شريط الأخبار

“هيكل سليمان” المزعوم في استقبال أوباما ..محمد السعيد إدريس

11:55 - 16 تموز / فبراير 2013

قبل شهر واحد تقريباً من الآن نشرت صحيفة “معاريف” المقال الذي كتبه المحلل السياسي جيفري غولدبرغ ونشرته مجلة “ذي أتلنتيك”، وهو المقال الذي اتهم فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو بأنه “جبان سياسياً”، وأنه (أوباما) مقتنع بأن نتنياهو “أسير في أيدي مجموعات ضغط المستوطنين ولن يتجرأ على القيام بأي حركة حقيقية نحو تحقيق السلام مع الفلسطينيين” . وفي معرض توضيح هذه الرؤية قال غولدبرغ إن أوباما “يرى أن “إسرائيل”  الدولة الصغيرة المحوطة بالأعداء  منبوذة وخلقت اغتراباً حتى لدى الصديق الأكبر الأخير (الولايات المتحدة)”، وبالتالي إذا استمر هذا النهج “فهي، ببساطة، لن تبقى”، وأنه إذا لم “تفك “إسرائيل” ارتباطها عن التدخل في حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية فسيأتي اليوم الذي يرى فيه العالم دولة آبارتهايد” (دولة عنصرية) .

إلمام الكاتب غولدبرغ بهذه الرؤية التي لدى الرئيس الأمريكي نحو نتنياهو جعله يقول إن يأس أوباما من نتنياهو “سر معلن”، وأن أقواله تلك “تؤشر إلى انفجار قريب بينهما” . أما صحيفة “يديعوت أحرونوت” فقد نشرت افتتاحية بقلم أورلي أزولاي تحت عنوان “حينما يصفي الرئيس الحساب” قال فيها إن الرئيس الأمريكي “يضع المرآة أمام وجه “إسرائيل” المتجهة إلى صناديق الاقتراع، ويبين أن نتنياهو هو الشخص الذي لن يهتم بمصلحتها، وسيجعلها تقوم في الوعي الدولي على أنها دولة منبوذة، مع إشارة واضحة إلى التمييز العنصري”، لكن أزولاي كان حريصاً على توضيح أن “أوباما لم يتحلل من “إسرائيل” بل من رئيس حكومتها” .

خلفيات هذا الموقف الحاد وغير المسبوق من رئيس أمريكي لرئيس حكومة “إسرائيلية”، كانت هي الأخرى واضحة، سواء كانت انحياز نتنياهو علانية إلى المرشح الجمهوري المنافس لأوباما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أو الإحراج المتعمد من جانب نتنياهو للرئيس أوباما قبيل تلك الانتخابات وإظهاره سياسياً وإعلامياً على أنه ضعيف ومتردد نحو إيران، وأنه يمارس ضغوطاً على “إسرائيل” كي لا تتدخل عسكرياً لتدمير المنشآت النووية الإيرانية، وأنه (الرئيس) يتهرب من وضع خط أحمر للسياسة الإيرانية النووية إذا تجاوزته إيران تكون الحرب هي الحل . وكانت التوقعات تقول إن إعادة انتخاب نتنياهو لولاية جديدة يعني في نظر أوباما “استمرار نهج التشدد “إسرائيلياً”، وجمود عملية السلام إقليمياً، وأن أوباما سوف يتجه حتماً إلى تصفية حساباته مع نتنياهو، لكن المثير في الأمر أن أوباما اختار “إسرائيل” محطة أولى في زيارة له خارج الولايات المتحدة بعد إعادة انتخابه رئيساً للولايات المتحدة .

فمن المقرر أن يقوم أوباما بزيارة الكيان الصهيوني يوم 20 مارس/ آذار المقبل، وربما يزور رام الله أو أريحا في الضفة الغربية، وبعدها قد ينتقل إلى الأردن، وهناك ربما يعقد اجتماع قمة بمشاركة كل من بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس بحضور الملك عبدالله بن الحسين ملك الأردن . ماذا تعني هذه الزيارة؟

هل هي زيارة انتقام من نتنياهو أو هي تصحيح لرؤية الرئيس الأمريكي، أو هي محاولة للتقرب من الكيان الصهيوني لتوظيف هذا التقرب أداة ضغط لإعادة تحريك ملف مفاوضات السلام وإحياء “حل الدولتين” الذي أفشله تشدد نتنياهو في ملف السياسة الاستيطانية في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين، بقدر ما أفشله ضعف الرئيس الأمريكي وعجزه عن الضغط على حكومة الكيان للتوقف عن سياسة التوسع الاستيطاني؟

السؤال الأهم هو: هل في مقدور أوباما أن يضغط على الحكومة “الإسرائيلية” التي لم تتشكل بعد؟ وبوضوح أكثر: هل في نية أوباما أن يضغط على الكيان لوقف سياسة التوسع الاستيطاني، وأن يفرض إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/ حزيران العام 1967؟

نطرح هذه الأسئلة ونحن نعي أربعة أمور لها علاقة مباشرة بهذه الزيارة:

الأمر الأول إعلان وزارة الدفاع “الإسرائيلية” عزمها بناء 346 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة يوم الأحد الماضي (10 فبراير/ شباط الجاري)، حيث أعلنت الوزارة أنها أذنت باستئناف وضع التصميمات الخاصة لبناء 200 وحدة استيطانية في “تقوع” و146 في “نيكوديم” في كتلة جوش عتصيون الاستيطانية في جنوبي الضفة، لكن ما هو أخطر من ذلك تأكيد قيادات سياسية ودينية فلسطينية أن الكيان الصهيوني بدأ فعلياً في بناء “هيكل سليمان” المزعوم، حيث أقدمت السلطات الصهيونية على هدم مبان حكومية إسلامية من الحقبة الأيوبية في ساحة البراق التي تبعد خمسين متراً عن المسجد الأقصى لإقامة مخطط تهويدي متعدد الاستعمالات.

الأمر الثاني ما أكده أفيغدور ليبرمان وزير الخارجية “الإسرائيلية” السابق، أنه لا توجد أمام “إسرائيل” فرصة لتوقيع اتفاق سلام دائم مع الفلسطينيين، وعليها أن تسعى بدلاً من ذلك إلى توقيع اتفاق انتقالي طويل الأجل .

تأكيدات ليبرمان هدفها تقليل التوقعات في الداخل والخارج بشأن جهود جديدة لإحلال السلام، وهذا معناه إفشال مسبق لزيارة أوباما المرتقبة .

الأمر الثالث أن أوباما يأتي إلى الكيان الصهيوني وهو محكوم بالتوازن السياسي الهش مع الجمهوريين داخل الكونغرس وحاجته الماسة إلى توافق معهم على مسائل الميزانية وحزمة الحلول المطروحة من إدارته لتجاوز مأزق الأزمة المالية الحالية . هذا التوازن الهش لا يعطي فرصة مواتية للرئيس أوباما كي يضغط بقوة على نتنياهو وحكومته، أبرز مثال على ذلك الإهانة التي تعرض لها تشاك هاغل المرشح وزيراً للدفاع في الإدارة الأمريكية الجديدة أمام الكونغرس وهو يدلي بشهادته كمرشح وزيراً للدفاع . فقد فوجئ هاغل وهو في الأصل جمهوري، بعداء الجمهوريين له والهجوم العنيف عليه وهو يدلي بشهادته ليس بسبب دعمه للمرشح الديمقراطي باراك أوباما أمام المرشح الرئاسي الجمهوري جون ماكين في جولة الانتخابات الأولى للرئيس أوباما منذ خمس سنوات، ولكن لخطأ وقع فيه عندما وصف جماعة الضغط الموالية للكيان بأنها “اللوبي اليهودي” .

أما الأمر الرابع فيخص الحكومة الجديدة المنتظرة داخل الكيان، وهي على عكس كل التوقعات، لن تكون ضعيفة . فإذا كان تحالف حزبي الليكود مع “إسرائيل بيتنا”، (نتنياهو  ليبرمان) قد تراجعت حصته من 42 نائباً إلى 31 فقط (خسارة الربع)، فإن القراءة الواقعية لنتائج الانتخابات تثبت أن شيئاً في الجوهر لم يتغير، فحزب “يوجد مستقبل” بزعامة يائير ليبيد الذي حصد 19 مقعداً جاء في الترتيب الثاني وهو حزب يميني أقل مرونة من حزب “كاديما” .

إذا أخذنا في الحسبان أن أهم أولويات زيارة أوباما إلى الكيان الصهيوني هي منع “إسرائيل” من شن اعتداء على إيران، فقد أوضحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن أوباما يعتزم الإيضاح لنتنياهو في اللقاء الذي سيعقد بينهما، أنه يتوقع منه التعاون الكامل مع المساعي التي تقودها الولايات المتحدة للوصول إلى تسوية بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني بوسائل دبلوماسية وحملها على الامتناع عن تطوير سلاح نووي بالطرق السلمية، فإن هذا يعني أن أوباما سيكون أكثر استعداداً لمقايضة إيران بفلسطين، أي يتخلى عن الضغط في الملف الفلسطيني لمصلحة تحقيق مكاسب في الملف النووي الإيراني من دون اعتبار لما ترمز إليه عملية إعادة بناء الهيكل من إطلاق الكيان الصهيوني “دولة يهودية”، ومن تدمير كل فرص السلام، والرسالة بكاملها موجهة إلى كل العرب والمسلمين الذين أنهوا منذ أيام قمة لمنظمة ما يسمى “التعاون الإسلامي” لم تقدر على طرح تحد واحد له اعتباره أمام الكيان الصهيوني، وهذا كله حتماً كان في ذهن الرئيس الأمريكي وهو يحدد أولويات زيارته إلى الكيان الصهيوني .


انشر عبر