شريط الأخبار

مؤشرات أولية ..هآرتس

01:31 - 04 تموز / يناير 2013

بقلم: عاموس هرئيل

       (المضمون: انتفاضة ثالثة لا تبدو في الافق رغم ارتفاع وتيرة التوتر في الضفة الغربية. وحتى لو اندلعت فان اسرائيل تدخلها في ظروف محسنة - المصدر).

          صور الحادثة التي وقعت يوم الثلاثاء في قرية طمون في منطقة جنين، والتي اصطدم فيها جنود الجيش الاسرائيلي بعشرات المتظاهرين الفلسطينيين بعد اعتقال مطلوب من قبل قوة مستعربين، حصلت على مكان الشرف في البث التلفزيوني وفي الصحافة في الغداة. وهذه الصورة – اعتقال مفاجيء في وضح النهار وبعده مظاهرات عنف – لم تعد شاذة في المشهد في المناطق في الاشهر الاخيرة. ولكن يبدو أن فيها مع ذلك أمرين جديدين: قوة الصدام التي أبداها سكان القرية، والانصات الواضح لوسائل الاعلام للحادثة، التي انتهت بعدة اصابات بجراح طفيفة (في التقارير الاولية في مواقع الانترنت زعم، بقدر من المبالغة، بان المستعربين انكشفوا وتورطوا).

          بعد فترة طويلة من الهدوء الامني، فان الضفة اكثر توترا مما كانت في الماضي – وبالاساس تحظى بانتباه صحفي متزايد. اما حاليا، فلا يزال يبدو أن الانتفاضة الثالثة حية بقدر أكبر في عناوين الصحف منه على الارض نفسها. من الصعب تجاهل الاحساس بان بعض اسباب ذلك على الاقل هي حزبية وأن التغطية الواسعة ترمي الى تقويض الزعم الذي في أساس حملة بنيامين نتنياهو، في محاولته لان ينتخب من جديد في رئاسة الوزراء: الثناء اليومي على وضع الاسرائيليين الامني الجيد مقارنة بالفترات التي قادت فيها الدولة حكومات سابقة (برئاسة ايهود باراك، شارون وايهود اولمرت).

          نتنياهو ليس شاها بريئة، بالطبع. فأول أمس (يوم الاربعاء) دعا صحفيين للانضمام اليه في جولة على طول الجدار في الحدود مع مصر، والاحتفال "باكماله". اما عمليا فلم يستكمل الجدار الا في القسم الرئيس من المسار، ولكن ليس في الـ 12 كم في مدخل ايلات. وقد استبقت الاحتفالات لاستخدام هذا الانجاز لاغراض انتخابية. صورة الهدوء الامني هي أمر حاسم لنجاح نتنياهو. وكان هذا السبب الرئيس لقراره الخروج في حملة "عمود السحاب" في قطاع غزة في تشرين الثاني. فالصور المتواترة لسكان البلدات في "غلاف غزة" وهم يبحثون عن مأوى للاختباء من الصواريخ من القطاع هددت بتقويض زعم نتنياهو ودفعته لان يقرر الحملة وإن كان رئيس الوزراء حذرا من التورط بالانجرار الى عملية برية للجيش الاسرائيلي، قد تنطوي على عدد لا بأس به من الخسائر.

          محرر "هآرتس" الوف بن سبق أن أبدى ملاحظة هذا الاسبوع عن كثرة الصور العسكرية على صفحة الفيس بوك لنتنياهو. والمتنافسون ايضا لا يمتنعون عن دس اياديهم في الصحن. فللبيت اليهودي يوجد اعلان يبدو فيه نفتالي بينيت يسحب حمالة نقل جرحى، تحت عنوان "بينيت هو أخ". اما تسيبي لفني فحاولت أن تجري هذا الاسبوع مؤتمرا صحفيا مشتركا مع عمير بيرتس الى جانب بطارية قبة حديدية.

          الاتفاق الذي لم يكن

          ويحاول رئيس الاركان بيني غانتس، بحكمة، ابعاد الجيش الاسرائيلي عن المناورات الحزبية عشية الانتخابات. وهو لا يمكنه أن يخرج عن قواعد البروتوكول ويمنع رئيس الوزراء، وزير الدفاع ورئيس الدولة من القاء الكلمات في احتفالات تخريج دورات الطيران. ولكن استخدام القبة الحديدية كزينة مرافقة للفني وبيرس منعها الجيش. وهكذا ايضا الغي في اللحظة الاخيرة استعراض للمراسلين مع ضابط الجيش الاسرائيلي المسؤول عن بناء الجدار في الجنوب.

          على الارض نفسها، يصعب اكثر استخدام الكوابح. فقد تبين للجيش في نهاية الاسبوع الماضي، بعد التضخيم المقصود لقضية اخلاء بؤرة عوز تسيون الاستيطانية قرب رام الله. بينيت يلتف من اليمين، بالجناح المتطرف في حزبه، الذي أقام بؤرة استيطانية وهمية كي يبث بعض الروح القتالية في الجيوش عشية الانتخابات. ووقف قادة الاحزاب من كتلة اليسار – الوسط في الصف لشجب المتطرفين واجتذبوا زمن بث باهظ القيمة. وفي الليكود ايضا كان من كسب. رئيس الائتلاف، النائب زئيف الكين من الليكود تباهى بنجاحه في وقف الاخلاء يوم السبت (وأجله الى منتهى السبت)، بعد مكالمتين هاتفيتين عاجلتين مع منسق اعمال الحكومة في المناطق، اللواء ايتان دانغوت.

          فحص أكثر عمقا يبين انه لم يتحقق اتفاق الكين – دانغوت. عمليا هاتف دانغوت زميله في هيئة الاركان، اللواء قائد المنطقة الوسطى نيتسان الون، ولكن هذا قال انه سبق أن تقرر وقف الاخلاء. وقد عمل الون هكذا لسببين: حقيقة ان قوات الجيش الاسرائيلي وحرس الحدود لم تكن منظمة بما فيه الكفاية لمهمة الاخلاء والزمن القصير المتبقي حتى دخول السبت (نحو نصف ساعة). في الجيش سعوا الى الامتناع عن اثارة اخرى للخواطر وبالفعل اخلوا البؤرة الاستيطانية في الغداء مساء، في ظل استخدام قوة محدودة. وهكذا ايضا على اي حال النواب من كل الاطراف كسبوا من التغطية الاعلامية المكثفة – التي كانت هي منذ البداية هدف المناورة بأسرها.

          وعودة الى الفلسطينيين: في النقاش الذي جرى في منتصف الاسبوع في قيادة المنطقة الوسطى، تساءل قادة الالوية عن الاحساس المتراكم لدى الجمهور، وكأنه بالفعل توشك انتفاضة ثالثة على الاندلاع في الضفة. انطباعهم مختلف: فالارض كانت تغلي بالذات قبل حملة "عمود السحاب". ومنذئذ، يقولون، يلوح هبوط تدريجي في عدد احداث العنف مع الفلسطينيين.

          التنسيق الامني مع اجهزة الامن الفلسطينية يتحسن قليلا، بعد فترة وهن، والسلطة استأنفت الاعتقالات في اوساط حماس والجهاد الاسلامي. وفي قيادة المنطقة قلقون من كثرة هجمات "شارة الثمن" لرجال اليمين المتطرف (هذا الاسبوع احرقت سيارة فلسطينية وكتبت شعارات مضادة في قرية بيت أمر، شمالي الخليل)، هي الاخرى تتأثر على ما يبدو باجواء الانتخابات.

          ويحتمل بالطبع أن قادة الالوية ورجال الاستخبارات مخطئون. فالحادثة في طمون جديرة بالانتباه بسبب قوة المقاومة في القرية. من المهم ان نرى اذا كانت الظاهرة ستكرر نفسها في حملات اعتقالات اخرى في الفترة القريبة القادمة. أمس أيضا في جنين هاجم مئات المتظاهرين الفلسطينيين قوة من حرس الحدود، جاءت لاعتقال مطلوب مشبوه باعمال ارهابية في المنطقة الصناعية في جنين. ونشأت مواجهات حادة بين الفلسطينيين وقوات حرس الحدود والجيش الاسرائيلي.

          التخوف الكامن دوما في قلب رجال الاستخبارات هو من تفويت ملاحظة العلائم الاولية، على نمط ما حصل قبل اندلاع الانتفاضة الاولى في كانون الاول 1987. وفي نظرة الى الوراء تبين في حينه ان موجة الاضطرابات الهائلة، التي أدت بقدر كبير الى مؤتمر مدريد وبعدها الى اتفاق اوسلو، سبقتها علامات تحذير تجاهلتها اسرائيل. احدى العلامات البارزة تعلقت بحملة للجيش الاسرائيلي في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس، قبل بضعة اشهر من اندلاع الانتفاضة. وكتب الباحثون في المخابرات في حينه وثيقة حللت التصميم الذي ابداه الفلسطينيون في مقاومة قوات الجيش الاسرائيلي في المخيم (الجنود، في عدة حالات، فضلوا الانسحاب وعدم الصدام). وفي القيادة العليا فضلوا تجاهل الوثيقة.

          ولا يزال، طمون البعيدة ليست مخيم بلاطة للاجئين، الذي يوجد في قلب الضفة. مطلوب تراكم آخر من الاحداث كي يتاح الاعلان عن تغيير حقيقي. لا ريب أن الجمود السياسي، المشاكل الاقتصادية للسلطة واستمرار البناء في المستوطنات تغضب الفلسطينيين في الضفة. من جهة اخرى لا يمكن تجاهل العناصر الكابحة – وعلى رأسها اعتبارات قيادة السلطة الفلسطينية نفسها.

          رئيس السلطة، محمود عباس (ابو مازن) يخطط لان يستغل في الاشهر القريبة القادمة الانجاز الفلسطيني في الامم المتحدة في محاولة للقبول في منظمات دولية مثل المحكمة في لاهاي وصندوق النقد الدولي. واقع صدامات عنف في الضفة كفيل بان يتناقض مع ادعاء السلطة بان فيها ما يكفي من مزايا الدولة كي تحسن مكانتها.

          في السلطة وفي قيادة فتح يخشون من أن يستغل الخصوم من حماس تصعيد العنف على الارض لزيادة شعبيتهم التي حظيت على اي حال بزخم حقيقي بعدما اعتبر في المناطق كانتصار لحماس في المواجهة الاخيرة مع اسرائيل في غزة. وفي هذه اللحظة يبدو أن الضفة كفيلة بان تدخل الى نوع من فترة الجمود، الى ما بعد الانتخابات في اسرائيل واتضاح سياسة الولايات المتحدة من النزاع الفلسطيني في الولاية الثانية للرئيس براك اوباما.

          كما يوجد شك في مدى انصات العالم العربي لانتفاضة اخرى في المناطق. فالنزف المتواصل للحرب الاهلية في سوريا لا يزال يجتذب اليه معظم الانتباه ومؤخرا اضيفت اليه هزة كبرى في العراق، حيث يخرج عشرات الاف السُنة في مظاهرات عاصفة مطالبين بالغاء التمييز ضدهم من جانب الحكومة الشيعية.

          يجدر بنا أن نذكر بانه حتى اذا ما اندلعت أخيرا انتفاضة ثالثة، فان وضع اسرائيل ليس مشابها لوضعها عشية الانتفاضة الثانية في ايلول 2000. فمنذئذ اقيم جدار الفصل، الذي يجعل صعبا دخول مخربين انتحاريين، تحسن بلا قياس الغطاء الاستخباري للمخابرات على الارض وتحقق تنسيق عملياتي وثيق بينها وبين الجيش الاسرائيلي والشرطة. اذا ما وعندما سيندلع عنف في المناطق، فانه كفيل بان يرتدي لون الكفاح الشعبي، ضمن امور اخرى بسبب الفشل السياسي الذي تكبده الفلسطينيون في الانتفاضة الاخيرة، والتي اختاروا أن يديروها كموجة اجرامية من هجمات الانتحاريين.

          في الوقت الذي يعنون فيه في الضفة بتوسيع كهذا يجدر الانتباه الى ما لا يتحدثون فيه. على حدود القطاع مرت ستة أسابيع هي الاهدأ منذ اندلاع الانتفاضة الثانية. وفي هذه الاثناء، فان وقف النار يصمد رغم أن اسرائيل تعمل بين الحين والاخر داخل "القاطع العازل" على طول الجدار مع القطاع. وهذا واقع هش ومؤقت. واضح أيضا أن ليس للطرفين اهتمام كبير في بلورة وثيقة مكتوبة تحدد قواعد اللعبة الجديدة، رغم مساعي الوساطة المصرية (التي سيطالب الطرفان فيها بتنازلات سيدفعون لقاءها ثمنا سياسيا داخليا). ومع ذلك، في غزة يسود في هذه اللحظة هدوء غير مسبوق تقريبا.

انشر عبر