شريط الأخبار

فنون جحيم الجنون.. علي عقلة عرسان

07:19 - 18 كانون أول / يونيو 2013


 

 

 

 

على ضفاف سواقي الكلام عن مؤتمر جنيف2 المتوخى منه وصول إلى تفاهم وسلام في سورية والمنطقة عبر الحوار.. يتكاثر حملة رايات الحرب ودعاة الموت، وتتعالى صرخات التهديد والوعيد، وتتصاعد وتيرة التسليح والكراهية والنزعات المذهبية المريضة، ويشمر عن ساعديه كل من يشعل نار الفتنة وينفخ فيها، وتتقابل قوى مؤثرة في سياسة العالم من خلال متحالفين وأدوات على حواف الهاوية جاعلة من بلدي الجبيب سورية مستنقعاً للموت وساحة لكسب رهانات وعرض عضلات وتصفية حسابات.. وشعب سورية ودولته ومؤسساته وقواه الحية يراد لها أن تذهب "فرق عملة" في صراع على سورية وفيها.. وتتصاعد وتائر التسليح الذي لميتوقف لعناصر سورية وغير سورية تعمل على الأرض.. وفي الدار والجوار يمتشق كل قصير القامة رمحاً ليغرسه في قلب سورية " حباً لها ونقمة عليها وتحت عنوان تخليصها مما لحق بها ويراد لها" ومن الحب ما قتل.!؟..

بوتين وأوباما يتفقان في ايرلندا على ظاهر جنيف ويختلفان على بواطنه وتفاصيله، وربما يتعاميان عن كثير مما يكمن في طياته مما سيجعله في المآل مثل جنيف1 ومثل لقاءات أخرى ثنائية وجماعية " صياح في مهب الرياح"، بينما الدم السوري يسيل، والبلد يدمر/ والدولة تضعُف ، والشعب يعاني.. والطريق إلى الخلاص واضحة لكل ذي نية طيبة وعقل سليم ورؤية إنسانية ـ سلمية ـ إصلاحية سليمة.!؟

سورية على نار حامية، تشوى فيها ويشوى جلد شعبها، بينما يتلذذ مشعلو النار بالحريق ويمِدّونها بالزيت والحطب.

الثمانية الكبار الذين يشكلون 64% من اقتصاد العالم و14% بالمئة فقط من سكانه يملكون نسبة تتجاوز 90% من القرار السياسي فيه، ويستطيعون ببعض الجهد الهيمنة على الشرار المتطاير من النار السورية إن هم اتفقوا على إطفائها ولجم الأذرع المميتة التي تتصارع على أرضها.. ولكنهم لا يريدون، فاقتسام العالم يستدعي تفريقه وإضعافه واستمرار نزيفه ليكون "الكبار كباراً" وليبقى "الصغار صغاراً".. إنهم في ايرلندا لا يتفقون، ولا يؤثر ذلك على تصميمهم على انعقاد جنيف 2 لأنه فرصة لتجديد دوامات الكلام ولدفع الأنصار إلى مزيد من التدمير والدمار.. وسيبقى كغيره من اللقاءات الدولية محطة على طريق تحقيق اللقاءات في الملاعب السياسية المفتوحة لاستعراض العضلات والقوى و" المكاسرة"، وتحقيق المكاسب وسبر النوايا، وتحديث الاستراتيجيات.. إلخ.. فما يضر الرئيسين أوباما وبوتين أن يقفا حول بحيرة جنيف الشهيرة ومن خلف كل منهما فريقه أو حلفاؤه إن شئت، يرقبون الاقتتال في سورية وينظرون صورهم البهية في الماء وعلى الشاشات ملء فضاء العالم، شأنهم في ذلك شأن قادة الرومان في معارك يختلط فيها لحم العبيد وعظمهم ودمهم بعجلات العربات وحوافر الخيل وتراب الأرض في معارك التاريخ التي تسفر عن سقوط قيصر وصعود قيصر.. مع فارق مهم جداً بين هؤلاء وأولئك.. إذ القادة الكبار اليوم يباهون بقدرة أسلحتهم على الفتك، ويقاتلون بأبناء شعوب أخرى تدفع لهم أموالها وثرواتها، وتفني بين يديهم ذاتها، وهي تزحف وترتعد وتشتري منهم السلاح وتموت وهي تنفذ ما يكيدون ضدها وفيما بينهم، وتدفع ثمن ذلك كله أبناءها وأرضها وسيادتها وعقيدتها وثقافتها ومصالحها..؟! فهل في العالم سوق رابحة كهذه السوق، واستثمارات بمثل هذه العائدات، وثروات مستباحة كهذه الثروات وأهلها، وهل هناك دماء تهدر بغباء كدماء أبناء تلك الشهوب التي تقاد إلى الموت بناعق صوت ومقاول موت؟!، وهل هناك دول ذات تضع سيادتها في علب ملونة وتعرضها في السوق وتدفع الثمن لمن يشتريها كتلك الدول في مثل حالنا نحن أشاوس العرب وأمثالهم من أشاوس المسلمين.؟!

 

العرب في ميدان القتال السوري، لا أقول كلهم ولكن من اختار أن تكون سورية " دار جهاد لكافة المسلمين كافة" واستثنى فلسطين على مدى ستة وستين عاماً من ذلك، وأفتى " بجهاد المسلمين للمسلمين" وما أدرك أنه إنما سقط في فخ الصهاينة والصليبيين، وأنه فعل ما فعل لينتصر على بعض ذاته بعد أن فاته مجرد التفكير بالانتصار وإخوته الواقعين تحت الاحتلال منذ عقود وعقود من الزمن عل من يحتل أرضهم ويقتل شعبهم ويهود قدسهم ويعادي دينهم وقد عادى من قبل نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم!!.. والأسلحة التي راكمها ويراكمها الأميركيون على الخصوص في مستودعات دول وجيوش عربية ويشترطون عند بيعها لهم أن يشرفوا عليها وعلى صيانتها وألا تُستخدم في حرب ضد "إسرائيل" وألا تعطى لأحد أو تستخدم ضده إلا لموافقتهم، بينما يستنفرونها هم ويستخدمونها في حروبهم التي شنوها ويشنونها ضد العرب والمسلمين.. تخرج تلك الأسلحة من المستودعات بسرعة البرق بإشارة من صاحب القرار الفعلي بشأنها، وتُسلَّم لسوريين شرط أن يقتلوا سوريين، ولكل من يقتل السورين والعرب والمسلمين على الأرض السورية بصرف النظر عن المكان الذي جاء منه، والهدف الذي أتى به.. فالمطلوب " غربياً وصهيونياً.. و.. " تصفية كل القوى التي تريد الدول الكبرى تصفيتها وتدمير مقومات وجودها.. وهنا تصفي القوى المصنفة " إرهاباً، من النصرة والقاعدة" وتصفي النصرة والقاعدة من تستطيع تصفيتهم من جنود صف ضباط وضباط وقادة الجيش العربي السوري ويشاركها في ذلك الجيش المسمى " حراً"، كما يصفي عناصر القاعدة من يصفونه من الجيش " الحر"، ويصفي الجيش العربي السوري من من يصفيهم من الجيش من النصرة والقاعدة والجيش الحر، ويصفي الحر من يستطيع تصفيتهم من النصرة والقاعدة، وذاك بإيعاز وهو شرط ترافق مع تسليمه السلاح، ويصفي الجيش العربي السوري المسلحين الإرهابيين من النصرة والقاعدة ومسلحي الجيش المسمى " حراً".. وتستدعى قوى المقاومة " مثل حماس وغيرها، وحزب الله وغيره والقوى القومية بأصنافها، والطائفية والمذهبية بشعاراتها وثاراتها.. ليخوض الجميع حرب الأمم على العرب والمسلمين، بأيدي العرب والمسلمين، على أرض سورية .. وهكذا تتحول القوى التي ترفع أهدافاً ضد الاحتلال الصهيوني ومن أجل تحرير فلسطين والأقصى إلى قوى متعادية متقاتلة متبغاضة، يفني بعضها بعضاً، وتُستنزَف دول وشعوب وثروات، ويلغ عرب ومسلمون في دم بعضهم بعضاً، وتُخاض صراعات مرة لعقود وعقود من الزمن .. كما حدث في حربي " العراق وإيران" وحرب تحرير الكويت"، وكما حدث في الحرب العدوانية الأميركي ـ البريطانية على العراق.. وترتاح إسرائيل وتنفذ برامجها ومشاريعها الاستيطانية، وتقضي على الفلسطينيين وأحلامهم بدولة وسيادة و.. كما تقضي على شوكة العرب والمسلمين لعقود أو قرون.. هذا إن لم تجعل شوكتهم في عيونهم لسنوات وسنوات.. بتآمرها، وقوة حلفائها، وبغباء عرب ومسلمين يسمون " أعداءها".

إن كيد أعداء الأمة لا يُرد بكيد الأمة على أبنائها والسقوط في فخ ينصبه لها أولئك الأعداء، ولا يكون بتخويف أولئك الأعداء من مواطنيهم من العرب والمسلمين عند عودتهم إلى أوطانهم، بذريعة أنهم سيمارسون الإرهاب، فهذا سيجعل تلك الدول ذات المخططات المعادية للعرب والمسلمين التي تتهم الإسلام بالإرهاب وتمارس تمييزاً ضد المسلمين.. يجعلها تمضي أكثر فأكثر بإرسالهم للتخلص منهم، وتستمر في مشروعها القائم على زج من تسميهم " إرهابيين" من العرب والمسلمين في حرب على الأرض السورية يقضي فيها العرب والمسلمون بعضهم على بعض.. فالإسلام متهم بالإرهاب في الغرب من دون تحريض.. ولعل الردع يكون بوسائل أخرى منها تحميل تلك الدول المسؤولية عن مواطنيها الذين يجب أن يتمتعوا بالمساواة التامة في الحقوق والمواطنة مع مواطنيهم الآخرين، وألا تلاحقهم دولهم بتهم الإرهاب بسبب عقيتهم وجذورهم الثقافية الأصلية.. إذ عليها أن تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات مع مواطنيهم الآخرين، وتفسح أمامهم الفرص.. وتجعلهم يمنعونهم من أن يغرر بهم أو يفتنوا.. فقد جاء أولئك بدوعي ما يسمى " الجهاد" في سورية وهي ليست دار جهاد.. ومعرفة الحق من الباطل في هذا المجال وسواه من واجب حكوماتهم أيضاً.

ويبقى في جوهر الأزمة السورية وتفرعاتها وتطوراتها والجديد والمستجد بشأنها بعد كل هذه الأشهر المرة من عمرها هو حقيقة أن الموضوع المستجد ليس موضوع " سلاح" فقط، على أهمية السلاح من جهة وحقيقة أن تدفقه لم ينقطع.. بل الموضوع المستجد مما يصيب الجوهر ويحوله هو توسيع دائرة الصراع المسلح ليشمل العروبة والإسلام على أسس مذهبية تشيع فتنة كبرى لا تلجم، إضافة إلى المواضيع الأخرى المتصلة ومنها موضوع ما يدفع إلى حمل السلاح من ثقافة وفهم، وتآمر وتواطؤ وحشد، ومحاولات سافرة للتدخل بغية القضاء على قوى ودول وشعوب ذات حقوق، ومن أجل تغيير سياسات دول وخياراتها وعلاقاتها وإجبارها على التنازل كلياً أو جزئياً عن حقوقها ومصالحها ودورها وأهدافها التاريخية.. وجعل السبيل إلى التفاهم والتعاون وإحقاق الحق والعدل ورفع المظلومية الاجتماعية والسياسية والفساد والإفساد، وتداول السلطة بين أبنائها باحترام للحقوق والحريات والقوانين.. إلخ لا يتم إلا بالسلاح؟! وجعل القوة واستعداء الآخرين بالقوة سبيلاً للتفاهم وحل الأزمات وحسم الأمور وتصفية الحسابات..؟!  

 

 الأزمة السورية تدخل مرحلة جديدة، ليس السلاح النوعي والتسليح الكمي والتمويل والتدريب والحشد أبرز مظاهرها، بل تبييت مخططات أوسع وأخطر وأشمل ضد سورية والمقاومة وما تمثله سورية والمقاومة وكل القوى التي تعلن فلسطين راية ولها مع المقاومة حكاية.. منها ما يهدد بتدخل " مباشر" أو تدخل يشكل غطاء لعناصر بشرية مدربة تأتي من أصقاع شتى لتتقاتل في سورية في " صفِّين" جديدة، وتحميها جبهات من شمال سورية وجنوبها تشرف عليها وتديرها القوى الغربية الاستعمارية والصهيونية التي عملت بدأب شرير حتى جعلت العرب والمسلمين يبتلعون طعم الطاعون ويدخلون تحت راية الفتنة المذهبية حرباً على الأرض السورية.. لن يسلم منها أحد في المنطقة.

وإذا كان هناك بقية من عروبة وإيمان وصدق ووعي وحرص على الشعب والحق والعدل والسلام، وبقية مصداقية عند كل المتقاتلين الذين يتعلقون بالإسلام ويرمون بعضهم بعضاً بأنهم صنائع "إسرائيل" وخدم مشروعها الاستيطاني ـ الإحلالي، والشرق أوسطي المتجدد.. إلخ، فإن الواقع والوجب وكل النذر والمؤشرات.. كل ذلك يستدعي، في ظل تحويل سورية إلى جحيم حرب مذهبية، أن يتدارك الحكماء منهم السقوط في الهاوية المدمرة التي يدفعهم إليها أعداؤهم الصهاينة والغربيون، أو أن يأخذهم الوعي المسؤول والحميَّة في تقاتلهم الشرس إلى توجيه السلاح إلى عدوهم الأول الذي يكوكب عليهم الأعداء ويتكوكب حوله أعداؤهم، أي " إسرائيل"، لينتزع أصل الداء وكل البلاء من الجسد العربي، ويقضي على مصدر الشر في المنطقة " إسرائيل".

قد يكون ذلك من المطالب الخيالية في ظل الأوضاع السيريالية التي نعيشها، وتستدعي أكثر من لوحة " غرونيكا" لبيكاسو، ولكن عندما تحشر دول وشعوب وقوى في دائرتي الجحيم والجنون، فإن لجحيم الجنون شروطه وفنونه، وفنون الجنون عندها لا تقف عند حد.. فعليَّ وعلى أعدائي يارب.. وليكن خلاص من أي نوع، وبعض الموت خلاص.

 

دمشق في 18/6/2013

 

                                         علي عقلة عرسان

 

انشر عبر