شريط الأخبار

الباحثون الذين يحددون ما هي واقعة معادية للسامية- هآرتس

11:13 - 08 آب / أبريل 2013

الباحثون الذين يحددون ما هي واقعة معادية للسامية- هآرتس

بقلم: عوفر أديرت

        (المضمون: قسم في جامعة تل ابيب يُوثق اعمال معاداة السامية في أنحاء العالم مع التشديد في الاحصاء وعدم ادخال كل واقعة فيه إلا بعد فحص وتحقق - المصدر).

        كانت الاستاذة الجامعية دينا بورات مديرة خزان معلومات بحث معاداة السامية في جامعة تل ابيب المسمى باسم موشيه كانتور، كانت أمس (الاحد) مشغولة أقصى اشتغال. فقد نشر المركز كما هي العادة كل سنة قُبيل يوم المحرقة التقرير المُحدث عن وضع معاداة السامية في العالم.

        "نسينا لكثرة معاداة السامية ان اليوم هو يوم المحرقة"، قالت مبتسمة، حينما حاولت ان تسيطر على المكالمات الهاتفية الكثيرة والدعوات الى اجراء مقابلات صحفية التي تم تلقيها من أنحاء العالم. "هذا هنا معاداة سامية، نعم. لا، ليس هذا يدا واسما"، أجابت أحد المهاتفين. بل انها لم تستطع ان ترد على ابنها وهو معلم موسيقى في فرقة فيينا فقالت له: "نسيت أن أهاتفك لكثرة معاداة السامية، لم أستطع التنفس منذ الصباح". وقالت آخر الامر: "كانت معاداة السامية قاسية هذه السنة"، حينما نجحت في التخلص من طوفان الهواتف وجلست لاجراء مقابلة صحفية في مكاتب المركز التي تقع في غرفة واسعة في مبنى قسم الآداب في الجامعة.

        قضى التقرير الذي وضع على طاولتها بأنه طرأ في 2012 "ارتفاع ملحوظ في عدد أحداث معاداة السامية العنيفة" بعد سنتي انخفاض. وأشار حساب كُتاب التقرير الى ارتفاع بنسبة 30 في المائة للأحداث. والتقرير ثمرة عمل سنة كاملة شارك فيه فريق من 20 عاملا محليا فيهم 10 دكاترة واساتذة جامعات يتحدثون بلغات مختلفة وهم خبراء بمناطق جغرافية مختلفة، الى جانب متطوعين محليين من أنحاء العالم. وكانوا خلال السنة يستعرضون قطعا من الصحف وتقارير في الشبكة العنكبوتية ويتصفحون تقارير في الشبكات الاجتماعية ويتلقون معلومات من الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، وينظرون في تقارير الشرطة المحلية والمحاكم في مدن كثيرة ويحاولون الحصول على الصورة الأحدث والأصدق عن وضع معاداة السامية في العالم.

        كيف يحصون أحداث معاداة السامية؟ وكيف يُفرقون بين حادثة معاداة سامية وحادثة جنائية؟ وكيف يتجنبون ان يصنفوا بصورة آلية كل دعوة مضادة لدولة اسرائيل على أنها حادثة معاداة سامية؟. "لا نشغل أنفسنا فقط باحصاء الأحداث بل نفحص فحصا عميقا عن الثقافة التي تنشأ عنها معاداة السامية"، تقول بورات.

        وحينما يُطلب اليها ان تفصل تستل مثالا يثير الاهتمام. "اذا قلت في كييف "يهودي قذر"، فلن يُبلغ أحد ذلك باعتباره حادثة معاداة سامية، فتلك مسألة ثقافية مستعملة منذ مئات السنين. لكن الويل لك اذا قلت "يهودي قذر" في باريس. فهو نفس "اليهودي القذر" في الحالتين لكن واحدة تُعد بأنها واقعة معاداة سامية والاخرى لا".

        وهناك مثال آخر هو ذاك الذي لا يملك بيتا في هولندة الذي اختار ان يقضي أيامه ولياليه تحت نصب ذكرى المحرقة خصوصا. "إنه مبني بحيث أتاح له حماية مريحة من الثلج والمطر"، تقول بورات. "إنه يوسخه ويكتب عليه كتابات، لكن هل هو معادٍ للسامية أم هو مجرد عديم بيت؟ ومن جهة اخرى، لماذا لم يختر أن يسكن تحت صليب يسوع؟".

        وماذا عن اليهودي من كازاخستان الذي خطط للهجرة الى اسرائيل وباع أملاكه كلها كي يهاجر الى البلاد مع مال نقد ثم تبين له أن بيته قد سُطي عليه؟". "بيع البيت وهو يجلس على الحقائب ويسطون على بيته في الليل ويأخذون المال كله"، تقول بورات. "هل هذه حادثة معاداة سامية؟ انها في ظاهر الامر حادثة جنائية لكن الساطين من جهة اخرى كانت لديهم معلومات استخبارية عن ان اليهود يغادرون ويأخذون المال الى اسرائيل. يجب علينا اذا ان نحصي هذه، لكن في أية فئة تصنيف بالضبط؟".

        الاقتصاد مذنب

        إن الدكتور حاييم فايربرغ هو الشخص المسؤول عن اجراء احصاءات في تقرير معاداة السامية. "نحن نتشدد دائما في الحاصل العام. اذا كنا نحتار في حادثة أهي معادية للسامية أم لا فاننا لا نحصيها باعتبارها كذلك. وإن لم توجد طريقة للتحقق من المعلومة التي حصلنا عليها تجاهلناها"، يقول. "كان يمكن ان نضيف أحداثا اخرى الى الـ 686 التي كانت هذه السنة، لكننا نتشدد دائما"، أضاف.

        لا تعوزنا أمثلة مثل انسان دخل مقبرة يهودية ودنس عشرة أنصاب. في تقرير الشرطة المحلية قد يشير الاحصاء الى عشرة أحداث مختلفة بيد أن فحص فريق بورات بيّن ان جميع الأنصاب صُبغت باللون نفسه ولهذا أُحصيت الحادثة على أنها واقعة واحدة. "حتى لو تم السطو على عشر شقق في الليلة نفسها في تجمع شارع يسكنه يهود كثيرون فاننا مع ذلك نحصيها باعتبارها واقعة واحدة خلافا لتقرير الشرطة الذي يتناول كل عمل سطو باعتباره واقعة مستقلة"، يضيف فايربرغ.

        وهناك مثال آخر هو قصة شخص كان عائدا مع أولاده من الكنيس في بريطانيا. "وجاءت فجأة سيارة تجارية بدأت تزيد في سرعتها وعلت على الرصيف متجهة نحوهم وانحرفت في آخر ثانية ونزلت عن الرصيف"، كما يصف فايربرغ. "يمكن من جهة ان نقول "إن هذه واقعة لمرة واحدة من انسان فقد السيطرة على المقود ولا توجد معاداة سامية هنا. ونرى في مقابلة ذلك ان هذه طريقة تتكرر مرة بعد اخرى"، يضيف. وقد أدخل هذه الواقعة في فئة "التهديدات". "حاولوا دخول رأس هذا اليهودي الذي لا يستطيع حماية عائلته ويرى الموت يقترب في سرعة كبيرة جدا. يُصنف البريطانيون هذا على انه عنف وأكتفي أنا بأنه تهديد"، يقول.

        "يجب ان تنحصر الواقعة في يهودي أو ملك يهودي كي تعتبر معادية للسامية"، تقول بورات. "أي أنه اذا صور شخص ما في روسيا الصليب المعقوف وكتب "يهودي قذر"، في لافتات في الشارع أو على جسر أو على جانبي الطريق، فليس من الضروري ان نحصي ذلك باعتباره واقعة معاداة سامية لأنه ليس الحديث عن إضرار بملك يهودي. ومن جهة ثانية نأخذ ذلك في الحسبان في تحليل جو معاداة السامية في الدولة التي تمت فيها الحادثة".

        حدث هذه السنة ارتفاع كبير في عدد الأحداث المعادية للسامية التي سجلت في التقرير. ويُبين الرسم البياني المعروض فيه انه منذ بدأ احصاء أحداث معاداة السامية في 1989 كانت سنة واحدة فقط زاد فيها عدد الاحداث على السنة الحالية وكانت هي سنة 2009 وهي السنة التي خرج فيها الجيش الاسرائيلي لعملية "الرصاص المصبوب" في قطاع غزة. وقد سجل في تلك السنة 1118 حادثة معاداة سامية وهذا هو الرقم القياسي لجميع الأزمان. "يشير رسمنا البياني الى الصلة بين أحداث واقعية وزيادة معاداة السامية كما في حال الرصاص المصبوب"، يقول فايربرغ.

        وتريد بورات مع ذلك ان تفصم الصلة المباشرة التي يعقدونها في بعض المنظمات اليهودية ووسائل الاعلام بين ارتفاع معاداة السامية وما يجري في الشرق الاوسط. "خُذ مثلا عملية عمود السحاب التي حدثت هذه السنة، انها لم ترفع الرسم البياني تقريبا بشيء"، تقول. "ليست معاداة السامية ذات صلة بما تفعله اسرائيل وما يحدث في الشرق الاوسط. فهذه نظرة سطحية غير مهنية لهذا الموضوع"، تقول.

        "إن ما يؤثر هي العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمحلية. وما يؤثر هو وجود ازمة اقتصادية في دولة ما، وحينها تبرز مجموعات يمين متطرفة تقول ان الحكومة لا تؤدي عملها وان المهاجرين "يلتهمون مخصصات تقاعدنا" وما أشبه ذلك. ويبلغ الامر من هنا الى معاداة السامية"، تضيف. "تقوى معاداة السامية على نحو خاص في دول يوجد فيها عنف عام على أقليات"، يقول فايربرغ. وتوجد أمثلة كثيرة من السنة الماضية. ان الاشتغال المتزايد في المانيا بمنع الختان للاولاد ومحاولات منع الذبح الحلال في هولندة أو اعتمار القبعة الدينية في فرنسا – هل يُعد ذلك من مظاهر معاداة السامية؟ توافق بورات على ان الوضع مركب. "ليس البحث الحقيقي هنا في اليهود بل في المسلمين الذين يُرون غير مشاركين في المجتمع. بيد ان الاشتغال بهم يصاحبه ايضا بحث من جديد في العادات اليهودية"، تقول.

        ما الفرق بين معاداة اسرائيل ومعاداة السامية؟ هل كل تظاهرة على اسرائيل هي واقعة معاداة سامية بالضرورة؟.

        "هذا أمر شغلنا جدا في هذه السنة خاصة. فقد أتعبنا عقولنا في صوغ التفريقات والتعريفات بين معاداة اسرائيل ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية"، تقول بورات. "يجب ان ننتبه الى انه متى يُعبر عن انتقاد اسرائيل بلغة معاداة السامية وبالمبالغة ومتى لا يكون كذلك"، تقول. "لكننا انتبهنا هذه السنة الى ان ذلك ليست له صلة بالشرق الاوسط، فهي بصراحة تعبيرات معادية للسامية"، تضيف. "ليكن واضحا أنهم يعتقدون أننا قتلنا المسيح وأننا نسيطر على الاقتصاد العالمي وأننا مسؤولون عن الازمة، وأننا جئنا بالمهاجرين الذين يدمرون حياتهم الاجتماعية ويسلبونهم مخصصات تقاعدهم. فهذا موجه على اليهود بصفتهم يهودا وعلى اسرائيل باعتبارها الدولة اليهودية التي لها خصائص اليهود. يمكن ان يكون الثقاب في تل ابيب، لكن اشجار الموقد موجودة في اوروبا عند اليمين المتطرف".

        تبرز فرنسا في التقرير باعتبارها الدولة التي أُحصي فيها أكبر عدد من حوادث معاداة السامية العنيفة في العالم كله. "بلغنا الذروة هذه السنة بقفزة بلغت 80 في المائة قياسا بالسنين السابقة"، يقول فايربرغ. "حدث هناك من حوادث العنف هذه السنة أكثر من الرقم القياسي العالمي في 2009"، يضيف. "إن الانسان العادي يعتقد انه إثر عملية القتل في تولوز التي قتل فيها محمد مراح ثلاثة طلاب ومعلما، فان الجماعة المسلمة ستحاسب نفسها لكن العكس هو الصحيح"، يقول. "رأينا زيادة كبيرة جدا في العنف باليهود في فرنسا". "أصبح المخرب قدوة"، تضيف بورات، "برغم ان الحكومة نددت به". وحينما نريد ان نفحص عن معنى "ازدياد العنف الموجه على اليهود في فرنسا" نحصل على صورة كئيبة. "تلقى 121 شخصا ضربات وفيهم فتية واولاد في الطريق الى المدرسة ومنها"، تقول بورات.

        لكن ليست فرنسا وحدها موجودة على خريطة معاداة السامية عند بورات، فكندا البعيدة ايضا مصابة بذلك، فمن ذا كان يُصدق أنه حتى كويبك – التي يتم فيها نضال للانفصال عن كندا – وجدوا فيها طريقا الى كراهية اليهود. "كانت كندا تعتبر هادئة ذات مرة، لكن يوجد ارتفاع لحوادث معاداة السامية فيها منذ عدة سنين. نحن نتحدث عن إفساد ممتلكات للمجموع وعن إضرار بأولاد. فما سبب ذلك؟ إن يهود كويبك لا يريدون الانفصال عن كندا، فهم لا يرون أنفسهم فرنسيين. وهم لذلك يعتبرون هناك خونة للجماعة وللشعب. هل تفهم؟ هذا شأن داخلي تماما لكن نتيجته هي معاداة السامية".

        ومع كل ذلك ألستم "متلقي رشوة"؟ فباعتباركم جسما موجودا في جامعة اسرائيلية ويهودية ويحصل على اموال من اموال اليهود هل عندكم القدرة على ان تكونوا موضوعيين بشأن احصاء أحداث معاداة السامية؟ فهم يستطيعون اتهامكم بسهولة بالانحياز.

        "نحن في الحقيقة جامعة اسرائيلية ويهودية ولهذا فان هذا التقرير هو بمنزلة مشتبه فيه مسبقا. ويفترض ان نكون مشبوهين ومما لا شك فيه أننا مشبوهون ولهذا نبذل جهدا مضاعفا"، تقول بورات. "نلقى احيانا تقارير لمجموعات يهودية تزيد الاعداد أو تحصي بصورة تختلف عن الجاري عندنا، لكن عندنا معايير عملنا عملا صعبا للوصول اليها"، تضيف.

        "نحن نعمل بحسب معايير اكاديمية من كل جهة تحت رقابة دائمة لاساتذة جامعات. ويُرسل كل تقرير لجولة اخرى من الرقابة والتحفظات والانتقاد. ويصدر التقرير تحت نفس معايير مقالة اكاديمية، فهو ينشر فقط بعد ملاحظات وتحفظات وردود ومساءلات وتحرير"، يقول فايربرغ. "حتى لو أبلغت مجموعة ما عن وجود 12 صليبا معقوفا عندها فان الاصرار على فحص الابلاغ احيانا يُبين أنه وجد واحد فقط هناك بالفعل. نحن لا نقبل أي معطى عددي ببساطة بل نفحص مرة بعد اخرى حتى يُنشر الامر".

انشر عبر