شريط الأخبار

في مدار الكون العاصف... هآرتس

12:24 - 05 تشرين أول / يوليو 2013

بقلم: أبراهام بورغ

رئيس الكنيست الاسبق

(المضمون: بينما تعصف المنطقة بتغيرات شاملة وجذرية، تغرق اسرائيل في وهم الهدوء وفي السياسات السلبية - المصدر).

مراقب يستمع الى حديث محلي في مواضيع سياسية يمكنه بسهولة ان يخطيء فيظن بان شيئا لم يتغير. كل شيء يبدو مماثلا. البحر ذات البحر والناس ذات الناس. ذات بيرس مع رؤياه، وصائب عريقات مع تفاصيل التفاصيل لكل جولات المحادثات العقيمة السابقة. بنيامين نتنياهو عنيد مثلما كان دوما وابو مازن متحفظ مثلما كان دوما. الواقع يبدو مستقرا بل متحسنا بعض الشيء؛ لاول مرة منذ سنوات عديدة لا نجدنا في بؤرة الاهتمام الدولي. فالمجتمعات العربية في محيطنا تتجه الى الداخل، الى ذاتها. ونحن – "الغرسة الغريبة" في المنطقة – لم نعد نشكل ذريعة في يد أنظمة الطغيان المحلية، بهدف صرف انتباه الرأي العام فيها عن المشاكل الحقيقة. اسرائيل واخطائها كفت عن أن تكون تفسيرا لنتائج الاهمال والفساد طويلة السنين – للجهل، البطالة، الفساد، الفوارق، سوء التغذية والقمع. ولا غرو في أنه في ضوء وهم الهدوء هذا، ترد اسرائيل على أكبر التحديات التي وقفت امامها في اي وقت من الاوقات بسلبية سياسية.

لا يحتمل أن يكون هناك خطأ اكبر من هذا. فالتفاصيل تبدو معروفة، غير أنه بينما ننبش نحن في سلة الحلول القديمة (دولتان، خطوط 67، مفهوم امني يستند الى القوة، الردع النووي وكل ما تبقى) فان التغيير يكاد يهز كل الاطر المحلية والاقليمية. وحيال هذا التغيير الدراماتيكي، لا بد سيأتي اليوم الذي سنشتاق فيه للحاضر الهاديء ولكل الحلول الممكنة التي فوتناها بنية مبيتة.

كي نشخص ونفهم التأثيرات والقوى الجديدة نوصي بالابتعاد للحظة عن الاحداث اليومية والنظر الى الصورة الاوسع. في الماضي اعتدنا على واقع معظم النزاعات الاقليمية فيه كانت بين الدول. مصر ضد ليبيا، اسرائيل ضد جيرانها، العراق ضد ايران، تركيا ضد سوريا وغيرها. ولكن في السنوات الاخيرة تغيرت هذه الصيغة. فبينما تنشغل المجتمعات في المنطقة بالاستيضاح الداخلي اللاذع، فان المواجهات في المنطقة تحطم حواجز الدول وتنتقل الى ما وراء الحدود الرسمية. ميليشيا حزب الله اللبنانية تقاتل في سوريا، مصر تدير حكم حماس في غزة الفلسطينية، اسرائيل هي صاحبة السيادة عمليا في فلسطين التي خلف حدودها. ايران تنبس في العراق الشيعين والاكراد باتوا يتطلعون الى التوسع الى ما وراء حدود حكمهم الذاتي.

تسويات الانتداب الفرنسي والبريطاني التي صممت خريطة الشرق الاوسط المعروفة تتغير على نحو دراماتيكي. حدود اتفاق سايكس بيكو المصطنعة التي بترت قوافل الامبراطورية العثمانية تنهار.مئات الاف اللاجئين السوريين يطمسون الحدود بين الاردن وسوريا. العراق تفتت الى ثلاثة كيانات بحكم الامر الواقع – سني، شيعي وكردي – والملايين من مواطنيه سكنوا دون إذن خلف حدوده الرسمية. يحتمل أن سوريا بعد الاسد تسير في أعقابه وتتفكك الى اساساتها. ليبيا كما عرفناها لم تعد قائمة، السودان كما أسلفنا، وتركيا فجأة تجري مفاوضات على مستقبل كردستان. الدول القومية المعروفة لم تعد النموذج الحصري الذي ينظم العلاقات الدولية في المنطقة. والدولة القومية تغرق وشيء آخر، اكبر وأقدم منها، ينظم العلاقات في المنطقة.

الصراعات السياسية الضيقة تتسع الى صيغة عليا قديمة – جديدة؛ صراعات السنة والشيعة والتحالفات الناشئة عنها تعود بقوة هائلة الى مقدمة المنصة والحقول المغناطيسية تستقطب في صورة اخرى. ولهذا تركت حماس السنية تحالفها الديني مع حزب ا لله وايران الشيعيين، وتنتقل الى محور القاهرة للاخوان المسلمين السنة، الاقرب اليها اكثر بكثير – جغرافيا وقيميا.

ولهذا فقد حل رجب طيب اردوغان الحلف السوري الوظيفي مع "اخي بشار" وعاد ليتجه الى المصادر السنية للاسلام التركي؛ فالاسد هو علوي، وصلة طائفته بعلي بن ابي طالب – مؤسس الامة الشيعية – اكثر جوهرية ومعنى من كل انتهازية سياسية. وهذه ضمن امور اخرى هي خلفية الحوار المفاجيء بين ايران والاكراد. وفي هذا السياق تجدر الاشارة الى أن محور طهران – دمشق – حزب ا لله ليس مجرد تحالف سياسي لاصحاب مصالح؛ هذا محور شيعي طبيعي وقيمي مفهوم جدا لكل شركائه وكل معارضيه.

واذا لم تكن كل هذه الامور كافية، يغلفها كلها الاطار التاريخي الاكبر. الامبراطوريات تعود. الشرق الاوسط يعود لان يكون بؤرة صراع عالمية اللاعبون المركزيون فيه يأتون مع شحنة امبريالية ذات مغزى. وهم يتقاتلون، ضمن امور اخرى، على مناطق نفوذ أكبر بكثير من حدود سيادتهم. الامبراطورية الايرانية تتطلع الى تصدير الثورة والتوسع خلف حدودها؛ الامبراطورية العثمانية الجديدة لاردوغان تعمل بطرق متنوعة – اقتصادية، سياسية، عسكرية وثقافية – لتوسيع نفوذها، من غزة والقاهرة حتى قلب افريقيا. روسيا تنبش كما في السابق في ساحتها الخلفية وفي مخرجها الوحيد في الشتاء عن ميناء في المياه الدافئة. اما الولايات المتحدة فلا تزال توجد هنا بقوى كبيرة. ليس جدا معنا، بل تحذر اكثر من كل ما تبقى.

هذا هو في واقع الامر الشرق الاوسط الحقيقي. وهو مختلف تماما عن ذاك الذي اعتدنا عليه. اكثر ديمقراطية بكثير، اكثر دينيا وامبرياليا واقل من حيث الدولة والقومية. مشوق، سائل، مخيم وواعد. فهل كل شيء ضائع؟ هل لن يكون لنا سلام ابدا؟ هذا ليس واضحا بعد، وذلك لان الوضع الراهن مات وليس معروفا ما الذي سيحل محله. الحقيقة يجب أن تقال، وان كان في هذه اللحظة لا توجد أجوبة كاملة على كل هذه التحديات، إلا انه واجب فحص الاتجاهات الاستراتيجية الناشئة واستغلال الفرص المتشكلة. المنطلقات الحالية بالنسبة لنا – العزلة والانعزال – سيئة جدا. فهي تقلص كثيرا الامكانيات المطروحة أمامنا؛ المزيد من ذات الشيء، اي: استمرار العلك الذي لا ينتهي لكل الادعاءات، الاقتراحات والحلول المعروفة؛ وربما حتى التراجع عن الالتزام الهزيل من جانب نتنياهو والتمترس في ادارة النزاع دون أي تطلع الى حله. المشاكل المشتعلة تستجاب بحلول موضعية – احادية الجانب او ثنائية الجانب ليس الا.

من الجهة الاخرى في هذه الظروف بالذات قد يكون ممكنا اقتحام الطوق الاسرائيلي. محاول الانخراط في السياقات الاقليمية الكبرى، على النحو المعقد المتعدد الجوانب. محظور الفزع من الفوضى الاقليمية. فعدم الاستقرار في مصر وفي اماكن اخرى وان كان يخلق مشاكل تكتيكية فورية، الا ان اتجاهه ايجابي ومن شأنه أن يتسع ويجترف دولا اخرى؛ المجتمعات المدنية في المنطقة لم تعد مستعدة لان تحتمل الطغيان القامع مهما كان مصدره – عسكري، ديني او مجرد ذو نزعة قوة.

وعودة الينا. في موعد ما سنضطر الى حل النزاع الفلسطيني. إذ بدون حل مشكوك ان يكون لنا وجود بعيد المدى، ولا سيما في ضوء حقيقة أن هذه هي الجبهة الوحيدة التي يمكن لاسرائيل أن تجعلها مستقرة على نحو شبه تام بقواها الذاتية. ولكن التسوية الاسرائيلية – الفلسطينية التي لا تأخذ بالحسبان الميول الجديدة في المنطقة ستكون تفويتا عظيما للفرصة، مثل باقي الفرص التي فوتتها قيادتنا – وقيادتهم.

الاستراتيجية الصحيحة للتسوية يجب أن تتطلع الى الغد – ليس الى الماضي. تسوية كهذه ستكون جزءا من استجابة اوسع للمبادرة العربية، وعليها أن تتضمن منذ البداية البنى التحتية للاهداف التالية: تحويل المنطقة – واسرائيل من ضمنها – الى اتحاد اقليمي، يتطلع الى اقامة سوق شرق اوسطية مشتركة تكون جارة قريبة وتوأما للاتحاد الاوروبي.

وحدة اقليمية كهذه لا تحتمل الا اذا تضمنت اساساتها الامور التالية: عناصر ديمراطية اساسية على الاقل مثل تلك التي في النموذج التركي؛ حدود مفتوحة لعبور المعلومات، البضائع والقوى البشرية الانتاجية؛ شبكات واسواق مشتركة؛ مواثيق اقتصادية ملزمة. كل هذه لا تحتمل دون استقرار سياسي وامني بعيد المدى. وهذا لن يتاح دون تسوية سياسية نزيهة وحقيقية ودون جهد متعدد الشركاء لتجريد الشرق الاوسط كله من السلاح النووي، ومن أنواع اخرى من أسلحة الدمار الشامل – بما فيه السلاح الاسرائيلي المنفي.

كثيرون سيقولون "اضغاث احلام". وانا سأرد: هذه الاحلام افضل بكثير من سياسة الكوابيس، المخاوف والتخويفات الحالية لاسرائيل. لا ريب عندي بانه مثلما استغرق رافضي السلام كنتنياهو عشرات السنين من أجل الوصول، بتأخر شديد، الى استنتاج الدولتين، هكذا سنستيقظ بعد بضع عشرات السنين ونسأل أنفسنا كيف فوتنا الفرص التي كانت امامنا في 2013. حقا، هزة نادرة من النوع الذي يمر به محيطنا تطرح أسئلة اكثر مما تطرح من اجابات. ولكن في الاسئلة، كما علمنا كل معلمونا، تكمن نصف الاجابات. فهل لدينا الشجاعة للسؤال؟

انشر عبر