاء خصوصا من إمارة قطر بدعوة من الاخوان المسلمين. وحاول غنيم أن ينضم اليهم بل إن زوجته الامريكية تحجبت، لكنهما يئسا بعد ذلك وابتعدا عن السياسة.

لا يصعب ملاحظة التوجه في السنتين الاخيرتين: فقد حل الاسلاميون محل قادة علمانيين باحثين عن الديمقراطية والحرية والمساواة الكاملة للمواطنين. وفي مصر خان الامريكيون حلفاءهم العلمانيين واستقر رأيهم على دعم الاسلاميين المعتدلين في الدولة لتقدير "وظهر وهمه تماما" أن هؤلاء سيفتحون لهم الأبواب للمعسكر الاسلامي الذي يحتل العالم العربي كله. وفي تونس عُزل الزعيم العلماني زين العابدين بن علي لصالح حركة النهضة الاسلامية. وفي مصر سيطر الاخوان المسلمون على كل المناصب الرئيسة. ولم يوقف فشل الرئيس مرسي الطوفان الاسلامي في كل الدول في العالم العربي تقريبا، ففي الجزائر لم تُستبدل الى الآن السلطة، لكن الاسلاميين المحليين يرفعون رؤوسهم في مواجهة الزعيم المحتضر بوتفليقة. وفي السودان اضطر الحاكم عمر البشير الى أن يلتزم للاخوان المسلمين بأن يغادر القصر في السنة القادمة. ويضغط الاسلاميون ايضا في موريتانيا وجيبوتي والكويت والعراق وفي الممالك الاربع: السعودية والاردن والمغرب والبحرين.

إن الفلسطينيين هم الذين شذوا عن القاعدة. فقد سمعنا هنا وهناك تهديدات في رام الله بمبادرات شارع وتنظيمات لانتفاضة داخلية لكن ذلك لم ينضج ليصبح عملا حقيقيا. "إن ما يحدث في الدول الاخرى يخيف ويقمع"، يقول هشام نوفل وهو طالب للقب الاول في الادارة العامة في جامعة بير زيت. "حتى لو لم يكن أبو مازن هو من يفضله الشباب فانهم لا يقمعوننا كما في الدول الاخرى. فالذي لا يصنع مشكلات يعيش بهدوء. ومن اجتهد وتميز وجد امكانات التقدم. ووضعنا في الحاصل أفضل".

إن أحد التأثيرات البارزة للربيع العربي هو إساءة وضع النساء. في مقالة طويلة لاذعة نشرتها منى تهاوي المصرية المولد في مجلة "فورن أفيرز" تحت عنوان "لماذا يكرهوننا؟" – تحلل التدهور الصحفي. وهي تعرض حالات اغتصاب وتحرش جنسي وقمع وعدم مساواة مطلقا في سوق العمل. وتقول إن الرسالة التي تتلقاها المرأة العربية في السنوات الاخيرة تقول: "تحجبي واجلسي في البيت وأغلقي فمك". وقد تلقت هي نفسها ضربات في مركز اعتقال في القاهرة وكسر رجال الشرطة يديها كي لا تستطيع أن تكتب عما يجري عليها وتُسيء سمعة النظام.

مستوى الكراهية ينخفض

تحرص اسرائيل على الحفاظ على الصمت بازاء البحر الهائج للثورات والزعزعات. وقد حظر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتوصية من خبراء الكلام على الوزراء. وفي مقابل ذلك تُصر منظمتا "اسرائيل تبادر" و"مبادرة جنيف" اللتان تعملان على صيغة اسرائيلية لخطة السلام العربية على أن العالم العربي ضعف وأنه يمكن ويجب الحث على عمل سياسي.

وفي هذه الاثناء لا يوجد الكثير ممن يُحادثون، فالحكام في الدول العربية أكثر اشتغالا بما يحدث في شوارع مدنهم وأقل اشتغالا بالمسارات السياسية، لكن يبدو أنه يوجد تحادث تحت السطح. إن عبد الله ملك الاردن قد أمطر رئيس وزراء اسرائيل في المدة الاخيرة بمطر الاطراء وهو ما يشهد على تعاون أمني تحت الطاولة: فعلى حسب أنباء أجنبية نُشرت، تجمع طائرات اسرائيلية بلا طيارين معلومات على طول الحدود الاردنية مع سوريا. ومصر السيسي تنسق مواقفها مع اسرائيل في شأن حرب خلايا الارهاب في سيناء وفي شأن اغلاق الأنفاق في غزة. وقد ندد رئيس لبنان ميشيل سليمان بمحاولات سوريا التحرش باسرائيل.

يبدو اذا أنه برغم أن الربيع العربي لم يأت بالديمقراطية وحرية التعبير والمساواة في الحقوق؛ وبرغم أن السلام مع سوريا لا يبدو في الأفق؛ وبرغم أنه لا يوجد سفير مصري في تل ابيب منذ سنتين – برغم كل ذلك انخفض مستوى إساءة السمعة ومظاهر الكراهية نحو اسرائيل. ويفضل الشارع العربي بعد الثورات أن ينطوي على نفسه. فهم في الأكثر سيُصفون الحساب مع الادارة الامريكية الخائنة. وماذا عن اسرائيل؟ لن تُرى للدول العربية علاقات طبيعية معلنة بنا على أية حال من الاحوال. فالموجود مخبوء تحت الطاولة. وهم يفضلون أن ينسونا حتى إشعار آخر.

انشر عبر