شريط الأخبار

تداخلت أوقاتُنا والنار ..علي عقلة عرسان

08:29 - 20 تشرين أول / أغسطس 2013

هل تستطيع الثقافة أن تؤدي دورها فتحرر بالوعي المعرفي، وتنقذ من الخواء الروحي والضلال والفساد والتآكل، وتدفع الإنسان إلى السير في طُرُق العلم والحضارة وامتلاك القيم والتقدم بأنواعه؛ من دون أن تنمو في مناخ من الحرية والاستقرار وشيوع معايير سليمة للتواصل والتفاهم والتراتبية المعرفية والإبداعية تقوم على أسس مهنية موضوعية وليس على التعصب والعمل " الميليشياوي" بأنواعه، ومن دون العقل والمنطق والممارسة المعرفية ديمقراطياً بمعاني المساواة كافة؟!

هل يستطيع المثقفون أن يحرروا الوعي والإنسان، وأن ينيروا القلب ويخصبوا الروح، من دون أن يحرروا أنفسهم من التبعية والمسخ بأشكالها، ومن النفعية المتورمة، والإغراض المريض والشهوات المتدنية التي تمرغ الإبداع برغام الخنا، ومن كل خلل في سلم المعرفة والمعايير والمناهج المعرفية والقيم الخُلُقية والإنسانية السليمة؟!

أكاد أقطع بأن جوهر الإبداع والفكر اللذين يشكلان ربيعاً حقيقياً للإنسان: قيم رفيعة في مشربيات نور ترعترش صعوداً نحو المُثُل، وتعلُّق بالحرية المسؤولة والعدل والحقيقة، وشجاعة في المواجهة على أرضية رؤية متألقة للواقع في ضوء الماضي والمستقبل، مزدانة بالانتماء والوقعية والثقة والمتانة الداخلية: متانة الأعماق الروحية ومقومات الشخصية والصلات الاجتماعية، والإرادة الخيرة القادرة على التحريض الإيجابي باتجاه الإنجاز البناء.

وأكاد أقطع أيضاً بأنه من دون إشاعة المساواة بين الناس، واحترام الحقوق والحريات العامة، لا سيما احترام حق الآخر في الاختلاف تحت سقف ثوابت الاحترام المتبادل والانتماء العميق والمواطنة والوطن؛ لا تقوم لثقافة أمة ولا لمثقفيها قائمة يستند إليها المجتمع ونظام الدولة ، هذا في حال وجود كيان الدولة بمؤسساتها وأسسها وشروطها، ووجود رجل الدولة المسؤول بالمعاني الموضوعية لذلك، حيث تحمي وتحرر وتبني وتمارس وجودها الحيوي الذي تحتاج إليه الأمة والبشرية، حيث لا تقدم من دونه أبداً.

ولذلك فإن قضية الممارسة الديمقراطية على أرضية الانتماء لواقع وثقافة وتاريخ، وعلى أسس احترام الحقوق والحريات العامة، وربط للحرية بالمسؤولية عن واقع وشعب منتمٍ لأمة في واقعها، ضمن معطيات ذلك الواقع وما يرتبه كل ذلك من مشروعية وتطلعات وتبعات والتزامات.. هو مما يطلب من المثقف والثقافة بحثه وتعميقه ورعايتُه وخدمته والإخلاص له والحض عليه.. مع التأكيد على أهمية جعل ممارسة الحرية ضمن أسس ومؤسسات قانونية حاكمة، عالية المستوى من حيث الأفق الإنساني والقيمة المعرفية والعلمية والاجتماعية والفهم والتفسير والأداء والحكم، وجعل أفق الحرية السياسية ـ الفكرية ـ الإبداعية مفتوحاً على مداه، يُجدِّدُه الوعي المعرفي باستمرار ويساهم هو في تجديد الوعي المعرفي وتعميقه باستمرار، من دون أي نوع من أنواع المصادرة أو الوصاية أو التضييق: "وصاية مثقف على مثقف وتضييق سلطة على ثقافة، وسياسة على سياسة، وفئة على فئة، وطائفة على طائفة.. إلخ". وإن التعمق في دراسة موضوع: السلطة والحرية، لا سيما في المجال الثقافي، وتحديد آفاق العلاقة بين السياسي والثقافي، هو من أهم المواضيع التي تستدعي المناقشة والاهتمام والرعاية في هذا المجال وفي هذا الوقت الذي تعم فيه فوضى مفاهين وتسود فيه طغيانات فائقة التوحش وانتهازية لا ضفاف لها وارتزاق على حساب الحرية والسياسية والفكر والإنسان.. ويجري فيه من جراء ذلك نهر دماء ذي سواق هنا وهناك في أرجاء وطننا العربي. فكل تبعية عمياء للسلطة ـ بوصفها سياسة ـ مرفوضة وكل دعوة للنأي بالنفس عن صور أدائها واهتماماتها وضرورات وجودها غير ممكنة وغير واقعية ومرتفعة التكاليف بشرياً وعمرانياً . وقد سادت، في فترة من الفترات، نظرةٌ تزعم أن الثقافة ينبغي أن تكون دوماً على خط مناقض أو مضاد للسلطة، ورافق تلك النظرة وتطبيقاتها تصرف غير محكوم بمصلحة وطن وحكمة عقل وسلامة سياسة.. فكانت عنتريات مواقف لم تفد أحداً وأضرت بالجميع.. وكان من انعكاساتها عند فئات وفي بلدان ومجتمعات قيام ثقافة بولاء أقرب إلى الاستزلام، أضر بالثقافة وأضر بالحكم.. وذوت في ظل ذلك فروع وغصون للثقافة الجديرة نمكانتها وموقعها وموقفها، حيث تعاون عليها الطرفان الآخران كل يشدها إليه ويريد أن يلبسها ثوبه، ولم يشفع لها مناخ سليم يكون فيه حماية للثقافة بالمعنى العميق المستقل النزيه القادر، لأن من يفترَض به أن يقيم هذا المناخ ويرعاه ، أي من هم في الحكم، طرف يشد إليه من يولونه أو يستزلمون له في حركة دفاع ضد من يعادونه مهما فعل ومن دون معيار أو مراعاة لمصلحة وطن وظروف واقع وتحديات داخلية وخارجية كثيرة!؟ وقد جنينا الثمر المر لهذا في فرعيه المستور لبضاعة فاسدة كان يتم تصديرها لأهداف ضارة، والمتركز حول فساد رأي ورؤية وفكر وحكم مما يجعل رافعة الثقافة ضعيفة أو معطلة أو مشلولة.

وما زال ذلك يفعل فعله في مجتمعاتنا وثقافتنا ومواجهاتنا للتحديات المفروضة علينا: تحديات الاحتلال الصهيوني والغرب الاستعماري من جهة وتلك التي يقيمها الفساد والإفساد والتورم الطائفي والمذهبي المقنع بأقنعة ذات قسمات وملامح وألوان. وليس البديل هو تبعية الثقافة للسلطة وتحوُّل المثقف إلى مداهن لها ومسوغ لممارساتها المغلوطة، أو ممارسته دور الطبال والزمار مرتل الأسحار في ركاب رجل السلطة. إن الموضوع يقتضي أن يُبحث فيه بمنهجية علمية وروح إنسانية، وبدوافع عليا منها دوافع وطنية وقومية وأخلاقية، وأن يُنظر إلى أهمية تكامل عناصره، على أسس وفي أطر معايير موضوعية تحكم الأداء السياسي والثقافي والعلاقة القائمة بينهما، انطلاقاً من حقيقة تكامل بنى المجتمع والدولة ومؤسساتهما، ليتم تقدم وتعامل سليم لا يبتلع فيه أحد أحداً ولا يلغي فيه فريق فريقاً، فحقيقة أن الوطن لكل المواطنين لا تحتمل اجتهادات المزيفين ودهاقنة الرطانة السياسية بمصطلحات تخفي الأمراض المتراكمة والممتدة من ضفة العنف المذهبي إلى الانتهازية الماحقة لكل عدل وخير وصلاح وقدرة في خدمة المجتمع الدولة.

ونحن اليوم، وقد تقطعت بنا السبل، نرد الموارد الصعبة ولا نجد مناهل الماء، يصدق فينا المثل المبني على هبوب إعصار الحظ السئ " على رأي قارئات الإبراج والكف والفنجان.. حيث يقول:

إن أقبلَتْ باض الحمام على الوتد/ إن أدبَرت قطعت جنازير الحديد

نحن اليوم نحصد نتائج العلاقة المريضة أو المختلَّة لذلك الوضع الذي استمر طويلاً، يوم كان المثقف رافضاً بمجانية غير عقلانية لكل تواصل مع السلطة وأدائها أياً كان ذلك الأداء تحت ذرائع شتى، منها " ثوريوية" تشتم منها رائحة التبعية لأيديولوجيات غريبة ولخطط وتحالفات وبرامج مريبة.. أو تابعاً بإمَّعية للسلطة الزمنية متكدساً سلعة في في أسواقها ورافضاً للسلطة الروحية بقصور يتطاول على كل شمرخة وطول.

أكاد أقطع بأن جوهر الإبداع والفكر هو: قيم رفيعة، وتعلُّق بالحرية والعدل والحقيقة والقيم ودفاع عن ذلك كله، وتوق إلى ااتحاد العضوي بالأفضل والأسعد والأكمل والأجود في الحياة. وأكاد أقطع أيضاً بأنه من دون إشاعة المساواة بين الناس، كل الناس، واحترام للحقوق والحريات العامة، لا سيما احترام حق الآخر في الاختلاف تحت سقف ثوابت الانتماء والمواطَنة والوطن؛ لا تقوم لثقافة أمة ولمثقفيها قائمة يستند إليها المجتمع ونظام الدولة، فتحرر وتبني وتمارس وجودها الحيوي الذي تحتاج إليه الأمة والبشرية ولا تتقدمان من دونه أبداً.. كما أنه من دون ذلك ومن دون إعلاء لحاكميته فإن الثقافة لا تستطيع أن تسمو بالإنسان والحكم والممارسات ولا أن تردع وتبني وتتقدم.

قضيتان هامتان في سؤالين كبيرين بدأ اندياح دوائرهما يمتدّ وإلحاحهما يشتد، بعد أن انتفخت أوداج بالدماء وتم اللجوء إلى العنف وصولاً للإنصاف، كما احمرت أنوف وأعراف وهي تنادي باستباحة دم من  يلجأ إلى العنف في مجتمعه ويهدد الديمقراطية والتعددية والناس.

وتزداد حرارة كل من القضيتين في المناخين المتناقضين توهجاً وارتفاعاً، لاسيما في بعض الساحات العربية المنكوبة ببعض بنيها وبحقد معادٍ يتابعها ويريد أن ينهيها أو أن يضعفها ويمزقها ويرديها.. وكل فريق من الأفرقاء المعنيين بالدم والطين والبؤس والأنين يوغل في الخصومة اللدد وفي حقد الأبد.. فيرتفع في فضاء الوطن، باسم ذلك كله سيفٌ وينفتح وريدٌ، ويمتزج الدم والحقد بالعار والنفط والدولار، وتتدحرج كرة من النار تكبر كتلتها كلما ازداد تدحرجها، فتشعل الحرائق وتلطخ المدن والأحياء والقرى بالدم و وتلوث البيئة الاجتماعية والروحية في البلدان العربية. والخطر الأشد يكون على/ ويأتي من أكثر أقطار الوطن العربي كثافة سكان ودوراً حيوياً وحضاريا، ويتأتى من جهات حارت في بيع ولاءاتها وصب نقمِها على من تعتقد أنهم أعداءها، وأنهم الأشد خطراً على وجودها ومستقبلها ومصالحها ومشاريعها من العرب الذين رمتهم بدائها وانسلت ظانة أنه الاختفاء، وجلبت عليهم ما جلبت مع الأعداء.. فكان أن لا زمها وأرقها خوف بل رعب جرته عليها سياساسات مالت بها عن الحكمة والإنتماء وصفاء الرؤية، فجعلت لها ولعدو الأميتين العربية والإسلامية عليها منفذاً وطريقاً.. وعبدت إلى بيتها طريق نِفار الدم والقار والعار.. وهي تدرك المهالك من جراء السير في تلك المسالك، ولذا تراها تركض وتركض في كل اتجاه لتخرج مما تراه المأزق المظلم في المستقبل القادم على ظهور مطافيل تحمل ما تحميل من شوق وخوف وشدة وتلهث في صحراء الوقت..

كالعيس في الصحراء يقتلُها الظما  والماء على ظهورها محمولُ

لكنها، على ما يبدو، لا تنجح إلا بتطوق النار بالنار.

ونحن في صحارى الوقت جراحٌ ونوحٌ واستغاثات، نصرخ ملء سمع العالم وبصره:

لا الليل ليلٌ، لا النهار نهارُ

تداخلت أوقاتُنا والنارُ

جاء الحريق على جذور حياتنا

والحقد تقذفه لنا الأنهارٌ

فلا يرانا العالم ولا يكاد يرد بصره إلينا.. فمن تهن عليه نفسه يهن على الآخرين.. وهذا فعل موصوف، ونتيجة معروفة سجلتها حكمة شاعرنا المتنبي:

 مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ       ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ

دمشق في 20/8/2013

 

انشر عبر