شريط الأخبار

السيسي الى المعركة... يديعوت

11:41 - 16 تموز / أغسطس 2013

بقلم: اليكس فيشمان

(المضمون: قام لمصر عبد الناصر جديد وهو فريق عسكري ذو حس سياسي وزعامة قوية الحضور مستعد لدفع كل ثمن لابعاد الاخوان المسلمين عن الساحة السياسية. لكن الدم الذي سفكه رجال السيسي هذا الاسبوع قد يُعرض السلام مع اسرائيل للخطر اذا عُلقت المساعدة الامنية الامريكية لمصر - المصدر).

أنا مستعد لأن أتكلف ألف جندي قتيل ولا أُحادثهم. فالجهاد العالمي لا يُحادث إلا بلغة واحدة بالقضاء عليه بالقوة ولا يوجد حل آخر. كانت هذه هي الرسالة التي نقلها الى مرؤوسيه وزير الدفاع والقائد الأعلى للجيش المصري عبد الفتاح السيسي، عشية بدء العملية الكبيرة لتطهير سيناء قبل نحو من اسبوعين. وتحدث الفريق في النقاشات الداخلية التي تمت في القيادة العسكرية المصرية العليا في مطلع الاسبوع عن أعداد من المواطنين القتلى في هذه المرة. وحينما خرج الجيش أول أمس لابعاد الاخوان المسلمين عن شوارع القاهرة والاسكندرية ومدن كبيرة اخرى كان التوجيه قاسيا وواضحا كما كان في سيناء حقا وهو أنه لا مفر. فسيكون بضع مئات من القتلى. لكن الحديث عن اجراء تاريخي سيبني مصر الجديدة لعشرات السنوات القريبة وهذا ثمن من الصواب دفعه.

لقي استعمال القوة السيناريو الاسوأ: فقد كان عدد القتلى والجرحى أكبر من المتوقع، وأُحرقت كنائس ونُهبت، واقتُحمت سجون وأُحرقت محاكم ووجد بين متظاهري الاخوان المسلمين اسلحة بمقدار كبير، ولم تحافظ الادارة المدنية على التكتل وترك نائب الرئيس البرادعي واستقال. ورد البيت الابيض بهدي من رئيس الولايات المتحدة ردا يمكن أن يصب وقودا آخر فقط على مقاومة الاخوان المسلمين. واضطر الجيش الذي اعتقد انه سيُظهر وجها ديمقراطيا في الايام الاولى على الأقل بعد اخلاء الميادين الى استعمال قوانين الطواريء وفرض حظر تجول ثقيل. وما زال يوجد شك كبير في ان يستطيع الجيشان اللذان دخلا المدن الكبيرة في الدولة في حزيران في تطبيق حظر التجول.

إن الجو في واشنطن في مواجهة الصور الفظيعة التي تأتي من القاهرة هو تحقق دقيق لاسوأ الأحلام لا في مصر فقط بل في اسرائيل ايضا. وتوشك ادارة اوباما ان تعاقب المصريين أو هكذا على الأقل تصرفت الولايات المتحدة منذ مساء يوم الاربعاء. فقد أشار مجلس النواب الامريكي الى احتمال تعليق المساعدة العسكرية والاقتصادية لمصر. وهناك احتمال في الجو الحالي لأن تعلق وزارة الدفاع الامريكية التعاون مع المؤسسة الامنية في الدولة.

حافظ جيش مصر الى الآن على اتفاق السلام مع اسرائيل بحرص ومع الاخوان المسلمين ومع الشارع ايضا بسبب الحاجة الاستراتيجية الى دعم امريكي. ففي اللحظة التي يُسقط فيها الامريكيون تأييدهم لاجراء الجيش ويمنحون الاخوان المسلمين الدعم فسيكون الاتفاق في خطر حقيقي أكثر مما كان في مدة السنتين ونصف السنة التي مرت منذ أُسقط مبارك. وسيجر الشارع المصري المعادي لاسرائيل السلطات في مصر الى المس باتفاق السلام. وفي حال ازمة داخلية عميقة فقد يبحثون عن عدو خارجي يوحد الصفوف. إن الجو في واشنطن معادٍ جدا لعمل الجيش بحيث بيّن ناس جماعة الضغط اليهودية "ايباك" لاسرائيل أنه لا داعي للنضال لأجل المصريين في مجلس النواب الامريكي لأنها معركة خاسرة.

ربما ينجح الجيش المصري في اخلاء الميادين لكن حالة الطواريء قد تتحول منذ الآن الى نظام عسكري يُجري مواجهات مسلحة مستمرة مع الاخوان المسلمين. ولن يبدو في هذا الوضع اصلاح ولا تحسين للاقتصاد ولا ديمقراطية. وستؤثر الفوضى في القاهرة والمواجهات المسلحة في المدن الكبيرة فورا في شبه جزيرة سيناء. ولاسرائيل هنا مشكلة مباشرة لأنه بأي قدر سيستمر النظام والجيش المصري على صرف انتباه وجهود لقضية الجهاد العالمي في سيناء. إن محاولات المنظمات الارهابية أن تُشعل الحدود والعلاقات بين اسرائيل ومصر قد ترتفع درجة. ويمكن ان نفرض انه يوجد اليوم في القيادة العليا العسكرية المصرية غضب على الأنباء المنشورة التي نسبت الى اسرائيل القضاء على الخلية الارهابية في منطقة رفح هذا الاسبوع. وقد دفعت الأنباء المنشورة المصريين الى الزاوية واستخلصت منهم تصريحات قاسية جدا تتعلق باستمرار التعاون على منع الارهاب على الحدود.

ولما كان يزداد النشاط المصري لمواجهة الجهاد العالمي في سيناء ويُفهم من ذلك ضمنا في مقابل ذلك زيادة مقدار الانذار بعمليات الجهاد العالمي في اسرائيل فمن المنطقي جدا ان نفرض ان المعضلات التي ستواجه اسرائيل بازاء ظواهر قنابل متكتكة على حدود مصر ستزداد قوة. إن العمليات في ايلات ومحاولة المس بالطيران المدني الاسرائيلي، وهجمات عنيفة على الحدود في محاولة لاختراقها لتنفيذ قتل جماعي في اسرائيل، والأنفاق التي تُحفر باتجاهنا – والتنظيمات لتنفيذ عمليات من هذا النوع من المؤكد أنها موجودة في سيناء.

تدخل مصر في حالة توجب على الجهازين السياسي والامني في اسرائيل ان يستعدا لتحولات سريعة على طول الحدود وفي كل ما يتعلق بالعلاقات بالسلطات في القاهرة واتفاقات السلام.

ما عادوا يسخرون

قام لمصر عبد الناصر جديد، وهو فريق ذو حس سياسي وزعامة قوية الحضور. ومن جهة الحنكة فان هناك من يجدون تشابها بينه وبين أنور السادات خصوصا، فقد كان السادات يُرى في البدء رجلا مرحليا لفترة انتقالية. وقد أعلموا السيسي في البدء خطأ بأنه شخص مرحلي عُين لقربه من الاخوان المسلمين. وقد أحب السادات ايضا الأرقام. سخروا منه قبل اربعين سنة حينما قال انه مستعد لأن يضحي بمليون مصري لعبور القناة. وما عادوا يسخرون من السيسي. فحينما يتحدث عن استعداده للتضحية بضحايا على ألا يُهادن الجهاد العالمي والاخوان المسلمين فانه ينفذ، كالسادات.

من النادر أن نجد في جهاز الامن المصري المتشعب قرارا مُجمعا عليه اجماعا واسعا جدا كعملية ابعاد الاخوان المسلمين عن الشوارع. فليس قادة الجيش وحدهم هم الذين وافقوا السيسي بل وافقه ايضا قادة اجهزة الامن على اختلافهم. وقد قامت من وراء القرار الذي اتخذه الفريق ثلاثة فروض أساسية. الاول: ان كل الحديث عن ملايين الاخوان المسلمين الذين سيخرجون الى الشوارع على أثر قمع عنيف ليس له أساس في الواقع. فالنواة الصلبة من المتظاهرين لا تشتمل على أكثر من 400 – 500 ألف انسان وهذه أرقام غير كبيرة في دولة فيها 85 مليون نسمة.

وتحدث الفرض الأساسي الثاني عن ان معظم كتلة المتظاهرين موجود في الدوائر الخارجية للميادين، والحديث أكثر عن مؤيدين وأقل عن عناصر مسلحة. وسيهرب هؤلاء الاشخاص حينما يرون الدبابات الاولى ولهذا يجب ان تبدو العملية كعملية عسكرية بكامل معنى هذه الكلمة مع الكثير من المركبات المدرعة: الدبابات وحاملات الجنود المدرعة. ورفض الفرض الأساسي الثالث أي اشتراك مع قيادة الاخوان المسلمين لأن هؤلاء لن يخضعوا أبدا لقواعد اللعبة الديمقراطية. وقد منع السيسي اجراء تفاوض مع الزعيم السياسي الحقيقي للاخوان المسلمين في مصر خيرت الشاطر الذي اعتقل مع جميع قادة الاخوان المسلمين ومنهم المرشد العام محمد بديع. واستقر الرأي آخر الامر في القيادة الامنية المصرية العليا على دعم الفريق وعلى القضاء بمرة واحدة والى الأبد على معارضة الاخوان المسلمين للتغييرات التي جاءت بها الثورة المضادة. وانتظرت المؤسسة العسكرية زعيما قويا يقود سياسة حازمة وأصبح موجودا عندها الآن.

إن أحداث هذا الاسبوع في الميادين هو جزء من المرحلة الثانية العنيفة للثورة المضادة التي يقودها الفريق السيسي. وقد حدثت المرحلة الاولى في نهاية حزيران مع طرح الرئيس المنتخب مرسي في السجن، لكن ليست هذه أول ثورة يقودها السيسي في مصر لأنه نفذ ثورته الاولى في داخل الجيش في آب 2012. فلم يكن عزل وزير الدفاع السابق المشير الطنطاوي ومعه رئيس هيئة الاركان سامي عنان مبادرة من النظام الجديد برئاسة مرسي بل كان جزءً من اتفاق سري بين مجموعة جنرالات من الجيل الذي هو أصغر سناً والاخوان المسلمين. وقد أعد الجنرالات وعلى رأسهم السيسي قوائم العزل في الجهاز الامني المصري. وقد عزل مرسي بصورة رسمية 170 ضابطا كبيرا قديما عن كل مؤسسات الجيش واجهزة الامن واحتل الجيل الثاني برئاسة السيسي أماكنهم.

كانت تلك ثورة عسكرية داخلية صامتة. فقد غضبوا على الطنطاوي وأبناء جيله الذين باعوا الاخوان المسلمين مصالح الجيش والوطن، كما زعموا. وتم التعبير عن ذلك مثلا بطلب مرسي الموافقة على تعيين ضباط برتبة عقيد فما فوق وهو طلب لم يتجرأ حتى مبارك على إثارته. وكانت تلك محاولة من الاخوان المسلمين لرفع ناسهم الى القيادة العسكرية العليا بعد ان اهتم الجيش سنوات في إبقاء "ذوي اللحى" في رتب محددة جدا وأقام في وجههم سقفا زجاجيا. وكان أكبر خوف عند جيل الجنرالات الجديد من تدخل الاخوان المسلمين ايضا في المؤسسات الاقتصادية للجيش.

رأى السيسي ورفاقه الطنطاوي يخون مبارك. وفي شباط 2011 تلقى الجيش أمرا باستعمال خطة الطواريء للدفاع عن النظام. لكن الجيش تحت إمرة الطنطاوي اختار ان ينفذ الخطة بصورة جزئية جدا بحجة أنه لن يعمل على مواجهة الشعب. وقد أفضى ذلك الاجراء الجزئي والمتردد للطنطاوي الى اسقاط الشارع لمبارك، وتعلم السيسي الدرس. ففي يوم الاربعاء من هذا الاسبوع عملت الخطة العسكرية على تأمين السلطة كاملة ولم تفاجيء الاخوان المسلمين فقط في الميادين بل فاجأت ايضا اجهزة استخبارية متقدمة في الشرق الاوسط وفي العالم الغربي. وليست اسرائيل شاذة عن القاعدة في هذه المسألة. فلم يُؤمنوا هنا ايضا حتى آخر لحظة بأن الجيش المصري سيستعمل القوة على المتظاهرين. وكان شعور أناس الاخوان المسلمين في الميادين بأنهم سيرسلون الشرطة مرة اخرى واخطأوا. فقد نفذ الجيش أوامر السيسي في تصميم وقسوة.

حملة إقناع امريكية

سبق استقرار رأي السيسي على استعمال القوة للقضاء على معارضة الاخوان المسلمين للنظام الجديد ضغوط دولية وعربية ومصرية داخلية. وجرى الامريكيون والاوروبيون ليحاولوا مع القيادة العليا في القاهرة ان تحرز صيغة تُمكن الاخوان المسلمين من العودة بصورة من الصور الى الساحة السياسية. وحاول نائب وزير الخارجية الامريكي وليام بيرنز ووزيرة الخارجية الاوروبية كاثرين آشتون ان يتوصلا مع السيسي الى مصالحة تُمكن الحركة من المنافسة في انتخابات الرئاسة ومجلس الشعب.  وقد قالا للمصريين أصلا إن الجمهور لن يصوت بجموعه في الانتخابات التالية للاخوان المسلمين تصويتا احتجاجيا وهكذا سيتم التعبير عن مكانتهم الحقيقية في المجتمع. لكن الجيش اذا دفعهم الى خارج السياسة فلن يُمكن جعل مصر تستقر وسينهار الاقتصاد وسينتظرون آنذاك السلطة المنتخبة في الزاوية، ولن يُمكّنوها من تنفيذ أية خطة اقتصادية. ويزعم الاوروبيون والامريكيون ان الجيش والاخوان المسلمين في مصر يعيشان منذ سنتين ونصف من اتفاق الى اتفاق تحت سلسلة صفقات صدت المواجهة العسكرية بينهما الى الآن. وقالوا إنه اذا تصرف الجيش باعتدال فسيمكن انشاء صفقة اخرى كهذه.

وبيّن بيرنز للمسؤولين المصريين الكبار ان مشكلتهم ليست دعم وزارة الدفاع الامريكية والبيت الابيض. وقال إن مشكلتكم هي مجلس النواب الذي يجلس عند حنفية الميزانية. ولن يهب مجلس النواب الامريكي ولا البرلمانات في اوروبا لمساعدة النظام الذي توجد في شوارعه صور مجزرة فظيعة. لا تغضبوا من المقارنة، قال الامريكيون للمصريين، لكن تذكروا كيف كان رد العالم على عملية اسرائيل "الرصاص المصبوب". وسيفعل الاخوان المسلمون كل شيء لبث صور فظيعة لمجزرة جماعية في شوارع مصر في جميع أنحاء المعمورة. وكانت من الدول العربية التي يتصل الجهازان السياسي والاقتصادي المصريان بها وفي مقدمتها السعودية، رسالة تخالف رسالة الاوروبيين والامريكيين. فقد ضغطت السعودية ودول الخليج وأنفقت على سياسة قالت: إقضوا عليهم الآن واحسموا الامر فهذه هي الفرصة. ورتبت السعودية للنظام الجديد في مصر مبلغ 18 مليار دولار لانعاش الاقتصاد وتعزيز السلطة الحالية. وما كان الفريق السيسي يستطيع ألا يصغي لاصدقائه السعوديين لأنه حتى لو حصل على دعم اقتصادي امريكي فانه لن يبلغ الى مقدار وقوة منتِجات النفط في العالم العربي. وللسعوديين ايضا وزن وتأثير في الحركات السلفية في مصر وهم يستطيعون ان يهتموا بألا تشوش على علاج السلطة الحالية للاخوان المسلمين.

وُجد ميل لدى الحكومة المصرية خاصة الى توصية الجيش بالتأني. وتعليل ذلك أنه كلما انتظرنا أكثر سيزداد شعور الجمهور بالتشويش على حياته اليومية وسيثور هو نفسه على تجمعات الاخوان المسلمين الكبيرة في الشوارع. وسيُحدث عدم تأييد المواطنين وضعا يتعب فيه الاخوان المسلمون ويتركون الميادين. وتحدث الجيش بصوت مختلف فقال انه كلما طال الوقت ظهرنا بمظهر الضعفاء وظهروا بمظهر الأقوياء ولا نستطيع ان نُبيح لأنفسنا ذلك.

إستغل قادة الجيش آخر اسبوعين من رمضان لسلسلة اجراءات وحيل سياسية ودعائية للتمهيد للعملية العسكرية المؤلمة، وشجع الامريكيين والاوروبيين على عرض مقترحات على الاخوان المسلمين بل أُخذت كاثرين آشتون الى السجن للقاء مرسي. وفي موازاة ذلك توجهوا الى شيخ الأزهر وهو أهم رجل دين في مصر، مع مقترحات مصالحة لقادة الاخوان المسلمين. وكان ذلك تمثيلية. فقد كانت مقترحات المصالحة التي أثارها قادة الجيش، من البداية، ترمي الى وضع عائق أمام الاخوان المسلمين وعرضهم على أنهم رافضون. وقد منح رمضان كل الوسطاء قدرا كافيا من الوقت للمجيء والذهاب. وحينما انتهى العيد في مطلع الاسبوع بدأت الساعة العسكرية تُتكتك.

دخل الفريق السيسي من وجهة نظره في مسار حماية المصالح العليا للجيش والدولة على حسب هذا الترتيب. وكان الشعور في الجيش المصري بأن هذه المصالح ستكون في خطر تحت حكم الاخوان المسلمين، وآمن الجيش بأن ضربة سريعة وقاسية ستُحدث صدمة في الشارع وتقضي سريعا على الفوضى وتحصد تصفيقا من الجمهور المصري ومن العالم، لكن الرهان لم ينجح حتى الآن.

انشر عبر