شريط الأخبار

فتح تدخل عاماً جديداً من عمرها ..بقلم علي بدوان

05:00 - 09 حزيران / يناير 2013

مع بزوغ فجر العام الميلادي الجديد 2013 تكون حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) قد دخلت العام الـ (48) من عمرها وتاريخها المدوي. فقد أطلقت الحركة وجناحها العسكري قوات العاصفة رصاصاتها الأولى في سماء فلسطين معلنةً انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة فجر الفاتح من يناير من العام 1965، بعد إرهاصات هائلة توالدت متتالية في مواقع اللجوء والشتات الفلسطيني بعد سنوات من عمر النكبة الفلسطينية.

مسيرة حركة فتح كانت ومازالت مليئة بالتحديات الجسام، والعثرات، والمطبات، والنجاحات، والانكسارات، والاخفاقات لحركة كبيرة مرت بإنعطافات نوعية في مسارها السياسي والتنظيمي، وقد وصلت إلى ما وصلت إليه بعد تلك السنوات المُثقلة بالتعب المضني. فأين أصبحت حركة فتح الآن بعد كل تلك السنوات، وبعد تجاربها الطويلة على المستويات كافة ..؟

في حقيقة الأمر، إن الكتابة والتقييم النقدي لمسار العمل الوطني الفلسطيني، ولمسيرة حركة فتح، مسألة معقدة للغاية، وتحتاج لجهد كبيرة ولاستطرادات، نتيجة المحطات البالغة التعقيد التي مرت بها عموم الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، والتي أصطبغت ببصمات حركة فتح وقيادتها للعمل الوطني الفلسطيني تحت عنوان منظمة التحرير الفلسطينية منذ فبراير 1968 عندما فَرَضَت حركة فتح وبدعم كامل من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر هيمنتها على المنظمة، وهو مادفع رئيسها ومؤسسها الراحل أحمد الشقيري لتقديم استقالته وتسليم قيادة المنظمة للسيد يحيى حموده في مرحلة انتقالية دامت ثلاثة شهور، جرى من بعدها تسليم ياسر عرفات قيادة المنظمة والتي باتت من حينها بيد حركة فتح وتحت هيمنتها بالكامل، حتى في ظل مشاركة فصائل قوى اليسار والتيار القومي في إطار إئتلاف المنظمة.

فقد تحملت حركة فتح المسؤولية الأساسية في توجيه دفة ومسار السياسات الوطنية الفلسطينية على مدار العقود الماضية، وفق إيقاع رؤيتها لطبيعة كل مرحلة، فيما كان دور الآخرين من باقي القوى والفصائل دوراً ثانوياً لا يستطيع أن يحدد وجهة نظر مغايره لما كانت تراه حركة فتح بالرغم من الضجيج الإعلامي والتذمر الذي كانت تبديه معظم الفصائل من التيار القومي واليساري من منطق الهيمنة والاستفراد الفتحاوي بالقرار الفلسطيني. ومن المعروف بأن الراحل ياسر عرفات ومع حرصه على مشاركة جميع القوى والفصائل في أطر وهيئات المنظمة إلا أنه في نهاية المطاف كان نموذجاً للقائد المتفرد بالقرار، فهو صاحب سياسة «قولوا ما تشاؤون وأنا أستمع لكم بصدر رحب، ولكني أفعل ما أشاء».

لقد عاشت حركة فتح سنوات صعود وتألق، خلال مراحل ماضية من سنوات العمل الوطني الفلسطيني، بالرغم من متوالية الانشقاقات التي هزتها، فكانت موحدة ومُتحلقة بأغلبية قواعدها حول قيادة ياسر عرفات التاريخية، حامل المفتاح السحري الذي كان يوحدها بكل تياراتها وأجنحتها لحظة الأزمات المستعصية، ولايفرقها. فقد كان الأب الروحي لها والزعيم التاريخي، عماد وحدتها ومركز استقطاب مشاربها وتياراتها التي «تختلف معه ولاتختلف عليه» باعتباره حافظ وحدتها وزعيمها التاريخي والروحي بلا منازع.

انشقاقات موجعة

ومع ذلك، فقد تلقت حركة فتح ضربات موجعة في جسدها التنظيمي وحتى السياسي بعد الخروج الفلسطيني من بيروت نهاية صيف العام 1982، وتعرضت لانشقاق كبير جداً قاده إثنان من أعضاء لجنتها المركزية (نمر صالح، سميح أبو كويك) وعدد من أعضاء مجلسها الثوري كان منهم العقيد سعيد موسى مراغه (أبو موسى) والعقيد موسى العملة (أبو خالد) وغيرهما، وقد أرخى ذاك الانشقاق حالة مأساوية على الوضع الفتحاوي، وعلى عموم الوضع الفلسطيني، حيث انعكست حالة الانشقاق الفتحاوي على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى عموم أوضاعها، وأعطى مفاعيله بحروب دموية طاحنة فلسطينية/فلسطينية، وفلسطينية مع أطراف لبنانية كحركة أمل. وفي تلك السنوات كان الوضع الفلسطيني يعيش حالة شديدة من التردي والانحدار، وقد شبه بعضهم حال حركة فتح بالعجوز المصابة بالشيزوفرينيا.

في هذا المسار، جاء إندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى نهاية العام 1987 ليشكّل الترياق والرافعة التاريخية في حينها لإنقاذ الوضع الفلسطيني الداخلي وأوضاع حركة فتح من الانهيار الكامل، وكانت نشأة كتائب الأقصى كجناح عسكري ضارب لحركة فتح في الداخل خطوة من قبل قاعدة حركة فتح أعادت لها الاعتبار حاملة سمة التواصل، فكانت كتائب الأقصى تحولاً بارزاً داخل حركة فتح خلال سنوات عمرها.

أسئلة أمام فتح

لقد وَجَدت حركة فتح نفسها في وضع صعب بعد رحيل مؤسسها وأبيها الروحي، وقائدها التاريخي، ياسر عرفات، ومن قبله الجزء الأكبر من قياداتها التاريخية المؤسسة (عبد الفتاح حمود، أبو علي إياد، ممدوح صيدم، محمد يوسف النجار، كمال عدوان، ماجد أبو شرار، سعد صايل، خليل الوزير، هايل عبد الحميد، صلاح خلف ...) فكان لزاماً على قواعدها الاسراع باتجاه إنقاذ الوضع الفتحاوي الداخلي بعقد المؤتمر العام السادس، وانتخاب هيئات قيادية جديدة ورفدها بالدماء الشابة الصاعدة، فكان مؤتمر بيت لحم الذي أثار زوابع داخلية بين متحفظ لعقده تحت الاحتلال وبين مقاطع لأعماله وبين مشارك بلا رغبة، وبين مندفع لحضور أعماله، وبين (حردان) وفق التعبير المجازي الفلسطيني المُشاع.

ومع ذلك، وبالرغم من مقاطعة قادة تاريخيين لأعمال مؤتمر حركة فتح السادس في بيت لحم عام 2009، كفاروق القدومي وغيره، فقد نجح المؤتمر بحدود معينة ونسبية في لملمة شمل الشتات الفتحاوي سياسياً وتنظيمياً، إلا أن المرحلة التي تلت مابعد المؤتمر وحتى اللحظة الراهنة كانت ومازالت مليئة بالصخب الداخلي الذي أفضى لفصل عضو مُنتخب من اللجنة المركزية هو محمد دحلان ومعه أخرين من أعضاء المجلس الثوري. كما لازالت هناك العديد من الأسئلة حول أوضاع حركة فتح، فهل هي حزب سلطة ونظام شمولي أم هي حزب لحركة تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال ..؟

ومختصر القول، إن حركة فتح ومع حضورها وتأثيرها في الشارع الفلسطيني في الداخل والشتات، واستحواذها بسلطة القرار الرسمي الفلسطيني، إلا أنها تعيش وضعاً سياسياً وتنظيمياً سيبقى مضطرباً بانتظار تجديد أدواتها وقياداتها، وكوادرها الوسطى ونزولها عند القبول بمبدأ التشاركية الوطنية الحقيقية مع الجميع في الساحة الفلسطينية قولاً وعملاً في معادلة فلسطينية باتت تختلف جذرياً عن حالها في العقود الماضية، فاصطفافات القوى وتشكيلاتها مغايرة لما كان عليه الوضع قبل انطلاقة حركتي حماس والجهاد الاسلامي.

انشر عبر